تجاوز إلى المحتوى

من «رحلة ابن بطوطة» لابن بطوطة (ت ٧٧٩هـ)

ذكر ثورة ابن عمته وما اتصل بذلك

وكان للسلطان تغلق ابن أخت يُسمَّى بهاء الدين كشت أسب (بضم الكاف وسكون الشين المعجم وتاء معلوَّة)، وأسب (بالسين المهمل والباء الموحدة مسكنين)، فجعله أميرًا ببعض النواحي، فلما مات خاله امتنع من بيعة ابنه وكان شجاعًا بطلًا، فبعث السلطان إليه العساكر، فيهم الأمراء الكبار مثل الملك مجير، والوزير خواجة جهان أمير على الجمع، فالْتَقَى الفرسان، واشتد القتال، وصَبَرَ كِلَا الْعَسْكَرَيْنِ، ثم كانت الْكَرَّة لعسكر السلطان، ففر بهاء الدين إلى ملك من ملوك الكفار يُعرف بالراي كنبيلة، والراي عندهم كمثل ما هو بلسان الروم عبارة عن السلطان وكنبيلة اسم الإقليم الذي هو به وهو (بفتح الكاف وسكون النون وكسر الباء الموحدة وياء ولام مفتوح)، وهذا الراي له بلاد في جبال منيعة، وهو من أكابر سلاطين الكفار، فلما هرب إليه بهاء الدين اتبعته عساكر السلطان، وحصروا تلك البلاد، واشتد الأمر على الكافر، ونفد ما عنده من الزرع، وخاف أن يؤخذ باليد، فقال لبهاء الدين: إن الحال قد بلغت لما تراه، وأنا عازم على هلاك نفسي وعيالي ومن تبعني، فاذهب أنت إلى السلطان فلان — لسلطان من الكفار سماه له — فأقم عنده فإنه سيمنعك، وبعث معه من أوصله إليه، وأمر راي كنبيلة بنار عظيمة فأججت وأحرق فيها أمتعته، وقال لنسائه وبناته أني أريد قتل نفسي، فمن أرادت موافقتي فلتفعل، فكانت المرأة منهن تَغْتَسِل وتدهن بالصندل والمقاصري، وتُقَبِّل الأرض بين يديه، وترمي بنفسها في النار حتى هلكن جميعًا.

وفَعَلَ مثل ذلك نساء أمرائه ووزرائه وأرباب دولته ومن أراد من سائر النساء، ثم اغتسل الراي وأدهن بالصندل، ولبس السلاح ما عدا الدرع، وفعل كفعله من أراد الموت معه من ناسه، وخرجوا إلى عسكر السلطان فقاتلوا حتى قتلوا جميعًا، ودخلت المدينة فأسر أهلها وأسر من أولاد راي كنبيلة أحد عشر ولدًا، فأتى بهم السلطان فأسلموا جميعًا، وجعلهم السلطان أمراء، وعظماء لأصالتهم ولفعل أبيهم، فرأيت عنده منهم نصرًا وبختيار والمهردار وهو صاحب الخاتم الذي يختم به على الماء الذي يشرب السلطان ومنه وكنيته أبو مسلم وكانت بيني وبينه صحبة ومودة، ولما قتل رأى كنبيلة توجهت عساكر السلطان إلى بلد الطفار الذي لجأ إليه بهاء الدين وأحاطوا به، فقال ذلك السلطان: أنا لا أقدر على أن أفعل ما فعله راي كنبيلة، فقبض على بهاء الدين، وأسلمه إلى عسكر السلطان، فقيدوه وغلوه وأتوا به، فلما أتي به إليه أمر بإدخاله إلى قرابته من النساء فشتمنه وبصقن في وجهه، وأمر بسلخه وهو بقيد الحياة فسلخ وطبخ لحمه مع الأرز وبعث لأولاده وأهله، وجعل باقيه على صحفة، وطرح للفيلة لتأكله فأبت أكله، وأمر بجلده فحُشِيَ بالتبن وقُرِنَ بجلد بهادور بورة وطِيفَ بهما على البلاد، فلما وصلا إلى بلاد السند وأمير أمرائها يومئذٍ كشلوخان صاحب السلطان تغلق ومعينه على أَخْذ الملك، وكان السلطان يعظمه ويخاطبه بالعم ويخرج لاستقباله إذا وَفَدَ من بلاده، أَمَرَ كشلوخان بدفن الجلدين، فبلغ ذلك السلطان، فشق عليه فِعْلُه وأراد الفتك به.

النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الجزء الثاني

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.