تجاوز إلى المحتوى

من «المجموع اللفيف» للأفطسي (ت بعد ٥١٥هـ)

المولعة بشعر كثير عزة

أبو عبد الرحمن الأنصاري، حدّث عن السائب راوية كثيّر، قال: والله إني لأسير ذات يوم مع كثير، حتى إذا كنا ببطن صرار، وهو جبل من المدينة على أميال، ونحن نريد عكرمة، تقدم كثير وتأخرت عنه، فاذا أنا بامرأة في رحالة على بغلة متنقّبة، معها عبيد يسعون معها، حتّى مرّت بجنباتي، فسلّمت ثم قالت: ممّن الرجل؟ قلت: من أهل الحجاز، قالت:

فهل تروي شيئا من الشعر؟ قلت: إنّي لأروي، قالت: فهل تروي لكثيّر شيئا؟

قلت: نعم، قالت: أما والله ما كان بالمدينة من شىء هو أحبّ إليّ من أن أرى كثيّرا وأسمع من شعره، فهل تروي قصيدته:

أهاجك برق آخر الليل واصبتضمّنه فرش الجبا فالمسارب

قال: قلت: نعم، قالت: أنشدنيها، فأنشدتها حتى أتيت على آخرها، قالت: فهل تروي قوله:

ألا يا لقوم للنّوى وانفتالهاوللصّرم من أسماء ما لم ندالها

قلت: نعم، فأنشدتها حتى أتيت على آخرها، قالت: فهل تروي

قوله:

أبائنة سعدى نعم ستبينكما انبتّ من حبل القرين قرين
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «أبائنة سعدى نعم ستبين»
أإن زمّ أجمال وفارق جيرةوصاح غراب البين أنت حزين
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «أبائنة سعدى نعم ستبين»
كأنّك لم تسمع ولم تر قبلهاتفرّق ألّاف لهنّ حنين
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «أبائنة سعدى نعم ستبين»

قلت: نعم، فأنشدتها حتى أتيت على آخرها، قالت: فهل تروي قوله:

أأطلال سعدى باللوى نتعهدأتبلى على الأقوام أم تتجدّد

قال، قلت: نعم، فأنشدتها حتى إذا بلغت:

أقول لماء العين أمعن لعلّهبما لا يرى من غائب الوجد يشهد
فلم أر مثل العين ضنّت بمائهاعليّ ولا مثلي على الدمع يحسد
ولم أدر أنّ العين قبل فراقهاغداة الشّبا من لاعج الوجد تجمد

قالت: قاتله الله، فهل قال قول كثيّر أحد على الأرض، والله لأن أكون رأيت كثيّرا، وسمعت منه شعرا، أحبّ إليّ من مائة ألف درهم، فقلت:

والله ذاك الراكب أمامك، وأنا السائب راويته، قالت: فحيّاك الله، ثم هزّت بغلتها حتى أدركته. قالت: أنت كثيّر؟ قال: مالك ويلك، قالت: أنت الذي تقول:

إذا حسرت عنه العمامة راعهاجميل الحفوض أغفلته الدواهن

قالت: والله ما رأيت عربيا قطّ أقبح ولا ألمّ منك، قال: أنت والله أقبح وألمّ قالت: أنت الذي يقول:

كواظم لا ينطقن إلا محورةرجيعة قول بعد أن يتفهّما
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «لعزة أطلال أبت أن تكلما»
تراهن إلا أن يؤدين نظرةبمؤخّر عين أو يقلّبن معصما
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «لعزة أطلال أبت أن تكلما»
يحاذرن منّي غيرة قد عرفتهاقديما فما يضحكن إلا تبسّما

لعن الله الذي يفرق منك، قال: لعنك الله، قالت: أنت الذي تقول:

إذا ضمريّة عطست فنكهافانّ عطاسها طرف الوداق
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «ولولا حبكم لتضاعفتني»

قال: من أنت؟ قالت: لا يضرّك من أنا. قال: والله إني لأراك لئيمة الأصل والعشيرة، قالت: حيّاك الله أبا صخر، والله ما كان بالمدينة رجلّ أحبّ إليّ وجها ولا لقاء منك، قال: لا حياك الله، ولكن والله ما كان أحد على الأرض أبغض إليّ وجها ولا لقاء منك، قالت: أفتعرفني؟ قال: أعرفك، إنّك لئيمة من اللئام، فانتسبت له، فاذا هي أم ولد بشر بن مروان، قال:

فسايرناها حتى أسندنا في الجبل من قبل زرود، قالت: أبا صخر، أضمن لك مائة ألف درهم عند بشر بن مروان إن قدمت عليه، قال: أفي سبيل تضمنين لي؟ لا والله، ولا خراج العراق على هذه الحال. فلما قامت تودعه سفرت، فاذا أحسن من رأيت من أهل الدنيا، وأمرت له بعشرة ألف درهم، فيعدّ شرّ ما أخذها، وأمرت له بخمسة ألف درهم، فلما ولّوا قال: يا سائب، أين نعنّي أنفسنا؟ إلى عكرمة انطلق بنا، نأكل هذه حتى يأتينا الموت، فذلك قوله:

شجا أظعان غاضرة الغواديبغير مشورة عرضا فؤادي
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «شجا أظعان غاضرة الغوادي»

النص من طبعة دار الغرب الإسلامي (١٤٢٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الفصل الأول من المجموع اللفيف

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.