تجاوز إلى المحتوى

من «رحلة ابن بطوطة» لابن بطوطة (ت ٧٧٩هـ)

ذكر تزوُّج الأمير سيف الدين بأخت السلطان

ولما أمر السلطان بتزويج أخته للأمير غدا، عَيَّنَ للقيام بشأن الوليمة ونفقاتها الملك فتح الله المعروف بشونوبس (بشين معجم مفتوح، وواوين أولهما مسكن والآخر مكسور، بينهما نون آخره سين مهمل)، وعينني لملازمة الأمير غدا والكون معه في تلك الأيام، فأتى الملك فتح الله بالصيوانات فظلل بها المشورين بالقصر الأحمر المذكور، وضرب في كل واحد منهما قبة ضخمة جدًّا، وفرش ذلك بالفرش الحسان، وأتى شمس الدين التبريزي أمير المطربين ومعه الرجال المغنون والنساء المغنيات والرواقص وكلهن مماليك السلطان، وأحضر الطباخين والخبازين والشوائين والحلوانيين والشربدارية والتنبول داران وذبحت الأنعام والطيور، وأقاموا يطعمون الناس خمسة عشر يومًا ويحضر الأمراء الكبار والأعزة ليلًا ونهارًا، فلما كان قبل ليلة الزفاف بليلتين جاء الخواتين من دار السلطان ليلًا إلى هذا القصر، فزينه وفرشته بأحسن الفرش، واستحضر الأمير سيف الدين وكان عربيًّا غريبًا لا قرابة له، فخففن به وأجلسنه على مرتبة معينة له، وكان السلطان قد أمر أن تكون ربيبته أم أخيه مبارك خان مقام أم الأمير غدا، وأن تكون امرأة أخرى من الخواتين مقام أخته، وأخرى مقام عمته، وأخرى مقام خالته؛ حتى يكون كأنه بين أهله، ولما أجلسنه على المرتبة جَعَلْنَ له الحناء في يديه ورجليه، وأقام باقيهن على رأسه يُغَنِّين ويرقصن، وانصرفْنَ إلى قَصْر الزفاف، وأقام هو مع خواصِّ أصحابه.

وعَيَّنَ السلطان جماعة من الأمراء يكونون من جهته، وجماعة يكونون من جهة الزوجة، وعادتهم أن تَقِفَ الجماعة التي من جهة الزوجة على باب الموضع الذي تكون به جلوتها على زوجها، ويأتي الزوج بجماعته فلا يدخلون إلَّا أن غلبوا أصحاب الزوجة، أو يعطونهم الآلاف من الدنانير إن لم يقدروا عليهم، ولما كان بعد المغرب أتى إليه بخلعة حرير زرقاء مزركشة مرصعة، قد غلبت الجواهر عليها فلا يظهر لونها مما عليها من الجوهر وبشاشية مثل ذلك، ولم أرَ قط خلعة أجمل من هذه الخلعة، وقد رأيت ما خلعه السلطان على سائر أصهاره مثل ابن ملك الملوك عماد الدين السمناني، وابن ملك العلماء، وابن شيخ الإسلام، وابن صدر جهان البخاري، فلم يكن فيها مثل هذه، ثمَّ ركب الأمير سيف الدين في أصحابه وعبيده، وفي يد كل واحد منهم عصى قد أعدها وصنعوا شبه إكليل من الياسمين والنسرين وريبول، وله رفرف يغطي وَجْه المتكلل به وصدره، وأتوا به الأمير ليجعله على رأسه فأبى من ذلك، وكان من عرب البادية لا عهد له بأمور الملك والحضر، فحاولته وحلفت عليه حتى جعله على رأسه وأتى باب الصرف — ويسمونه باب الحرم — وعليه جماعة الزوجة، فحمل عليهم بأصحابه حملة عربية وصرعوا كل من عارضهم فغلبوا عليهم، ولم يكن لجماعة الزوجة من ثبات، وبلغ ذلك السلطان فأعجبه فِعْله ودخل إلى المشور، وقد جُعِلَت العروس فوق منبر عالٍ مُزَيَّن بالديباج، مُرَصَّع بالجوهر والمشور، ملآن بالنساء والمطربات قد أحضرن أنواع الآلات المطربة وكلهن وقوف على قدم؛ إجلالًا له وتعظيمًا، فدخل بفرسه حتى قرب من المنبر فنزل وخدم عند أول درجة منه.

وقامت العروس قائمة حتى صعد فأعطته التنبول بيدها، فأخذه وجلس تحت الدرجة التي وقفت بها ونثرت دنانير الذهب على رءوس الحاضرين من أصحابه، ولقطتها النساء والمغنيات يغنين حينئذ والأطبال والأبواق والأنفار تضرب خارج الباب، ثمَّ قام الأمير وأخذ بيد زوجته ونزل وهي تتبعه، فركب فرسه يطأ به الفرش والبسط ونثرت الدنانير عليه وعلى أصحابه، وجعلت العروس في محفة وحملها العبيد على أعناقهم إلى قصره، والخواتين بين يديها راكبات وغيرهن من النساء ماشيات، وإذا مروا بدار أمير أو كبير خرج إليهم ونثر عليهم الدنانير والدراهم على قدر همته حتى أوصلوها إلى قصره، ولما كان بالغد بعثت العروس إلى جميع أصحاب زوجها الثياب والدنانير والدراهم، وأعطى السلطان لكل واحد منهم فرسًا مسرجًا ملجمًا، وبدرة داهم من ألف دينار إلى مائتي دينار، وأعطى الملك فتح الله للخواتين ثياب الحرير المنوعة والبدر، وكذلك لأهل الطرب، وعادتهم ببلاد الهند ألَّا يعطي أحد شيئًا لأهل الطرب إنما يعطيهم صاحب العرس، وأطعم الناس جميعًا ذلك اليوم، وانقضى العرس وأمر السلطان أن يعطى للأمير غدا بلاد المالوة والجزات وكنباية ونهروالة، وجعل فتح الله المذكور نائبًا عنه عليها، وعظمه تعظيمًا شديدًا، وكان عربيًّا جافيًا فلم يقدر قدر ذلك، وغلب عليه جفاء البادية فأداه ذلك إلى النكبة بعد عشرين ليلة من زفافه.

النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الجزء الثاني

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.