تجاوز إلى المحتوى

من «المجموع اللفيف» للأفطسي (ت بعد ٥١٥هـ)

أبو عبد الله النديم وحكاية قطع أذنه

إسحاق بن إبراهيم الموصلي المغني الأديب الراوية، عمي آخر عمره، قال أبو عبد الله ابن حمدون النديم: لقيت إسحاق بن إبراهيم ببغداد بعد ما كفّ بصره، فسألني عن أخبار الناس والسلطان، فعرّفته، ثم شكوت إليه حزني بقطع أذني، فجعل يسليني ثم قال لي: من المتقدم عند أمير المؤمنين والخاص من ندمائه؟ فقلت: محمد بن عمر، فقال: [ومن هذا الرجل] وما مقداره في الأدب؟ فقلت: لا أدري، إلا أنّ مروان بن أبي حفصة دخل فأنشد المتوكل يوم عقد العهد لأولاده الثلاثة أبياته التي يقول فيها:

بيضاء في وجناتهاورد فكيف لنا بشمّه

فسرّ بذلك سرورا كثيرا، وأمر فنثر عليه بدرة دنانير، ولقطت وجعلت في حجره، وعقد له على اليمامة والبحرين، فقال مروان: ما رأيت كاليوم،

ولا أرى أبقاك الله ما دامت السماوات والأرض، فقال محمد بن عمر: بعد عمر طويل إن شاء الله.

فقال لي إسحاق: ويلك، جزعت على أذنك وغمّك قطعها لئلا يفوتك استماع مثل هذا الكلام، ويلك لو أنّ لك مكّوك آذان، إيش كان ينفعك مع هؤلاء.

وقد أختلف في سبب قطع المتوكل أذن أبي عبد الله بن حمدون، فقيل في ذلك قولان؛ أحدهما [أن] أبا عبد الله كان شديد الاختصاص بأبي الفتح ابن خاقان والكثرة عنده، والمنادمة له، والعيش برفده وبرّه، حتى إنه حدّث قال: كنت يوما عند الفتح بن خاقان، حتى خرج إليه خادم من خدم حرمه، ومعه رقعة فنظر فيها، وحذف بها إليّ، فاذا فيها:

سيدي جد لي بريقمن ثناياك العذاب

فلما قرأتها رددتها إليه، فضمّنها بيتا وردّها إليّ، فاذا هو قد كتب:

بأبي أنت وأمّيأنا في إثر الجواب

ثم دفعها إلى الخادم ونهض، فقمت لقيامه، فأمرني بالجلوس،

فجلست، فخرج إليّ خادم ومعه درج ذهب، ورقعة مختومة، فقرأت الرقعة فاذا فيها:

قد تركناك وحيداحلف إيحاش وقلّه
فاجعل الخاتم رهناوانصرف في دعة الله

قال: ففتحت الدّرج فاذا فيه خاتم ياقوت أحمر، فانصرفت من وقتي فاجتزت بابن حبّاب الجوهري، فقدمت إليه الخاتم وقلت: قوّمه؟ فقال: أنا أعرفه، ابتعته للفتح بن خاقان بثمان مائة دينار، فانصرفت بألف دينار، لأن الدّرج كان وزنه مأتي دينار.

فبلغ إحسان الفتح بأبي عبد الله إلى أن غرّر معه بدمه، وذاك أنّ المتوكل كان يقرّبه ويأنس به، وكان الفتح يعشق شاهك خادم المتوكل، واشتهر الأمر فيه حتى بلغه، وله فيه:

أشاهك ليلي مذ هجرت طويلوعيني من بعد الدموع تسيل
وبي منك والرحمن ما لا أطيقهوليس إلى شكوى إليك سبيل
أشاهك لو يجزى المحبّ بودّهجزيت ولكنّ الوفاء قليل

وكان أبو عبد الله يسعى له فيما يحبّه، فعرف المتوكل الخبر، فقال:

إنّما أردتك لتنادمني لا لتقود على غلماني، فأنكر ذلك وحلف يمينا حنث فيها، وطلّق نساءه، وأعتق مماليكه، ولزمه حجّ ثلاثين عاما، فكان يحجّ، ثم أمر بنفيه إلى تكريت، وأنفذ زرافة إليه فقطع طرف أذنه، وقال له: يقول لك أمير المؤمنين: ما أعاملك إلا كما يعمل الفتيان. وقيل:

إن المتوكل كان يرى مذهب أبي نواس، وأنه دخل علي غلام فائق الحسن

فأتأره أبو عبد الله بنظره، فقال المتوكل: ما حكم الفتيان في الفتى إذا تعرّض لغلام الفتى؟ قال: قطع أذنه، قال: فبهذا الحكم نحكم عليك، وقطع أذنه.

وكان أبو عبد الله أديبا شاعرا، ومن قوله:

يا دير درمالس ما أحسنكويا غزال الدير ما أفتنك
لئن سكنت الدير يا منيتيفانّ في جوف الحشا مسكنك
ويحك يا قلب أما تنتهيمن شدّة الوجد بمن أحزنك
أرفق به بالله يا سيديفانّه من حينه مكّنك

يعني دير درمالس، وقالوا: إنه نحو الشماسية ببغداد، وإنه نزه كثير الخضر، وكثير الطارقين للهو واللعب، وكان أبو عبد الله ابن حمدون قد تنزّه إليه وقت إبعاده عن سرّ من رأى إلى بغداد، فطرب لحسنه ولملاحة الأحداث المتنزّهين فيه، ولنظافة خدمهم وحسن عشرتهم، ولأبي عبد الله يعاتب علي ابن يحيى المنجم:

من عذيري من أبي الحسنحين يجفوني ويصرمني
إنّما يزداد معرفةبودادي حين يفقدني
للشاعر ابن حمدون النديم، اقرأ القصيدة
كان لي إلفا وكنت لهكامتزاج الروح بالبدن
فوشي واش فغيّرفةوعليه كان يحسدني

النص من طبعة دار الغرب الإسلامي (١٤٢٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الفصل الأول من المجموع اللفيف

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.