من «المجموع اللفيف» للأفطسي (ت بعد ٥١٥هـ)
من شعر الواثق العباسي
فاستملحه، فعمل في نحو معناه:
قالت إذا الليل دجا فأتنافجئتها حين دجا الليل
خفيّ وط الرجل من حارسولو درى كان لي الويل
قال الوزير أبو القاسم: وقد كنت صنعت على هذه القافية- وإن لم يكن الوزن متفقا- أبياتا طارت بها الأوتار بمصر كلّ مطار، وهي:
كساني الهجر ثوبا مننحول مسبل الذّيل
فما يعلم إلا الدمع ما أحييت من ليلي
وقد أرجف بالبينفان صحّ فواويلي
ومن شعر الواثق في خادمه مهج:
مهج يملك المهجبدجى اللحظ والدّعج
ناعم القدّ مخطفذو دلال وذو غنج
ليس للعين إن بداعنه باللحظ منعرج
وله أيضا:
سألته حويجة فأعرضاوعلّق القلب بها ومرّضا
فسلّ متي سيف عزم منتضىفكان ما كان وكابرنا القضا
وكان يحبّ خادما أهدي إليه من مصر، فأغضبه الواثق يوما، ثم سمعه يقول لبعض الخدم: والله إنه ليروم منذ أمس أن أكلّمه، فلم أفعل، فقال الواثق:
يا ذا الذي بعذابي ظلّ مفتخراهل أنت إلا مليك جار إذ قدرا
لولا الهوى لتجازينا على قدروإن أفق منه يوما ما فسوف ترى
وقالوا إن للواثق فيه لحنا في خفيف الثقيل.
وقال محمد بن عطية مؤدب المهتدي: كنت أمشي مع الواثق يوما في صحن داره، فقال لي: يا محمد، ادع بدواة وقرطاس، فدعوت بهما، فقال:
اكتب، فكتبت هذين البيتين:
تنحّ عن القبيح ولا تردهومن أوليته حسنا فزده
ستكفى من عدوّك كلّ كيدإذا كاد العدوّ ولم تكده
ثم قال: اكتب، فكتبت:
هي المقادير تجري في أعنّتهافاصبر فليس لها صبر على حال
يوما تريش خسيس الناس ترفعهإلى السماء ويوما تخفض العالي
ثم فكّر طويلا فلم يأته شىء، فقال: حسبك.
ومن شعره لما رواه ابن أبي فنن:
لما استقلّ بأرداف تجاذبهواخضرّ فوق حجاب الدرّ شاربه
وأشرق الورد من نسرين وجنتهواهتزّ أعلاه وارتجّت حقائبه
كلّمته بجفون غير ناطقةفكان من ردّه ما قال حاجبه
وللواثق في خادم اشتكت عينه:
لي حبيب قد طال شوقي إليهلا أسمّيه من حذاري عليه
لم تكن عينه لتجحد قتليودمي شاهد على جفنيه
ومن هذا أخذ القائل قوله- قلت أنا: وأظنه الأمير تميما-:
قالوا اشتكت عينه فقلت لهم من كثرة القتل مسّها الوصب
حمرتها من دماء من قتلت والدم في النّصل شاهد عجب قال: وقد أحسن السري الرفّاء في قوله يصف الرمد:
[أيهذا الأمير ما رمدت عيناك حاشا لها ولا أجفانك
بل حكت فعلك الكريم ليضحىشأنها في العلى سواء وشانك
فهي تحمرّ مثل سيفك في الرّوع وتصفو كما صفا إحسانك]
ومن قول الواثق:
بعدوا والبعاد موت الودادوحموا مقلتيّ طيب الرّقاد
إنّما عزّ من هويت لأنيصرت في حبّه ذليل القياد
ومن مليح قوله:
يفرح الناس بالسماع وأبكيأنا حزنا إذا سمعت السّماعا
ولها في الفؤاد صدع مقيممثل صدع الزجاج أعيا الصّناعا
وكان جعفر بن القاسم بن جعفر بن سليمان على البصرة، أميرا من قبل الواثق، وكان فصيحا بليغا، يرتجل الخطب ارتجالا من غير تزوير ولا استعداد، وهو آخر من كان منهم يفعل ذلك، فقال على لسان بعض شعرائه يخاطب نفسه:
ولدت أميرك أمّهات سبعةلطهارة بين الوصيّ وفاطم
يقال إنه لحن فقال (سبعة) ولم يقل (سبع) عامدا، لئلا يظنّ أنّ الشعر له.
فشركت في العباس كلّ خليفةثم انفردت بسؤدد ومكارم
جدّي عليّ والنبيّ وبيتهلا من مهجّنة ولا من خادم
لو قيل للمهديّ من لخلافةمن بعد فقدك يا بن خير العالم
لحكى حكاية عالم بمقالةإنّ الخليفة جعفر بن القاسم
فبلغت هذه الأبيات الواثق، فحمّ من وقته غيظا وعزله، وكتب إلى أحمد بن رياح وهو يلي القضاء على البصرة أن يقيم جعفر بن القاسم للناس، وينادى عليه، وينصف منه ففعل، وكانت له شؤون طالت، وأجابه الواثق عن شعره فقال:
أنت الوضيع بنفسه لا بيتهما أنت من أعلى العيوب بسالم
ولكلّ بيت دقّة وقمامةتلقى وأنت قمامة من هاشم
النص من طبعة دار الغرب الإسلامي (١٤٢٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع