من «رحلة ابن بطوطة» لابن بطوطة (ت ٧٧٩هـ)
ذكر خلاف ابن أخيه وسبب ذلك
وكان له ابن أخ متزوج ببنته فولاه بعض البلاد، وكان الفتى يتعشق بنتًا لبعض الأمراء، ويريد تزوجها، والعادة هنالك أنه إذا كانت لرجل من الناس أمير أو سوقي أو سواه بنت قد بلغت مبلغ النكاح، فلا بد أن يستأمر للسلطان في شأنها، ويبعث السلطان من النساء من تنظر إليها، فإن أعجبته صفتها تزوجها وإلا تركها يزوجها أولياؤها ممن يشاءوا، والناس هنالك يرغبون في تزوج السلطان بناتهم لما يحوزن به من الجاه والشرف، ولما استأمروا والد البنت التي تعشقها ابن أخي السلطان بعث السلطان من نظر إليها وتزوجها، واشتد شغف الفتى بها، ولم يجد سبيلًا إليها، ثم أن السلطان خرج إلى الغزو، وبينه وبين الكفار مسيرة شهر، فخالفه ابن أخيه إلى سمطرة ودخلها؛ إذ لم يكن عليها سور حينئذ، وادعى الملك وبايعه بعض الناس وامتنع آخرون، وعلم عمه بذلك فقفل عائدًا إليها، فأخذ ابن أخيه ما قدر عليه من الأموال والذخائر، وأخذ الجارية التي تعشقها وقصد بلاد الكفار بمل جاوة، ولهذا بنى عمه السور على سمطرة، وكانت إقامتي عنده بسمطرة خمسة عشر يومًا، ثمَّ طلبت منه السفر إذ كان أوانه، ولا يتهيأ للسفر إلى الصين في كل وقت، فجهز لنا جنكًا وزودنا وأحسن وأجمل جزاه الله خيرًا، وبعث معنا من أصحابه من يأتي لنا بالضيافة إلى الجنك، وسافرنا بطول بلاده إحدى وعشرين ليلة، ثمَّ وصلنا إلى مل جاوة (بضم الميم)، وهي بلاد الكفار وطولها مسيرة شهرين وبها الأقاويه العطرة والعود الطيب القاقلي والقماري وقافلة وقمارة من بعض بلادها وليس ببلاد السلطان الظاهر بالجاوة إلا اللبان والكافور، وشيء من القرنفل، وشيء من العود الهندي، وإنما معظم ذلك بما جاوة، ولنذكر ما شاهدناه منها، ووقفنا على أعيانه وحققناه.
النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع