تجاوز إلى المحتوى

من «رحلة ابن بطوطة» لابن بطوطة (ت ٧٧٩هـ)

ذكر فعله في صلاة العيد وأيامه

وحضرت بمالي عيد الأضحى والفطر فخرج الناس إلى المصلى، وهو بمقربة من قصر السلطان وعليهم الثياب البيض الحسان، ورَكِبَ السلطان وعلى رأسه الطيلسان، والسودان لا يلبسون الطيلسان إلا في العيد ما عدا القاضي والخطيب والفقهاء، فإنهم يلبسونه في سائر الأيام، وكانوا يوم العيد بين يدي السلطان، وهم يهللون ويكبرون، وبين يديه العلامات الحُمر من الحرير، ونُصِبَ عند المصلى خباء فدخل السلطان إليها، وأصلح من شأنه ثم خرج إلى المصلى، فقُضيت الصلاة والخطبة، ثم نزل الخطيب وقعد بين يدي السلطان وتكلم بكلام كثير، وهنالك رجل بيده رمح يبين للناس بلسانهم كلام الخطيب، وذلك وَعْظ وتذكير وثناء على السلطان وتحريض على لزوم طاعته وأداء حقه.

ويجلس السلطان في أيام العيدين بعد العصر على البنبي، وتأتي السلحدارية بالسلاح العجيب من تراكش الذهب والفضة والسيوف المحلاة بالذهب وأغمادها منه ورماح الذهب والفضة ودبابيس البلور، ويقف على رأسه أربعة من الأمراء يشردون الذُّباب، وفي أيديهم حلية من الفضة تشبه ركاب السرج، ويجلس الفرارية والقاضي والخطيب على العادة، ويأتي دوغا الترجمان بنسائه الأربع وجواريه وهُنَّ نحو مائة عليهن الملابس الحسان، وعلى رأسهن عصائب الذهب والفضة فيها تفافيح ذهب وفضة، ويُنصب لدوغا كرسي يجلس عليه ويضرب الآلة التي هي من قصب، وتحتها قريعات ويغني بشعر يمدح السلطان فيه ويَذْكُر غزواته وأفعاله ويغني النساء والجواري معه ويلعبن بالقِسِيِّ ويكون معهن نحو ثلاثين من غلمانه عليهم جباب الملف والحمر وفي رءوسهم الشواشي البيض، وكل واحد منهم متقلد طبله يضربه، ثم يأتي أصحابه من الصبيان فيلعبون ويتقلبون في الهواء كما يفعل السندي، ولهم في ذلك رشاقة وخِفَّة بديعة، ويلعبون بالسيوف أَجْمَلَ لعب، ويلعب دوغا بالسيف لعبًا بديعًا، وعند ذلك يأمر السلطان له بالإحسان، فيأتى بصُرَّةٍ فيها مائتا مثقال من التبر، ويَذْكُر له ما فيها على رءوس الناس، وتقوم الفرارية فينزعون في قسبهم شكرًا للسلطان، وبالغد يعطى كل واحد منهم لدوغا عطاء على قدره، وفي كل يوم جمعة بعد العصر يفعل دوغا مثل هذا الترتيب الذي ذكرناه.

النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الجزء الثاني

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.