من «رحلة ابن بطوطة» لابن بطوطة (ت ٧٧٩هـ)
ذكر التكشيف: حكاية
وكان في القافلة تاجر تلمساني يُعرف بالحاج زيان، ومن عادته أن يَقْبِضَ على الحيات، ويَعْبَثَ بها، وكنت أنهاه عن ذلك فلا ينتهي، فلما كان ذات يوم أَدْخَلَ يده في جُحر ضبٍّ ليُخْرِجَه، فوجد مكانه حية فأخذها بيده، وأراد الركوب فلسعته في سبابته اليمنى، وأصابه وَجَعٌ شديد، فكَوَيْتُ يده وزاد ألَمُهُ عشى النهار، فنَحَرَ جملًا وأدخل يده في كرشه وتركها كذلك ليلة، ثم تناثر لحم أصبعه فقَطَعَهَا من الأصل، وأخبرنا أهل مسوفة أن تلك الحية كانت قد شربت الماء قبل لسعه، ولو لم تكن شَرِبَتْ لَقَتَلَتْهُ، ولما وَصَلَ إلينا الذين استقبلونا بالماء شَرِبَتْ خَيْلُنا، ودخلنا صحراء شديدة الحر ليست كالتي عهدنا، وكنا نرحل بعد صلاة العصر ونسري الليل كله وننزل عند الصباح وتأتي الرجال من مسوفة وبردامة وغيرهم بأحمال الماء للبيع، ثم وصلنا إلى مدينة إيو الأتن في غرة شهر ربيع الأول بعد سفر شهرين كاملين من سجلماسة، وهي أول عمالة السودان ونائب السلطان بها فربا حسين وفربا بفتح الفاء وسكون الراء وفتح الباء الموحدة ومعناه النائب، ولما وصلناها جعل التجار أمتعتهم في رحبة، وتكفل السودان بحفظها وتوجهوا إلى الفربا وهو جالس على بساط في سقيف، وأعوانه بين يديه بأيديهم الرماح والقِسِيُّ، وكبراء مسوفة من ورائه ووقف التجار بين يديه وهو يكلمهم بترجمان، على قربهم منه احتقارًا لهم، فعند ذلك ندمت على قدومي بلادهم لسوء أدبهم واحتقارهم للأبيض، وقصدت دار ابن بداء وهو رجل فاضل من أهل سلا، كنت كتبت له أن يكتري لي دارًا ففعل ذلك.
ثم إنَّ مشرف إيو الأتن ويسمى منشاجوا (بفتح الميم وسكون النون وفتح الشين المعجم وألف وجيم مضموم وواو) استدعى من جاء في القافلة إلى ضيافته، فأبيت من حضور ذلك، فعزم الأصحاب علي أَشَدَّ العزم فتوجهت فيمن تَوَجَّهَ، ثم أُتيَ بالضيافة وهي جريش أنلي، مخلوط بيسير عسل ولبن، وقد وَضَعُوه في نصف قرعة صَيَّرُوه شبه الجفنة، فشرب الحاضرون وانصرفوا، فقلت لهم: ألهذا دعانا الأَسْوَدُ؟ قالوا: نعم، وهو الضيافة الكبيرة عندهم، فأيقنت حينئذٍ أن لا خير يُرْتَجَى منهم، وأردت أن أسافر مع حجاج إيو الأتن ثم ظهر لي أن أتوجه لمشاهدة حضرة ملكهم، وكانت إقامتي بإيو الأتن نحو خمسين يومًا، وأكرمني أهلها وأضافوني، منهم قاضيها محمد بن عبد الله بن بنو مر، وأخوه الفقيه المدرسي يحيى، وبلدة إيو الأتن شديدة الحر وفيها يسير نخيلات يزدرعون في ظلالها البطيخ، وماؤهم من أحساء بها، ولحم الضأن كثير بها، وثياب أهلها حسان مصرية، وأكثر السكان بها من مسوفة، ولنسائها الجمال الفائق وهي أعظم شأنًا من الرجال.
النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع