من «المجموع اللفيف» للأفطسي (ت بعد ٥١٥هـ)
جبال الرمل بينهما
جبل زرود وهو أطولها، والمربخ، والعزيز، ...
والهبير، ومضرّط البخت أصعبها، وعلّك تقول أيها القارىء المتصفح أن الذي شرحته مشهور متعالم، ومعروف متدارك، وإنما يذكر الغريب الشارد، ما الأمر كما ذهب إليه وهمك، وزاغ فيه ظنك، فلو تزك الناس أعراضهم من النظم والنثر، والجد والهزل، اعتمادا على السابقين الأولين، لماتت الخواطر، وسقطت الهمم، ولكن لكل جديد لذة ولكل حديث بهجة، كما أنّ كل قديم يسأم، وكل [حديث] ينشم، فأنت إذا تأملت شعر امرىء القيس، وجدنه قد سبق إلى كل معنى نادر، وذهب بكل فضل باهر، ولم يترك لذي نيقة مجالا يشق فيه غباره، ومقالا يبلغ فيه شأوه، ولا ترى اليوم أكسد من ديوان شعر بالعراق، وقد صارت الرغبة كلها في ديوان أبي نواس والصنوبري وكشاجم والمتنبي، وأشباههم من شعراء الوقت.
ثم اعلم أن أكثر من تراه قد حجّ، ولا تجده إذا اختبرته يعرف صدرا من ورد، ولا يفرّق بين غور ونجد، وأنا سألت شيخا بماه الكوفة، له ظاهر يغرّ وباطن يعرّ، وقد جاء عائدا من الحجّ: كيف خلّفت بيت الله الحرام؟
قال: كسائر البيوت، ولكن كل شيء يحتاج إلى بخت. فهل هذا وأشباهه إلا صور ممثّلة وأشباح مهملة، وبهائم مرسلة، وإذا سألت هذا: فيم خرج، وأين
ولج، وفي أي واد هبط، وبأيّة أرض سقط؟ لم يدر إلا أنه في الجملة عمل ما عمله الجمهور تقليدا.
وإذ قد أتينا على شرح ما بلغته المشاهدة، وأدركه العيان من فضائل البيت الحرام، فلنبدأ بذكر الشوق ودواعيه، والودّ وتمكن مراسيه، وأقول: أما الودّ فمتزايد كتزايد فضلك، ونام كنمي محاسنك، ومتضاعف كتضاعف أياديك: تمرّ به الأيام تسحب ذيلها فتبلى به الأيام وهو جديد وأما الشوق فمتوقّد في أحشائي كما توقّدت هممك، وفاش في جوانحي كما فشت نعمك، ولئن فرّقت بيننا الأماكن والمنازل، لقد جمعتنا الضرائب والشمائل، ولئن تناءت بنا الأشباح، لقد تآلفت منا الأرواح.
حدثني أبو علي محمد بن الحسين الحاتمي، قال: حدثنا أبو عمر الزاهد محمد بن عبد الواحد على رغم أنف الجاحد، قال: لما خلع جعفر المقتدر، وبويع لعبد الله بن المعتز، وكانت خلافته يوما واحدا، ثم
أعتدت في المقتدر، لزم عبد الله داره، وهجر أبا العباس أحمد بن يحيى ثعلبا تقية وحذرا، بعد أن كان خصيصا، وله واصلا، فكتب إليه بهذه الأبيات:
ما وجد صاد في الحبال موثقبماء مزن بارد مصفّق
بالريح لم يطرق ولم يرنّقجادت به أخلاق دجن مغدق
في صخرة إن تر شمسا تبرقفهو عليها كالزجاج الأزرق
إلا كوجدي بك لكن أتّقييا فاتحا لكلّ علم مغلق
وصيرفيّا ناقدا للمنطقإن قال هذا بهرج لم ينفق
إنّا على البعاد والتّفرّقلنلتقي بالذكر إن لم نلتق
فأنشدت الأبيات أبا العباس ابن المنجم، فزادني بيتا زعم أن ثعلبا كان يستره ولا يظهره، وهو بعد قوله:
إلا كوجدي بك لكن أتّقيصولة من إن همّ بي لم يفرق
ولما انتهي بي الإملاء في هذه الرسالة إلى هذا الفصل، أخبرني بعض من عرف كلفي بالبحث عن أخبارك، وعلم شغفي بتعرّف أحوالك، أنّ مجاورا لك ممّن غلط الدهر بايداعه نعمة، وهفت الأيام بايلائه منحة، طمح إلى مساويك في الرتب، وسما إلى مباراتك في تصدير الكتب، فطفقت
أعجب من الفلك وظلمه، والقدر وحكمه، إذ صارت أيامها تنتقل إلى شرار أكفائها، ويستذري أسوأ أفيائها، فكذلك على رغمها انتقلت من هاشم في محارب، وقد لعمري إنّ هذه عادتها، كشفت بها عن عوارها، بسوء الاختيار، ولؤم النّجار، ولكن الناقص وإن علا مناكب الجوزاء، وامتطى كواهل العلياء، يضؤل إذا التقت عليه المحافل، ويتطامن إذا انبرى له الأفاضل، ويتخاضع إذا جمعته حلبة الرهان، ويتخاشع إذا لزّته حقيقة الامتحان، وذلك أيّدك الله، قالب جهل غطّت عليه نعمة غارت عن ذويها، وحلّيت عن مستحقيها، وثوت عبدة بخد ترب، ودمع منسكب، إذ انتقلت عن مآلفها الكريمة، ومغارسها القديمة، فان تغش قوما غيرهم أو تزرههم، فكالوحش يدنيها من الإنس المحلّ، ومثله لا يعبأ به، ولا يعتب على الدهر فيه، وشاء صدقك أحسن الله توفيقك.
الناس اثنان؛ عالم منصف، وجاهل معاند، فأما الأول: فهو الحجة وعليه العمدة، فقد عرف بروز شأوك في كل علم ووفور حظّك من كل فضل، فانّ أذربيجان كانت آهلة بشيوخ الوزارة والرياسة من ذوينا، ومأنوسة برجال ناهيك بهم رجالا، وأعلام أكرم بهم أعلاما، فكلّ خلّى لك عن طريق السداد، وسلّم إليك قصب الرشاد، ووفّر عليك حقّ التفضيل، ولم يدفع في صدرك عن منازل التبجيل.
فأما الرأي الجزل، والقول الفصل، والحقّ الصّرف، والحكم العدل، فما يدفعك عنه دافع إلا قلّ، ولا ينازعك فيه منازع إلا ضلّ، وأما عفاف الطعمة، وطيب الحجزة، وظلف النفس، وعلوّ الهمّة، والترفع عمّا تسفّ إليه دنيات المطامع، والتغمّض عمّا يحتقب المرء منه مخزيات الملاوم، والاحتقار لزبرج الدنيا التي تستخفّ كلّ حليم، وزخرفها الذي يستفزّ كلّ
حكيم، فحظّه مسلّم إليك، وحماله موقر عليك، وهذه واحدة لا ينوء بحملها العابد الزاهد، ولا ينهض بعبئها إلا الفارد الشارد.
وقديما قالت الحكماء: الزاهد في الذهب الأحمر أعزّ من الذهب الأحمر، وحدثنا محمد بن علي البصري قال: حدثنا أبو روق عن الرياشي عن الأصمعي، عن أبي عمرو بن العلاء أنه قال: إنّ الصفاة الزلّاء التي لا تثبت عليها أقدام العلماء، هي المطامع.
وأما الثاني وهو من لا يعبأ به، ولا يعرّج عليه، ولا يشال إليه طرف، ولا يسمع منه حرف، وإنّما يعيب بالصحة على الثقة، ويشكو مرارة الحق، وينكر المقام على وتيرة النصح، وأكبر ما يقال في هذه الطائفة قول الشاعر:
إذا رضيت عني كرام قبيلتيفلا زال غضبانا عليّ لئامها
وقد سئل الأحنف: من سيد القوم؟ فقال: من إذا أقبل هابوه، وإن أدبر اغتابوه، فليهنك أبا الحسن أن يكون الحقّ المرّ غاية ما يعيبك به العائب، والصحة المحضة أقصى ما ينسبه إليك الناسب، فأنت في أعلى رتبة مما نسبك إليه الصديق الناصح، وفي أوسع عذر مما رماك به العدوّ الكاشح، ولقد أحسن حسان في قوله لرجل- أظنه كان يشغب في رسول الله ﷺ في كلمة له:
أتهجوه ولست له بكفءفشركما لخيركما الفداء
أدركني ذهني في هذا الموضع، فقلت: لعل بعض من يحضر مجلسك
ممن لم ينفح علمه ملاقاة الرجال، ولم يصل من آداب العرب إلا إلى الدعوى والانتحال، ينكر تجريدي لك الكنية في هذا الفضل، وعلمي بارتقائك إلى أعلى الرتب من الأدب، واحتوائك على جميع مذاهب العرب، يضمن لي عنك الكفاية في تكذيب مقاله، والرد عليه وعلى أمثاله، ولكن الاحتراز أحرز، والاحتجاج أصوب، وكثيرا كنت أسمع عضد الدولة يقول: الفلج للحاضر، وحجّة الغائب غائبة.
اعلم أيها العائب، أن العرب تخاطب السادة في الأندية، والزعماء تحت الألوية، فيقول أبا فلان، تريد بذلك النص والتنبيه والهزّ والتفخيم، أما سمعت قول الأخيلية للحجاج بن يوسف، وقد دخلت إليه يوما، وهو في أحفل مجلس، وإنّما كان جبّارا يتّقد نارا:
أحجاج لا تغلل سلاحك إنّماالمنايا بكفّ الله حيث تراها
وأبين من هذا وأكشف وأدّل على المعنى وءأصحّ قول فزارة:
أكنيه حين أناديه لأكرمهولا ألقّبه والسوأة اللّقبا
كذاك أدّبت حتى صار من خلقيأنّي وجدت ملاك الشيمة الأدبا
نعم ولا ترضى بتجريد الاسم والكنية عند الشاهي في المدح، حتى
يقول: أبيت اللعن، وهبلته أمّه، وويل أمّه، قال الشاعر:
ويل أمّه إذا احتفلثم أطال وارتجل
وقال آخر:
ويل أمّه مسعر حرب إذاألفي فيها وعليه الشّليل
والقول في هبلته أمه كثير متى استوفيناه خرجنا عن الشرط في توخي الإيجاز، وكان غير هذا مما يتفاوضه الأودّاء والإخوان، أولى أن أطيل به الخطاب، ولكن ينطقني بهذه الفصول التي أراها تشعّب شعبا، ويستنجد شواهد وخطبا، الاهتزاز لفضلك الباهر إن ثلبه ثالب، شعر:
وأدفع عن أعراضكم وأعيركملسانا كمقراض الخفاجيّ ملحبا
وقد كنت سمعت بتهامة بيتا شرودا، أرسله مستعتبا بفرط الإدلال، وأطلقه مستعطفا بدالّة الإخلاص، وإنما كان عتابا في [با] طنّه ودّ، وملاما بين أثنائه نصح، واستيفاءة في أدراج العذل، واستقالة بين أطراف الضّجر، ووصلا في معرض هجر، ومزحا يفترّ عن صحة عقد، وأخبث قائله بأبيات، وهي هذه:
ألكني إلى ابن أبي خالدمقال وديد به واجد
نصيحة خلّ على ودّهمقيم وعن عرضه ذائد
أتتني مقالة مستعطفلرأيك مستعتب جاهد
لئن كان مغزاه ما قد ذكرتلما زاغ عن سنن القاصد
لأنّك ما زلت ذا شوكةشديدا على العاند الجاحد
سجاما على الأمل المجتديحماما على الكاشح بالعائد
سأنصح والقول ما قد سمعتمن ثقة الأهل بالرائد
تنبّه عن الخير لا ترقدنن فقد خسرت صفقة الراقد
وفز بالمحامد في وقتهافما الوقت إن فات بالعائد بالعلئد
ويا أيكة حلوة المجتنىبقيت لنا أبد الآبد
وبقيت الآن واحدة، يبعثني عليها فرط النصيحة، ويقتضيني عنها فضل الحشمة: الناس أيدك الله على تباين آرائهم، واختلاف مذاهبهم، مجمعون على أنّ الدنيا إلى انقضاء، وكل وال معزول، ولكلّ عمل ثواب، وكل آت قريب، فكيف مثلك ممّن غذته الحكمة، وهذّبته الدّربة، وأدّبته الحنكة، وضرّسته الأمور، ونجّذته الشؤون، ودرس كتب الأوائل، ونظر في سير الأفاضل، وأريد أن يكون عمل الخير أغلب على فعالك، وبثّ العدل أملك بخصالك، وعقد المكارم غاية اختيارك، واقتناء المحامد جلّ أخطارك، والمنافسة في السير فاتحة أخبارك، حتى ينشر عنك نوافح شكر تلتذه المسامع، وتأرج به المشاهد والمجامع، فيبقى ذكرها غررا على أوجه الأيام، وقلائد في أعناق الأنام، إلى أن تصل إلى ما وعد الله المتقين، وأعدّ للمحسنين، وقد قادتني الحاجة في هذا الفصل إلى ذكر ما استقبحه علم الله، فانّ ظاهره يجرى مجرى التزكية والتناهي، إلى أنّ فضلك يضمن لي أنك تصرف خطابي إلى أجمل وجه، وتحمله على أصحّ جهاته، أحبّ أن تسل موثوقا به ممّن ورد من نواحي الجبل عن صنيع أهل قرمسين والدينور
وهمذان وغيرها من تلك النواحي، وإيثارهم التوبة، وإظهارهم الرهبة، وسقوط دواعيهم، اقتداء بواليهم، إذ شملهم العدل والإنصاف، وجنّبهم الظلم والاعتساف، لتستبدل بحاضر حلاوة العدل والإحسان اللذين أتى فيهما آي القرآن، وتضمنتهما شرائع الإيمان، من الثواب العظيم، والنعيم المقيم.
وبعد، فما عذر من ساعدته الأيام، وساعفته الأحكام، حتى لانت له أكنافها، ودرّت عليه أخلافها، وهو يعلم ألا يرضع إلا ليفطم، ولا يوصل إلا ليصرم، أن يدع أيام ملكه المهتبلة، وفرص عزّه المنتهزة، مهملة غير معقولة، ومرسلة غير مشكولة بالإحسان والبرّ، وإعقالا لا رسوم لها من المكارم، وبهما لا أوضاح عليها من المحاسن والمحامد، ولو جاز أن استبضع التمر إلى هجر، وأعرض الحكمة على بقراط، لأثبتّ قسطا من أحكام العرب في ذلك، لكن متى فتحنا هذا الباب، خرجنا إلى مجال رحب.
والجملة، أن الملوك الراشدين، والوزراء الصالحين، حين أعجزهم الخلود في الدنيا، جعلوا باقي الذكر الجميل بعدهم كالخلود، فقالوا:
وما المال والأيام إلا معارةفما اسطعت من معروفها فتزوّد
وقرأت في كتاب التاج أن كسرى أنو شروان كان إذا أمسى تصفّح في يومه ذاك، وقال لموبذه: (هل أسدينا يومنا معروفا؟ هل أغثنا ملهوفا؟ هل جبرنا كسيرا؟ هل فككنا أسيرا؟ فان قال: نعم، سجد لآلهه شكرا، وإن قال:
لا، قال: اسقطوا هذا اليوم من تاريخ الملك، فهو علينا لا لنا، واحذفوه من أيام العمر، فنحن فيه منحوسون).
فان قال في هذا الفصل قائل: نعم، كان ذلك في الزمن الأول والدهر الأفضل، لا في عصرنا هذا الشديد، فقد طوى النصح عن مستحقّه، وطلب العذر من غير وجهه، وأوطأ الغشوة وابتغى الخديعة، ولم يوفّ حقّها العشرة، فان الزمان عندهم هو السلطان، إن خيرا فخيرا، وإن شرا فشرا.
ذكر أنّ معاوية سمع رجلا يسبّ الزمان، فقال: لو عرف هذا الزمان لضربت عنقه، يعني أنّه هو.
وأنشد لبعضهم:
يقولون الزمان به فسادوهم فسدوا وما فسد الزمان
فجوابنا لهذا ورأيه الغاش لجلسائه، أن الذي شاهدنا في وقتنا هذا المذموم عندك، يوفي على سير الكرام المتقدمين، ويزيد على سنن الأجواد الأولين، وأنت لو سمعت غرر الصاحب الجليل بالري وأصبهان والجبل،
فانها هناك مشهورة فائضة، وفي أرضنا هذه مغمورة غامضة، لوجدت أيامه تكاد تواري أيام آل مصعب والفضل بن سهل، وإن لم ترق إلى أيام بني برمك.
وبالأمس شاهدنا ما اشتملت عليه المحاسبة في ديوان المكارم بالري، من أبواب البر والصدقات التي أخرجها فخر الدولة من الترائك والمظالم والحطائط، نيّف على عشرة ألف ألف درهم، وذكر الميثمي وكيل الشريف أبي الحسن محمد بن عمر بن يحيى، أنه رفع إليه في بعض السنين زيادة في سعر الطعام بالكوفة، حين أعوز الضعفاء من الناس أقواتهم فوقّع بألف كرّ طعاما يخرج ليرخص به السعر، ثم يتصدق بثمنه، وأنا سألت الأمير أبا النجم بدرا أيده الله في أمر الثغور الباجنيسية، وقد حضرني شيوخها مع
الشريف أبي محمد مهدي، مستغيثين بي عليه، فأمر لها ولمرمّات حصن زبالة، ولوجوه أخر من مصالح البادية بسبع مئة درهم لفظة واحدة، سوى رسم الأصيفر، وهو في كل سنة سبعة ألف دينار، كان أمر بها قبل ذلك المجلس، وعدت إلى داري وبها القاضي ابن كجّ يترقبني فأعلمته الخبر كالمستكثر المتعجب، فوجدته عنده مستقلا بالقياس إلى مكارم جليلة وصفها عنه، ثم استدعى كتابا من بيته كان كتبه إليه أيام الربيع، نسخته:
«رسم سيدنا الأمير لي الركوب في جماعة الشيوخ، وثقات المهندسين والبنائين للقنطرة، فيما خرّبته السيول، واحتملته المدود من القناطر والجسور والشاذروانات ما بين المرج وآخر أعمال الجبل، وتقدير ما يلزم في أعادة بنائها، فامتثلنا على أمره، ونظرنا على استقصاء واحتياط، فبلغ التقدير مائتي ألف دينار، وإن اقتصرنا على الرمّات دون الأحكام والأعراق في الإتمام، رجونا أن يسقط الثلث من هذا التقدير، ولرأيه الفضل»، فوقع في الجواب ما قرأته، ونسخته:
«قد أحمدت ما يجشّمه القاضي والجماعة معك، من النظر في هذا المهم، وساءني ما ختمت به خطابك من ذكر الاقتصار علي المرمات، ورسمت إطلاق مائتي ألف دينار كاملة، فليقبض هذا قبل مسيري
إلى باب أصفهان، فان النفقات في ذات الله، كلما كانت أكثر، كان الثواب بها أوفر». كأنه رأى الزيادة في هذا وما جرى مجراه احتياطا، والسّرف اقتصارا، والتكثير تقتيرا، والتبذير توفيرا، والتضييع تثميرا.
وهذا باب لو استقصينا شرحه لظهر لك الخطأ في مذهب من يجعل دون الفلك زمانا يضر وينفع، واختلاف الليل والنهار، دهرا (والتبذير توفيرا والتضييع تثميرا).
وهذا باب لو استقصينا شرحه لظهر لك الخطأ في مذهب من يجعل دون الفلك زمانا يضر وينفع، واختلاف الليل والنهار، دهرا يقطع ويمنع، وأنت إذا انتصفت لنفسك من نفسك، وراجعت الصحيح من رأيك، وطردت الهوى المحسّن للزلل عن وهمك، وحكّمت وكيل الله عندك، وشاهده عليك وهو عقلك، علمت أنّ القيّم في الأرض منذ دحيت، وعلى البرية منذ أنشئت، هم الملوك منسوبون بسيرهم إلى الأعوان الراشدين، والكفاة الصالحين، وإنما ذكرت لك نفرا ممّن جمعنا وإياهم الزمان والمكان، إما بالمشاهدة والعشرة، وإما بالمصاحبة والخدمة، وصدّرت ذكر الصاحب الجليل، على سوء آثاره عني، لئلا يقول إني رجّحت بالهوى، وملت بالعصبية، وما فيهم إلا من الأمير، الأمير الأجل أبو نصر أعزّ الله نصره، أندى منه ظلا، وأكرم أصلا، وأثبت في العز قدما، وتحسب نعم الله عنده، فلتكن أيامه قوانين عدل وإحسان، وتواريخ جود وأفضال، وأنا أجلّك- جعلك الله ممّن يهتدي بالهدى ويأمر بالتقوى، ويعصي سلطان الهوى- أن تصغي إلى من عساك يغرك عن دينك، ويعدل بسمعك عن أخيك وخدينك، وأنت تسمع قول عمر: (نستعيذ بالله من جليس يطري، وصديق يغري، وعدو يسري)، وقول الشاعر:
ولا تعذراني في الإساءة إنهشرار الرجال من تسيء فيعذر
وقول العرب: (عليك بأمر مبكياتك لا مضحكاتك)، وقولها: (إن من صدقك فأرمضك، خير لك ممن غرّك فسرك)، وإنما تلك الطائفة إخوان الخوان، وفراش الطمع، وإذا أنت ميّزت قول أحدهم علمت أنه قد زاغ عن الحق وبرح، وأنه لا حقّ الله أدى، ولا السلطان نصح، وإنما الصديق الصدوق من لا يكفّ عن واجب النصح لجزع، ولا يسفّ بزخرف القول لطمع، والله ولي التوفيق.
وإذا قد أشفينا على الإملال والإضجار، وبؤنا في الذنب في الإطالة والإكثار، فلنعد إلى التنصّل والاعتذار، وأقول: إنّ كاتب رسالة، ومنشىء خطاب إلى مثلك، ولا مثل لك في قوة الانتقاد، وجودة الارتياد، يحتاج أن ينتقد النسخ تحكيكا وتنقيحا، ويستشرف الأدراج تسويدا وتصحيحا، فربّما وصل إلى السلامة عليك دون أن يظفر بالإحماد منك، فأما إذا أبدت البديهة في إملائها ارتجالا، وأرسل الخاطر في إنشائها إرسالا، فقد تقدم إليك على آلة حدباء نابية، الظهر، إلا أن يتيح الله منك سجية للعثرات مقبلة، وعينا عن الهفوات كليلة.
وبعد فاكثاري عليك، جمع الله بك شمل الحكم، وحرس علينا وعليك ضوافي النعم، بحسب ما يبلغني عنك من لهجك برقاعي إذا وصلت إليك، وغرامك بكتبي إذا عرضت عليك، فذلك يدعوني إلى مناجاتك، ويحدوني إلى مناغاتك، فيما يختلج بفكري، فان يقع مواقع الإحماد، فالمنّة لك، لأنه كسب يدك، وإن يرد لموارد الإنكار، فالسهو منك، ونفسك حيث علمك، عصمنا الله وإياك من محفظات الكلم، وصرف عنا وعنك موبقات النّقم، وحسبنا الله وحده.
تمت الرسالة. وعلى السادة الأخيار محمد وآله الأبرار السلام كثيرا.
النص من طبعة دار الغرب الإسلامي (١٤٢٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع