من «المجموع اللفيف» للأفطسي (ت بعد ٥١٥هـ)
العودة إلى ذكر العور
ومن العور الشعراء أبو الحسن علي بن منصور الديلمي الشاعر، وكان أبوه من جند سيف الدولة ﵁، وأسر فحمل في الإسار مع أبي
فراس الأمير الشاعر ﵀، فكان أبو فراس لا يأنس إلا بأن يسمر في مجلسه بكتاب تاريخ الطبري، فأعاده عدة دفعات، وكل ذلك بمسمع من با منصور هذا، فخرجوا من الإسار وبا منصور من أحفظ خلق الله لتاريخ الطبري وأجودهم مذاكرة به، ونشأ ابن علي بن با منصور من أطبع الناس شعرا وأحسنهم قولا، وكان أعور فقال لي الحسن بن محمد البسّامي من آل نصر بن منصور بن بسام، وكان الحسن هذا من أمجن الناس وأشدهم تعرضا لأجوية، وأحلاهم في ذلك طريقة، قال: رأيته يوما بحمص جالسا في دكان بعض التجار، فاستثقلت شخصه، فقيل لي: إنه شاعر، فأردت العبث به، فقلت مازحا هازئا: قلت أيها الشاعر في عورك شيئا؟ منتظرا منه أن ينقطع ويخجل، فقال: نعم فديتك، وأنشدني:
كيف آسى لفقد إنسان عينيوفنون الجمال في معتاضه
وعذيري من مقلتي أخذ الخال وأعطى سوادها من بياضه
قال: فاقشعرّ بدني منه، وعلمت أنّه من الصّيد الذي لا يحلّ أكله، وكان ابن با منصور هذا يعشق صبيا أعور، وهذا من أعاجيب حماقات العشاق، فقال فيه:
له عين أصابت كلّ شىءوعين قد أصابتها العيون
وأنشدت هذا البيت أبا عبد الله محمد بن أسد، فقال: قاتله الله، والله ما أظنّه إلا قال هذا الشعر لمّا اعتنّ معناه في نفسه، ثم طلب أعور يعشقه، ليجعله معرضا لقوله.
ومن شعره:
غنّني يا أعزّ ذا الخلق عنديحيّ نجدا ومن بأكناف نجد
واسقني ما يصير ذو البخل منهحاتما والجبان عمرو بن معدي
واغتنم شربها فقد فضح الليلهلال كأنّه فتر زند
والثريّا خفّاقة في رواق الغربتهوي كأنّها رأس فهد
وغدير كأنّما فيه مرآةتجلّت عن جوهريّ الفرند
طينه عنبر وحصباؤهدرّ عليه وماؤه ماء ورد
زعزعته الصّبا فكان كوجهساتر حسنه بفاحم جعد
ليس في الناس يا فتى الناس خلقيتعدّاه دهره المتعدّي
في زمان الشّباب قابلني الشّيب وهذا من أول الدّنّ دردي
ومن قوله:
يا أهل بغداد زاد الشوق في أرقيوفي حنيني وفي وجدي وفي قلقي
بالهند تطبع أسياف الحديد وفيبغداد يطبع أسياف من الحدق
النص من طبعة دار الغرب الإسلامي (١٤٢٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع