من «رحلة ابن بطوطة» لابن بطوطة (ت ٧٧٩هـ)
ذكر قتله للشيخ هود
وكان الشيخ زاده المسمى بهود حفيد الشيخ الصالح الولي ركن الدين بن بهاء الدين بن أبي زكرياء الملتاني، وجده الشيخ ركن الدين معظمًا عند السلطان، وكذلك أخوه عماد الدين الذي كان شبيهًا بالسلطان وقتل قوم وقيعة كشلوخان وسنذكره، ولما قُتِلَ عماد الدين أعطى السلطان لأخيه ركن الدين مائة قرية ليأكل منها ويطعم الصادر والوارد بزاويته، فتوفي الشيخ ركن الدين وأوصى بمكانه من الزواية لحفيده الشيخ هود، ونازَعَهُ في ذلك ابن أخي الشيخ ركن الدين وقال: أنا أحق بميراث عمي، فقَدِمَا على السلطان وهو بدولة آباد وبينهما وبين ملتان ثمانون يومًا، فأعطى السلطان المشيخة لهود حسبما أوصى له الشيخ وكان كهلًا، وكان ابن أخي الشيخ فتًى، وأَكْرَمَه السلطان وأَمَرَ بتضييفه في كل منزل يدخله، وأن يخرج إلى لقائه أهل كل بلد يمر به إلى ملتان وتُصْنَع له فيه دعوة، فلما وَصَلَ الأمر للحضرة خرج الفقهاء والقضاة والمشايخ والأعيان للقائه، وكنت فيمن خرج إليه فتلقيناه وهو راكب في دولة يحملها الرجال وخيله مجنوبة، فسلمنا عليه وأنْكَرْتُ أنا ما كان من فعله في ركوبه الدولة، وقلت: إنما كان ينبغي له أن يركب الفرس ويساير من خرج للقائه من القضاة والمشايخ، فبلغه كلامي فركب الفرس واعتذر بأن فعله أوَّلًا كان بسبب أَلَمٍ مَنَعَهُ من ركوب الفرس، ودخل الحضرة وصُنِعَتْ له به دعوة أُنْفِقَ فيها من مال السلطان عدد كثير وحضر القضاة والمشايخ والفقهاء والأعزة ومد السماط وأتوا بالطعام على العادة.
ثمَّ أُعْطِيَت الدراهم لكل من حضر على قدر استحقاقه، فأعطي قاضي القضاة خمسمائة دينار، وأُعْطِيتُ أنا مائتين وخمسين دينارًا وهذه عادة لهم في الدعوة السلطانية، ثمَّ انصرف الشيخ هود إلى بلده ومعه الشيخ نور الدين الشيرازي بعثه السلطان ليجلسه على سجادة جده بزاويته، ويصنع له الدعوة من مال السلطان هنالك واستقرَّ بزاويته وأقام بها أعوامًا، ثمَّ إنَّ عماد الملك أمير بلاد السند كتب إلى السلطان يَذْكُر أن الشيخ وقرابته يشتغلون بجمع الأموال وإنفاقها في الشهوات، ولا يطعمون أحدًا بالزاوية، فنفد الأمر بمطالبتهم بالأموال، فطلبهم عماد الملك بها وسجن بعضهم وضرب بعضًا، وصار يأخذ منهم كل يوم عشرين ألف دينار مدة أيام حتى استخلص ما كان عندهم ووجد لهم كثير من الأموال والذخائر، من جملتها نعلان مرصعان بالجوهر والياقوت بيعا بسبعة آلاف دينار، قيل: إنهما كانا لبنت الشيخ هود وقيل لسرية له، فلما اشتدَّ الحال على الشيخ هرب يريد بلاد الأتراك، فقبض عليه وكتب عماد الملك بذلك إلى السلطان، فأمره أن يبعثه ويبعث الذي قبض عليه كلاهما في حكم الثقاف، فلما وصلا إليه سرح الذي قبض عليه وقال للشيخ هود أين أردت أن تفر؟ فاعتذر بعذر، فقال له السلطان إنما أردت أن تذهب إلى الأتراك فتقول أنا ابن الشيخ بهاء الدين زكرياء وقد فعل السلطان معي كذا وتأتي بهم لقتالنا، اضربوا عنقه، فضُرِبَتْ عنقه رحمه الله تعالى.
النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع