من «رحلة ابن بطوطة» لابن بطوطة (ت ٧٧٩هـ)
ذكر ثورة الشريف جلال الدين ببلاد المعبر، وما اتصل بذلك من قَتْل ابن أخت الوزير
وكان السلطان قد أَمَّرَ على بلاد المعبر — وبينها وبين دهلي مسيرة ستة أشهر — الشريف جلال الدين أحسن شاه، فخالَفَ وادعى المُلْكَ لنفسه، وقَتَلَ نُوَّاب السلطان وعُمَّاله وضرب الدنانير والدراهم باسمه، وكان يكتب في إحدى صفحتي الدينار سلالة طه ويس أبو الفقراء والمساكين جلال الدنيا والدين، وفي الصحفة الأخرى الواثق بتأييد الرحمن أحسن شاه السلطان، وخرج السلطان لما سمع بثورته يريد قتاله، فنزل بموضع يقال له كشك زر معناه قصر الذهب، وأقام به ثمانية أيام لقضاء حوائج الناس، وفي تلك الأيام يأتي ابن أخت الوزير خواجة جهان وأربعة من الأمراء أو ثلاثة وهم مقيدون مغلولون، وكان السلطان قد بعث وزيره المذكور في مقدمته، فوصل إلى مدينة ظهار وهي على مسيرة أربع وعشرين من دهلي وأقام بها أيامًا، وكان ابن أخته شجاعًا بطلًا، فاتفق مع الأمراء الذين أتي بهم على قَتْل خاله والهروب بما عنده من الخزائن والأموال إلى الشريف القائم ببلاد المعبر، وعزموا على الفتك بالوزير عند خروجه إلى صلاة الجمعة، فوشى بهم أحد من أدخلوه في أمرهم إلى الوزير، وكان يسمى الملك نصرة الحاجب، وأخبر الوزير أن آية ما يرومونه لبسهم الدروع تحت ثيابهم، فبعث الوزير عنهم فوجدهم كذلك، فبعث بهم إلى السلطان.
وكنت بين يدي السلطان حين وصولهم، فرأيت أحدهم وكان طوال اللحى، وهو يرعد ويتلو سورة يس، فأمر بهم فطرحوا للفيلة المعلمة لقتل الناس، وأمر بابن أخت الوزير، فرد إلى خاله ليقتله فقتله وسنذكر ذلك، وتلك الفيلة التي تقتل الناس تكسى أنيابها حدائد مسنونة شبه سكك الحرث، لها أطراف كالسكاكين، ويركب الفيال على الفيل، فإذا رمي بالرجل بين يديه لف عليه خرطومه ورمى به إلى الهواء، ثمَّ يتلقفه بنابيه، ويطرحه بعد ذلك بين يديه، ويجعل يده على صدره، ويفعل به ما يأمره الفيال على حسب ما أمره السلطان، فإن أمره بتقطيعه قطعه الفيل قطعًا بتلك الحدائد، وإن أمر بتركه تركه مطروحًا فسلخ وكذلك فعل بهؤلاء، وخرجت من دار السلطان بعد المغرب فرأيت الكلاب تأكل لحومهم، وقد ملئت جلودهم بالتبن والعياذ بالله، ولما تجهز السلطان لهذه الحركة أمرني بالإقامة بالحضرة كما سنذكره، ومضى في سفره إلى أن بلغ دولة آباد، فثار الأمير هلاجون ببلاده وخرج ذلك وكان الوزير خواجة جهان قد بقي أيضًا بالحضرة لحشد الحشود وجمع العساكر.
النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع