من «رحلة ابن بطوطة» لابن بطوطة (ت ٧٧٩هـ)
ذكر التكشيف
والتكشيف اسم لكل رجل من مسوفة، يكتريه أهل القافلة، فيتقدم إلى إيو الأتن بكتب الناس إلى أصحابهم بها ليكتروا لهم الدور، ويخرجون للقائهم بالماء مسيرة أربع، ومن لم يكن له صاحبٌ بإيو الأتن كتب إلى مَنْ شُهِرَ بالفضل من التجار بها، فيشاركه في ذلك، وربما هلك التكشيف في هذه الصحراء، فلا يَعْلَم أهل إيو الأتن بالقافلة فيهلك أهلها أو الكثير منهم، وتلك الصحراء كثيرة الشياطين، فإن كان التكشيف منفردًا، لَعِبَتْ به واستهوته حتى يضِلَّ عن قصده فيهلك؛ إذ لا طريق يَظْهَر بها، ولا أَثَرَ، إنما هي رمال تسفيها الريح، فترى جبالًا من الرمل في مكان، ثم تراها قد انتقلت إلى سواه، والدليل هنالك من كَثُرَ تردده وكان له قَلْب ذكي، ورأيت من العجائب أن الدليل الذي كان لنا هو أعور العين الواحدة مريض الثانية، وهو أعرف الناس بالطريق، واكترينا التكشيف في هذه السفرة بمائة مثقال من الذهب وهو من مسوفة، وفي ليلة اليوم السابع رأينا نيران الذين خرجوا للقائنا، فاستبشرنا بذلك، وهذه الصحراء منيرة مشرقة، ينشرح الصدر فيها، وتطيب النفس وهي آمنة من السراق والبقر الوحشية بها كثير، يأتي القطيع منها حتى يقرب من الناس، فيصطادونه بالكلاب والنشاب، لكن لحمها يولِّدُ أكله العطش، فيتحاماه كثير من الناس لذلك، ومن العجائب أن هذه البقر إذا قتلت وجد في كروشها الماء، ولقد رأيت أهل مسوفة يعصرون الكرش منها ويشربون الماء الذي فيه، والحيات أيضًا بهذه الصحراء كثيرة.
النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع