من «المجموع اللفيف» للأفطسي (ت بعد ٥١٥هـ)
مسألة في أحكام الساكنين إذا التقيا
من حكم الساكنين إذا التقيا، ألّا يجمع بينهما، إلا أن يكون الساكن الأول حرف مد ولين، ويكون الثاني مدغما، فللمدّ الذي في الأول وإدغام لفظ الثاني، جمع بينهما، لأن المد يجري مجرى الحركة، والحرف الملفوظ به هو المدغم فيه المتحرك، فكأنه لم يلتق ساكنان، وذلك نحو:
دابّة، وبهذا قرأت القراء: وَما بَثَّ فِيهِما مِنْ دابَّةٍ وَهُوَ عَلى جَمْعِهِمْ إِذا يَشاءُ قَدِيرٌ
، ومن العرب من يهمز، وهذه اللغة أضعف اللغتين، ويقول: دأبّة، وروي عن أبي زيد أنه قال: صليت صلاة الفجر خلف عمرو بن عبيد، فقرأ:
وَلَا الضَّالِّينَ
، وروى:
خأطمّها زأمّها أن تذهبا والجمع بين ساكنين مثل: (دابّة) تقع في المتقارب في العروض، ولا تقع في غيره، وأنشد:
وذاك القصاص وكان التّقاص فرضا وحتما على المسلمينا
وروي: (وكان القصاص)، وإنما لم يجز الجمع بين الساكنين إلا فيما ذكرناه، لأنّ الفطرة تمنع من الوقوف على متحرك، والابتداء بساكن، فلو جمعنا بينهما لوقفنا على الساكن الذي توجبه الفطرة، وابتدأنا بالساكن الذي تمنع منه الفطرة، فوجب من ذاك الحذف مع الواو والياء والألف، والتحريك مع ما عدا ذلك لاستثقال الحركات في حروف المدّ واللّين.
ومن حكم الساكنين إذا وجب التحريك أو الحذف، أن يكون بالأول، لأن ذلك سبب إلى النطق بما بعده، إلا أن يمنع من ذلك مانع، نحو:
رجلان، ومسلمون، لم يجب معه الحذف للإخلال بالمعنى، وكان التحريك نحو: قامت المرأة، والحذف نحو: لم يقم زيد.
ومن حكم الساكنين إذا وجب التحريك أن يكون الكسر، إلا أنّ بعض ما يمنع من ذلك من استثقال، نحو فتحة (كيف) و (أين) للياء قبلهما، وقد جاء الكسر في مثل هذا، وهو قليل، قالوا: (جير لأفعلنّ) ووقع في (حيص) على لغة من كسر، واستحباب الحركة ما قبلها، نحو فتحة النون في (الآن) للألف التي قبلها، وإنما وجب الكسر لأنّ الضم والفتح قد يكونا إعرابا بلا اقتران التنوين معهما، وذلك فيما لا ينصرف، ولا يكون الكسر إعرابا، إلا والتنوين يصحبه، فوجب الكسر ليعلم أنّه حركة بناء لا حركة إعراب، وسيبويه يلقب حركات البناء بغير تلقيب حركات الإعراب، ليفرق بينهما، ويلقّب حركة التقاء الساكنين بالكسر ليعلم البناء دون الإعراب. وفيه قول آخر؛ وهو أن الجزم في الأفعال نظير الخفض في الأسماء، لاختصاص كل واحد منهما في بابه، والضمّ والفتح يشتركان في الأسماء والأفعال، فلما احتيج إلى حركة، كان الأولى الحمل على حركة النظير، وكذلك تعمل العرب في القوافي المخفوضة إذا وقع معها مجزوم أو ساكن، كقوله: لم يعقد، وكأن قد.
والساكنان في مفعول من بنات الواو والياء، نحو: (مقول، ومبيع)، فالمحذوف منهما على مذهب الخليل وسيبويه، الواو الزائدة دون العين، لأن الواو الزائدة مجتلبة في الكلام، فلما احتيج إلى الحذف حذفت، وردّت الكلمة إلى أصلها، والأخفش يرى أن المحذوف العين، ويحتجّ بأنّ الحركة أو الحذف إذا احتيج إلى أحدهما كان بالأول دون الثاني، إلا أن يعرض بما يمنع من ذلك، ولا مانع، فألزم أن يكون (مبوع)، فذكر أنّ الواو انقلبت ياء، لأنّ الياء التي هي عين لما كسر لها الضمة المنقولة من العين إلى الفاء، حذفت الياء لالتقاء الساكنين، فصادفت الكسرة واو مفعول وهي ساكنة، فقلبت ياء، وهذا عند النحويين نقض لأصله، لأنه لا يرى قلب الضمة كسرة في مثل هذا من الآحاد، وإنما يراه في الجموع، لأن الجمع أثقل من الواحد، فالتزم التخفيف. ويقول في جمع أبيض (بيض)، ولو بنى فعلا من البياض لقال: (بوض)، فقلب الياء واوا لسكونها وانضمام ما قبلها، وهو رأي أبي العباس المبرد، وكان يقول:
(معيشة) مفعل لا غير، ولا يرى ما رآه الخليل وسيبويه من النحويين أن تكون (مفعلة) فقلب حركة العين إلى الفاء، وقلبت كسرة، ويرى سيبويه والخليل أن: (فيلا وديكا)، يكونان فعلا على اللفظ، وفعلا على التقدير الذي ذكرناه، ومفعول من ذوات الواو، ويلزمه الاعتلال ولا غير، لنقل الواو وبنات الياء قد جاء فيها الاعتلال بالإتمام، فقيل: (مخيط ومخيوط) لحقه الياء، ولم يأت الإتمام في بنات الواو إلا في حرفين: (مسك مذووف، وثوب مصوون)، وإنما أعلّ: (مقول) ولم يعلّ:
(قؤول)، لأنا لما أعللنا الواو في (مقؤول) ألقينا الحركة على الساكن، و (قؤول) متحرك ما قبلها، فلم يجز الإعلال، وإذا جمعنا (قؤولا) أعللنا الجمع بالتسكين، لأنّ مثاله من غير المعتل قد يسكّن، نحو: (رسول ورسل)، فلزم الإعلال، وقد يأتي بصحيحة في الشعر، قال الشاعر: (تمنحه
سوك الأسحل). وبنات الياء في هذا تجري مجرى غير المعتل، نحو:
(غيور وغير)، و (دجاجة بيوض ودجاج بيض).
النص من طبعة دار الغرب الإسلامي (١٤٢٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع