تجاوز إلى المحتوى

من «رحلة ابن بطوطة» لابن بطوطة (ت ٧٧٩هـ)

حكاية نحوها (٢)

دَخَلْتُ يومًا على أبي محمد يندكان المسوفي الذي قَدِمْنا في صحبته، فوجدته قاعدًا على بساط، وفي وسط داره سرير مظلل عليه امرأة معها رجل قاعد وهما يتحدثان، فقلت له: ما هذه المرأة؟ فقال: هي زوجتي، فقلت: وما الرجل الذي معها؟ فقال: هو صاحبها، فقلت له: أترضى بهذا وأنت قد سَكَنْتَ بلادنا وعَرَفْتَ أمور الشرع؟ فقال لي: مصاحَبة النساء للرجال عندنا على خير وحسن طريقة لا تُهْمَة فيها ولسن كنساء بلادكم، فعجبت من رعونته وانصرفت عنه، فلم أَعُدْ إليه بعدها واستدعاني مرات فلم أُجِبْهُ، ولما عَزَمْتُ على السفر إلى مالي وبينها وبين إيوا لأتن مسيرة أربعة وعشرين يومًا للمُجِدِّ، اكتريت دليلًا من مسوفة، إذ لا حاجة إلى السفر في رفقة لا من تلك الطريق، وخرجت في ثلاثة من أصحابي، وتلك الطريق كثيرة الأشجار، وأشجارها عادية ضخمة، تستظل القافلة بظلِّ الشجرة منها، وبعضها لا أغصان لها ولا ورق ولكن ظِلُّ جسدها بحيث يَسْتَظِلُّ به الإنسان، وبعض تلك الأشجار قد استأسن داخلها واستنقع فيه ماء المطر فكأنها بئر، ويشرب الناس من الماء الذي فيها، ويكون في بعضها النحل والعسل فيشتاره الناس منها، ولقد مررت بشجرة منها فوجَدْتُ في داخلها رجلًا حائكًا قد نصب بها مرمته وهو ينسج، فعجبت منه، قال ابن جزي: ببلاد الأندلس شجرتين من شجر القسطل في جوف كل واحدة منهما حائك ينسج الثياب إحداهما بسند وادي آش والأخرى ببشارة غرناطة.

(رجع) وفي أشجار هذه الغابة التي بين إيو الأتن ومالي ما يشبه ثمرة الإجاص والتفاح والخوخ والمشمش وليست بها، وفيها أشجار تثمر شبه الفقوس، فإذا طاب انفلق عن شيء شبه الدقيق فيطبخونه ويأكلونه ويباع بالأسواق، ويستخرجون من هذه الأرض حبات كالفول فيقلونها ويأكلونها وطعمها كطعم الحمص المقلوِّ، وربما طحنوها وصنعوا منها شبه الإسفنج وقلوه بالغرتي، والغرتي (بفتح الغين المعجم وسكون الراء وكسر التاء المثناة)، وهو ثمر كالإجاص شديد الحلاوة مضر بالبيضان إذا أكلوه، ويدق عظمه فيستخرج منه زيت لهم، فيه منافع فمنها أنهم يطبخون به ويسرجون السرج ويقلون به هذا الإسفنج، ويدهنون به ويخلطونه بتراب عندهم ويسطحون به الدور، كما تسطح بالجير، وهو عندهم كثير متيسر، ويُحْمَل من بلد إلى بلد في قرع كبار تسع القرعة منها قدر ما تسعه القلة ببلادنا، والقرع ببلاد السودان يُعَظَّم، ومنه يصنعون الجفان، يقطعون القرعة نصفين فيصنعون منها جفنتين وينقشونها نقشًا حسنًا، وإذا سافر أحدهم يتبعه عبيده وجواريه، يحملون فُرشه وأوانيه التي يأكل ويشرب فيها وهي من القرع، والمسافر بهذه البلاد لا يَحْمِل زادًا ولا إدامًا ولا دينارًا ولا درهمًا، إنما يَحْمِل قطع الملح وحلي الزجاج الذي يسميه الناس النظم، وبعض السلع العطرية، وأكثر ما يعجبهم منها القرنفل والمصطكى وتاسرغنت وهو بخورهم، فإذا وَصَلَ قرية جاء نساء السودان بأنلي واللبن والدجاج ودقيق النبق والأرز والفوني وهو كحب الخردل، يُصنع من الكسكسو والعصيدة ودقيق اللوبيا فيشترى منهن ما أحب من ذلك إلا أن الأرز يضر أَكْله بالبيضان والفوني خير منه.

وبعد مسيرة عشرة أيام من إيو الأتن وصلنا إلى قرية زاغري (وضبطها بفتح الزاي والغين المعجم وكسر الراء)، وهي قرية كبيرة يسكنها تجار السودان، ويسمون ونجراتة (بفتح الواو وسكون النون وفتح الجيم والراء وألف وتاء مثناة وتاء تأنيث)، ويسكن معهم جماعة من البيضان يذهبون مذهب الإباضية من الخوارج ويسمون صغنغو (بفتح الصاد المهمل والغين المعجم الأول والنون وضم الغين الثاني وواو)، والسنيون المالكيون من البيض يُسمون عندهم توري (بضم التاء المثناة وواو وراء مكسورة)، ومن هذه القرية يُجْلَب أنلي إلى إيو الأتن، ثم سرنا من زاغري، فوصلنا إلى النهر الأعظم، وهو النيل وعليه بلدة كارسخوا (بفتح الكاف وسكون الراء وفتح السين المهمل وضم الخاء المعجم وواو)، والنيل ينحدر منها إلى كابرة (بفتح الباء الموحدة والراء)، ثم إلى زاغة (بفتح الزاي والغين المعجم)، ولكابرة وزاغة سلطانان يؤديان الطاعة لملك مالي، وأهل زاغة قدماء في الإسلام لهم ديانة وطلب للعلم، ثم ينحدر النيل من زاعة إلى تنبكتو ثم إلى كوكو وسنذكرهما، ثم إلى بلدة مولي (بضم الميم وكسر اللام) من بلاد الليميين وهي آخر عمالة مالي، ثم إلى يوفي واسمها (بضم الياء آخر الحروف وواو وفاء مكسورة)، وهي من أكبر بلاد السودان وسلطانها من أعظم سلاطينهم، ولا يدخلها الأبيض من الناس؛ لأنهم يقتلونه قبل الوصول إليها ثم ينحدر إلى بلاد النوبة وهم على دين النصرانية، ثم إلى دنقلة وهي أكبر بلادهم (وضبطها بضم الدال والقاف وسكون النون بينهما وفتح اللام)، وسلطانها يدعى بابن كنز الدين أسلم على أيام الملك الناصر، ثم ينحدر إلى جنادل وهي آخر عمالة السودان وأول عمالة أسوان من صعيد مصر.

ورأيت التمساح بهذا الموضع من النيل بالقرب من الساحل كأنه قارب صغير، ولقد نزلت يومًا إلى النيل لقضاء حاجة، فإذا بأحد السودان قد جاء ووقف فيما بيني وبين النهر، فعجبت من سوء أدبه وقلة حيائه، وذَكَرْتُ ذلك لبعض الناس فقال: إنما فَعَلَ ذلك خوفًا عليك من التمساح فحال بينك وبينه، ثم سِرْنَا من كارسخو فوصلنا إلى نهر صنصرة (بفتح الصادين المهملين والراء وسكون النون)، وهو على نحو عشرة أميال من مالي، وعادتهم أن يُمنع الناس من دخولها إلا بالإذن، وكنت كتبت قبل ذلك لجماعة البيضان وكبيرهم محمد بن الفقيه الجزولي وشمس الدين بن النقويش المصري؛ ليكتروا لي دارًا، فلما وصلت إلى النهر المذكور جزت في المعدية ولم يمنعني أحد فوصلت إلى مدينة مالي حضرة ملك السودان فنزلت عند مقبرتها، ووصلت إلى محلة البيضان، وقصدت محمد بن الفقيه فوجدته قد اكترى لي دارًا إزاء داره، فتوجهت إليها وجاء صهره الفقيه المقرئ عبد الواحد بشمعة وطعام، ثم جاء ابن الفقيه إلي من الغد وشمس الدين بن النقويش وعلي الزودي المراكشي وهو من الطلبة، ولقيت القاضي بمالي عبد الرحمن، جاءني وهو من السودان حاج فاضل له مكارم أخلاق بعث إليَّ بقرة في ضيافته، ولقيت الترجمان دوغا (بضم الدال وواو وغين معجم)، وهو من أفاضل السودان وكبارهم وبعث إلي بثور وبعث إليَّ الفقيه عبد الواحد غرارتين من الفوني وقرعة من الغرتي، وبعث إلي ابن الفقيهِ الأرزَّ والفوني، وبعث إليَّ شمس الدين بضيافة، وقاموا بحقي أَتَمَّ قيام، شكر الله حُسْنَ أفعالهم.

وكان ابن الفقيه متزوجًا ببنت عم السلطان، فكانت تتفقدنا بالطعام وغيره، وأَكَلْنَا بعد عشرة أيام من وصولنا عصيدةً تُصْنَع من شيء شبه القلقاس يُسمى القافي (بقاف وألف وفاء)، وهي عندهم مفضلة على سائر الطعام، فأصبحنا جميعًا مرضى، وكنا ستة فمات أحدنا، وذهبْتُ أنا لصلاة الصبح فغُشيَ عليَّ فيها، وطَلَبْتُ من بعض المصريين دواء مُسهِّلًا فأتى بشيء يسمى بيدر (بفتح الباء الموحدة وتسكين الياء آخر الحروف وفتح الدال المهمل وراء)، وهو عروق نبات، وخَلَطَه بالأنيسون والسكر ولَتَّهُ بالماء، فشربْته وتقيأْتُ ما أكلته مع صفراء كثيرة، وعافاني الله من الهلاك ولكني مَرِضْتُ شَهْرَيْن.

النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الجزء الثاني

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.