من «رحلة ابن بطوطة» لابن بطوطة (ت ٧٧٩هـ)
رجع ذكر سلطانها
وكان ملك غرناطة في عهد دخولي إليها السلطان أبو الحجاج يوسف بن السلطان أبي الوليد إسماعيل بن فرج بن إسماعيل بن يوسف بن نصر، ولم أَلْقَهُ بسبب مَرَضٍ كان به، وبعثَتْ إليَّ والدته الحرة الصالحة الفاضلة بدنانير ذهب ارتفقت بها، ولقيت بغرناطة جملة من فضلائها منهم قاضي الجماعة بها الشريف البليغ أبو القاسم محمد بن أحمد بن محمد الحسيني السبتي، ومنهم فقيهها المدرس الخطيب العالم أبو عبد الله محمد بن إبراهيم البياني، ومنهم عالمها ومقرئها الخطيب أبو سعيد فرج بن قاسم الشهير بابن لبت، ومنهم قاضي الجماعة نادرة العصر وطُرفة الدهر أبو البركات محمد بن محمد بن إبراهيم السلمي البلعبعي، قدم عليها من المربة في تلك الأيام فوقع الاجتماع به في بستان الفقيه أبو القاسم محمد ابن الفقيه الكاتب الجليل أبي عبد الله بن عاصم، وأقمنا هنالك يومين وليلة، قال ابن جزي: كنت معهم في ذلك البستان ومتعنا الشيخ أبو عبد الله بأخبار رحلته وقيدت عنه أسماء الأعلام الذين لقيهم فيها، واستفدنا منه الفوائد العجيبة، وكان معنا جملة من وجوه أهل غرناطة، منهم الشاعر المجيد الغريب الشأن أبو جعفر أحمد بن رضوان بن عبد العظيم الجذامي، وهذا الفتى أمره عجيب، فإنه نشأ بالبادية، ولم يطلب العلم، ولا مارس الطلبة، ثم إنه نبغ بالشعر الجيد الذي يَنْدُر وقوعه من كبار البلغاء وصدور الطلبة مثل قوله (رمل):
يا من اختار فؤادي منزلًابابه العين التي ترمقُهُ
فتح البابَ سهادي بَعْدَكُمْفابعثوا طَيْفَكُمْ يُغْلِقُهُ
(رجع) ولقيت بغرناطة شيخ الشيوخ والمتصوفين بها الفقيه أبا علي عمر بن الشيخ الصالح الولي أبي عبد الله محمد بن المحروق، وأقمت أيامًا بزاويته التي بخارج غرناطة، وأكرمني أشد الإكرام، وتوجهت معه إلى زيارة الزاوية الشهيرة البركة المعروفة برابطة العقاب، والعقاب جبل مطل على خارج غرناطة وبينهما نحو ثمانية أميال، وهو مجاور لمدينة التيرة الخربة، ولقيت أيضًا ابن أخيه الفقيه أبا الحسن علي بن أحمد بن المحروق بزاويته المنسوبة للجام بأعلى ربض نجد من خارج غرناطة المتصل بجبل السبيكة وهو شيخ المتسببين من الفقراء، وبغرناطة جملة من فقراء العجم استوطنوها لشبهها ببلادهم، منهم الحاج أبو عبد الله السمرقندي، والحاج أحمد التبريزي، والحاج إبراهيم القونوي، والحاج حسين الخراساني، والحاجان علي ورشيد الهنديان وسواهم، ثمَّ رحلت من غرناطة إلى الحمة، ثمَّ إلى بلش، ثمَّ إلى مالقة، ثمَّ إلى حصن ذكوان وهو حصن حسن كثير المياه والأشجار والفواكه، ثمَّ سافرت منه إلى رندة، ثمَّ إلى قرية بني رياح، فأنزلني شيخنا أبو الحسن علي سليمان الرياحي وهو أحد كُرَمَاء الرجال وفُضَلَاء الأعيان يُطْعِم الصادِرَ والوارد وأضافني ضيافة حسنة، ثم سافَرْتُ إلى جبل الفتح ورَكِبْتُ البحر في الجفن الذي جُزْتُ فيه أولًا، وهو لأهل أصيلًا فوصلت إلى سبتة، وكان قائدها إذ ذاك الشيخ أبو مهدي عيسى بن سليمان بن منصور وقاضيها الفقيه أبو محمد الزجندري، ثم سافرت منها إلى أَصِيلَا وأقمت بها شهورًا، ثم سافرت منها إلى مدينة سلا، ثم سافرت من سلا فوصلت إلى مدينة مراكش وهي من أجمل المدن فسيحة الأرجاء، متسعة الأقطار، كثيرة الخيرات، بها المساجد الضخمة كمسجدها الأعظم المعروف بمسجد الكتبيين، وبها الصومعة الهائلة العجيبة صعدتها وظهر لي جميع البلد منها، وقد استولى عليه الخراب فما شبهتها إلا ببغداد، إلا أن أسواق بغداد أحسن، وبمراكش المدرسة العجيبة التي تميزت بحسن الوضع، وإتقان الصنعة وهي من بناء الإمام مولانا أمير المسلمين أبي الحسن رضوان الله عليه، قال ابن جزي في مراكش: يقول قاضيها التاريخي أبو عبد الله محمد بن عبد الملك الأوسي (بسيط):
لله مرَّاكش الغراء مِنْ بَلَدٍوحبذا أهلها السادات من سَكَنِ
إن حَلَّهَا نازح الأوطان مغتربأسلوه بالأنس عن أهلٍ وَعَنْ وَطَنِ
بين الحديث بها أو العيان لهايَنْشَا التحاسُدُ بين العين والأذنِ
(رجع) ثم سافرنا من مراكش صحبة الركاب العلي ركاب مولانا — أيده الله — فوصلنا إلى مدينة سلا ثم إلى مدينة مكناسة العجيبة الخضرة النضرة ذات البساتين والجنات المحيطة بها، يحاثر الزيتون من جميع نواحيها، ثم وصلنا إلى حضرة فاس حرسها الله تعالى، فوادعت بها مولانا — أيده الله — وتوجهت برسم السفر إلى بلاد السودان، فوصلت إلى مدينة سجلماسة وهي من أحسن المدن، وبها التمر الكثير الطيب، وتشبهها مدينة البصرة في كثرة التمر، لكن تمر سجلماسة أطيب وصنف إيرار منه لا نظير له في البلاد، ونزلت منها عند الفقيه أبي محمد البشري وهو الذي لقيت أخاه بمدينة قنجنفو من بلاد الصين، فيا شذ ما تباعدا فأكرمني غاية الإكرام، واشتريت بها الجِمال، وعَلَفْتُها أربعة أشهر، ثم سافرت في غرة شهر الله المحرم سنة ثلاث وخمسين في رفقة مقدمها أبو محمد يند كان المسوفى — رحمه الله — وفيها جماعة من تجار سجلماسة وغيرهم، فوصلنا بعد خمسة وعشرين يومًا إلى تغازي وضبط اسمها (بفتح التاء المثناة والغين المعجم وألف وزاي مفتوح) أيضًا، وهي قرية لا خير فيها، ومن عجائبها أن بناء بيوتها ومسجدها من حجارة الملح، وسقفها من جلود الجمال، ولا شجر بها إنما هي رمل فيه معدن الملح، يحفر عليه في الأرض فيوجد منه ألواح ضخام متراكبة كأنها قد نُحتت ووضعت تحت الأرض يحمل الجمل منها لوحين، ولا يسكنها إلا عبيد مسوفة الذين يحفرون على الملح ويتعيشون بما يُجلب إليهم من تمر درعة وسجلماسة ومن لحوم الجمال، ومن أنلي المجلوب من بلاد السودان، ويصل السودان من بلادهم فيحملون منها الملح ويباع الحمل منه بأبو الأتن بعشرة مثاقيل إلى ثمانية وبمدينة مالي بثلاثين مثقالًا إلى عشرين، وربما انتهى إلى أربعين مثقالًا، وبالملح يتصارف السودان كما يتصارف بالذهب والفضة يقطعونه قطعًا، ويتابعون به وقرية تغازي على حقارتها يتعامل فيها بالقناطير المقنطرة من التبر.
وأقمنا بها عشرة أيام في جهد لأن ماءها زعاق، وهي أكثر المواضع ذبابًا ومنها يرفع الماء لدخول الصحراء التي بعدها وهي مسيرة عشرة لا ماء فيها إلَّا في النادر، ووجدنا نحن بها ماء كثيرًا في غدرانٍ أبقاها المطر، ولقد وجدنا في بعض الأيام غديرًا بين تلين من حجارة، ماؤه عذب فتروينا منه، وغسلنا ثيابنا، والكمأة بتلك الصحراء كثير، ويكثر القمل بها حتى يجعل الناس في أعناقهم خيوطًا فيها الزئبق فيقتلها، وكنا في تلك الأيام نتقدم أمام القافلة فإذا وجدنا مكانًا يصلح للرعي رعينا الدواب به، ولم نزل كذلك حتى ضاع في الصحراء رجل يُعْرَف بابن زيري فلم أتقدم بعد ذلك ولا تأخرت، وكان ابن زيري وقعت بينه وبين ابن خاله ويُعرف بابن عدي منازعة ومشاتمة فتأخر عن الرفقة فضلَّ، فلما نزل الناس لم يظهر له خبر، فأشرت على ابن خاله بأن يكتري من مسوقة من يقص أثره لعله يجده فأبى، وانتُدب في اليوم الثاني رجل من مسوفة دون أجرة لطلبه، فوجد أثره وهو يسلك الجادة طورًا ويخرج عنها تارة، ولم يقع له على خبر، ولقد لقينا قافلة في طريقنا، فأخبرونا أن بعض رجال انقطعوا عنهم، فوجدنا أحدهم ميتًا تحت شُجيرةٍ من أشجار الرمل، وعليه ثيابه وفي يده سوط، وكان الماء على نحو ميل منه، ثم وصلنا إلى تاسرهلا (بفتح التاء المثناة والسين المهمل والراء وسكون الهاء)، وهي أحساء ماء تنزل القوافل عليها، ويقيمون ثلاثة أيام، فيستريحون ويصلحون سقيتهم، ويملئونها بالماء، ويخيطون عليها التلاليس خوف الريح، ومن هنالك يبعث التكشيف.
النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع