من «رحلة ابن بطوطة» لابن بطوطة (ت ٧٧٩هـ)
ذكر سجن الأمير غدا
ولما كان بعد عشرين يومًا من زفافه اتفق أنه وصل إلى دار السلطان، فأراد الدخول فمنعه أمير البرد (البردة) دارية، وهم الخواص من البوابين فلم يسمع منه وأراد التَّقَحُّم، فأمْسَكَ البواب بدبوقته وهي الضفيرة ورَدَّهُ، فضربه الأمير بعصًى كانت هنالك حتى أدماه، وكان هذا المضروب من كبار الأمراء يُعْرَف أبوه بقاضي غزنة، وهو من ذرية السلطان محمود بن سبكتكين والسلطان يخاطبه بالأدب ويخاطب ابنه هذا بالأخ، فدخل على السلطان والدَّمُ على ثيابه، فأخبره بما صَنَعَ الأمير غدا ففَكَّرَ السلطان هنيهة ثم قال له: القاضي يفصل بينكما، وتلك جريمة لا يغفرها السلطان لأحد من ناسه، ولا بُدَّ من الموت عليها، وإنما احتمله لغربته، وكان القاضي كمال الدين بالمشور فأمر السلطان الملك تتر أن يقف معهما عند القاضي.
وكان تتر حاجًّا مجاورًا يُحْسِن العربية فحضر معهما وقال للأمير أنت ضربته، أو قل لا لقصد أن يعلمه الحجة، وكان سيف الدين جاهلًا مغترًّا، فقال: نعم أنا ضربته، وأتى والد المضروب فرام الإصلاح بينهما فلم يقبل سيف الدين، فأمر القاضي بسجنه تلك الليلة، فوالله ما بعثت له زوجته فراشًا ينام عليه، ولا سألت عنه خوفًا من السلطان، وخاف أصحابه فودعوا أموالهم وأردت زيارته بالسجن، فلقيني بعض الأمراء وفهم عني أني أريد زيارته فقال لي أَوَنَسِيب؟ وذَكَّرَني بقضية اتفقت لي في زيارة الشيخ شهاب الدين بن شيخ الجام، وكيف أراد السلطان قتلي على ذلك حسبما يقع ذِكْره فرجعْتُ ولم أَزُرْهُ، وتخلص الأمير غدا عند الظهر من سجنه، فأظهر السلطان أعماله وأضرب عمَّا كان أَمَرَ له بولايته وأراد نفيه، وكان للسلطان صهر يسمى بمغيث بن ملك الملوك، وكانت أخت السلطان تشكوه لأخيها إلى أن ماتت، فذَكَرَ جواريها أنها ماتت بسبب قهره لها، وكان في نسبه مغمز فكتب السلطان بخط يجلي اللقيط يعنيه، ثم كتب ويجلي موش خوار معناه آكل الفيران يعني بذلك الأمير غدا؛ لأن عرب البادية يأكلون اليربوع وهو شبه الفأر، وأمر بإخراجهما فجاءه النقباء ليخرجوه فأراد دخول داره ووداع أهله، فترادف النقباء في طلبه فخرج باكيًا، وتوجَّهْتُ حين ذلك إلى دار السلطان فبِتُّ بها فسألني عن مبيتي بعضُ الأمراء، فقلت له: جئت لأتكلم في الأمير سيف الدين حتى يُرَدَّ ولا يُنْفَى، فقال: لا يكون ذلك، فقلت له: والله لأبيتن بدار السلطان ولو بلغ مبيتي مائة ليلة حتى يرد، فبلغ ذلك السلطان فأمر برده وأمره أن يكون في خدمة الأمير ملك قبولة اللاهوري، فأقام أربعة أعوام في خدمته يركب لركوبه ويسافر لسفره حتى تأدب وتهذب، ثم أعاده السلطان إلى ما كان عليه أوَّلًا وأقطعه البلاد، وقدمه على العساكر ورفع قدره.
النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع