تجاوز إلى المحتوى

من «الجامع الكبير» لضياء الدين ابن الأثير (ت ٦٣٧هـ)

النوع الخامس عشر من الباب الأول من الفن الثاني في قوة اللفظ لقوة المعنى

وهو نوع من علم البيان شريف المحل، لطيف المأخذ، وإنما يعمد إليه لضرب من المبالغة. أعلم أن اللفظ إذا كان على وزن من الأوزان ثم نقل إلى وزن آخر اكثر منه فلا بد وأن يتضمن من المعنى أكثر مما كان يتضمنه أولاً، والدليل على ذلك أن الألفاظ هي أدلة على المعاني وأمثلة للإبانة عنها، فإذا زيد في الألفاظ أوجبت القسمة زيادة المعاني بقدر ما زيد في الألفاظ. وهذا لا نزاع فيه، لبيانه ووضوحه. فمن ذلك (خشن) و (اخشوشن) فمعنى (خشن) دون معنى (اخشوشن) لما فيه من تكرير العين وزيادة الواو. ونحو (فعل) و (افعوعل) وكذلك قولهم (أعشب المكان) فإذا أرادوا كثرة العشب قالوا (اعشوشب) ومثله (فَعل) و (افتعل) نحو (قدر) و (اقتدر) فاقتدر أقوى معنى من قولهم (قَدر) قال الله - تعالى - (أخذ

غزير مقتدر) فمقتدر هنا أبلغ من (قادر) من حيث كان الموضع لتفخيم الأمر وشدة الأخذ الذي لا يصدر إلا عن وفور الغضب، وكثرة السخط، ومما ينتظم في هذه الأوزان من أسماء الفاعلين، فإن بعضها أبلغ من بعض، نحو (فاعل) و (فعيل) وما جرى مجراها.

ولقد سألني بعض الأخوان عن (فاعل) و (فعيل) وأيهما أبلغ؟ فقلت في الجواب

ما أذكره هاهنا هو إن كانت العرب قد قالت إن (فاعِلا) أبلغ من (فَعيل) أو إن (فعيلا) أبلغ من (فاعل) بغير علة أوجبت ذلك ولا سبب اقتضى تمييز أحدهما عن الآخر، إلا تحكما محضا، فذلك مُسَلَّم اليهم، لأنه لغة القوم وكلامهم، وهم المتحكمون فيه، وإن كانت العرب لم تميز (فاعِلا) على (فَعِيل) ولا (فَعِيلاً) على (فاعِل) ولا قالت إن أحدهما أبلغ من الآخر فلنا أن نبحث عن ذلك، فإن وجدنا لأحدهما مزية على الآخر ذكرناها، وإن لم نجد كان لذلك أسوة بباقي لغتهم، التي لا تعرف لها علة، وإنما بأخذ عنهم بالنقل والتقليد، ولما سألت، أيها الأخ، عن الفرق بين (فاعل) و (فعيل) وأيهما أبلغ؟ أنعمت النظر في ذلك مستعيناً بالله، فسنح الفرق بينهما بما أذكره، والله الموفق، فأقول: أما الحكم على أن أحدهما أبلغ من الآخر فهو أن (فاعلا) أبلغ من (فعيل). وأما علة الحكم فمن وجهين:

الأول: أن (فاعلاً) لم يرد في كلام العرب إلا اسماً للفاعل فقط نحو (ضارب) اسم فاعل من (ضرب) و (قاتل) اسم فاعل من قتل، وهذا مطرد في بابه لم يأت غيره وأما (فعيل) فانه يكون اسماً للفاعل وبمعنى (المفعول) فأما كونه اسماً للفاعل فنحو (ظريف) اسم فاعل من (ظرف) و (كريم) اسم فاعل من (كرم) وكذلك ما جرى هذا المجرى. وأما كونه بمعنى (المفعول) فهو نحو (قتيل وجريح) اللذين هما بمعنى المقتول والمجروح. فلما كان (فاعل) مختصاً باسم الفاعل لا يشاركه فيه غيره، وفعيل يشترك فيه اسم الفاعل والمفعول كان ما هو

مختص بالفاعل وحده أبلغ مما يشترك فيه الفاعل والمفعول، وذلك لقوة الفاعل على المفعول وضعف المفعول عن الفاعل، وما يختص بأمر قوي أبلغ مما يتردد بين أمرين قوي وضعيف. فإن قيل إن (فاعلاً) قد جاء بمعنى المفعول كما جاء (فعيل) بمعنى المفعول في قوله تعالى (ماء دافق) أي مدفوق قلنا: أما قولك إن (فاعلاً) قد جاء بمعنى المفعول واستدلالك عليه بالآية فإنه ضعيف شاذ، لأن ذلك لم ينقل جوازه عن العرب ولم يذهب إليه أحد من العلماء، غير أن بعض المفسرين قد ذكره وزيف قوله الجمهور، وأجمعوا على مخالفته

وقالوا إن معنى قوله تعالى (ماء دافق) أي مندفق وذلك أيضاً اسم (فاعل) من (أنْفَعَل) نحو (أنْطَلَقَ فهو منطلق) و (انعكف فهو منعكف) وما جرى هذا المجرى، ثم لو نقل جواز هذا عن العرب وصح عنهم لما كان ناقضاً لدعوانا نحن في (فَعيِل) وأنه يجيء بمعنى (المفعول) شائعاً كثيراً في كلامهم ويصح عليه القياس. وما ذكرته أيها المعترض شاذ قليل لا يعتد به ولا يقاس عليه، لأنه لم يأت منه إلا لفظة واحدة أو لفظتان أو لفظات كماء دافق وعيشة راضية) والشائع الكثير في كلام العرب وغيره أرجح جانباً من الشاذ القليل، وما يقاس عليه أبلغ مما ليس بمقيس (عليه). وأما الوجه الثاني في إثبات أن (فاعلاً) أبلغ من (فعيل) فهو أن فاعلاً يكون اسماً للفاعل معتدياً كان أو قاصراً فهو إذا يعمها جميعاً نحو (غالب وجالس)، وأما (فعيل) فإنه لا يكون اسماً إلا لفاعل فعله قاصر غير متعد نحو (شريف ونبيه وغليظ) وهو مطرد في هذا الباب لم يأت في كلام العرب غيره، فلما كان (فاعل) اسماً للفاعل المتعدي فعله والقاصر معاً، و (فعيل) اسماً للفاعل القاصر فعله فقط كان (فاعل) أبلغ من (فعيل) المتعدي فعل إلى مفعوله، وقصور فعل (فعيل) عن معموله فإن قيل إن (فعيلاً) جاء اسماً للفاعل المتعدي فعله على غير وزن (فَعُل) نحو (خطبَ فهو خطيب) و (علم فهو عليم) وهذا يدل على أن

(فعيلاً) مساو (لفاعل) في التعدي لأن (فاعلا) قد جاء اسماً للفاعل متعدياً كان فعله أو قاصراً، وكذلك قد جاء (فعيل) أيضاً كما رأينا.

قلنا هذا الذي أشرت إليه من أن فعيلاً قد جاء اسماً للفاعل المتعدي فعله على غير وزن (فُعل) نحو (خطب فهو خطيب وعلم فهو عليم) مسلم إليك إلا أن ذلك لا يكون ناقضاً لما ذكرناه ولا اعتراضاً

عليه، لأن الذي أوردته إنما كان يصح لك الاعتراض به على ما أشرنا إليه أن لو كان (خطيب) وحده اسم فاعل من (خطب) ولا يجوز فيه (خاطب) أو كان (عليم) اسم فاعل من عليم ولا يجوز فيه (عالم) وكذا الأصل في (خَطَبَ) أن يكون اسم فاعله (خاطب) ولهذا لا ترى وزن (فعيل) أبداً وهو اسم فاعل من (فَعَل أو فَعِل) إلا وهو دخيل على (فاعل) لأنه الأصل وعليه القياس. والدليل على ذلك الاطراد والغلبة، لأن من شروط القياس الاطراد والغالب عليه أن يكون كذلك. وهذا موجود في (فَعَل) و (فَعِل) فهو (فاعل) وأما (فعيل) منهما فهو شاذ نادر والشاذ النادر لا ينقض القياس، والدليل على أن (فعيلا) شاذ في (فَعَل وفَعِل) فانه قد جاء فيهما ألفاظ معدودة لا غير، وإنما اطراده وغلبته (في) (فَعُل) نحو (شرُف فهو شريف) و (كرم فهو كريم) و (نَبُهَ فهو نبيه) وكذلك ما جرى هذا المجرى، على أنه قد شذ منه (فاعل) أيضاً نحو (طُهر) فهو طاهر ولا يقال فيه (طَهير) فاعرفه.

فإن قيل: إن (فعيلا) هو اسم فاعل من الصفات الذوية، ولسنا نعني بذلك ما كان مقوماً للذات، نحو الحياة التي لا تقوم الذات إلا بها، وإنما نعني بذلك ما كان ملازماً للذات نحو (عليم وقدير وسميع وبصير) و (فاعل) هو اسم فاعل من الصفات العرضية نحو (ضارب وآكل وشارب) وما يكون مختصاً بصفة الذوات أبلغ مما يكون مختصاً بصفة الأعراض، واشرف محلاً، الجواب عن ذلك: أنا نقول لو سلم لك يوماً المعترض ما ذكرته واطرد في بابه لكان ناقضاً لما ذكرناه

نحن وادعيناه من أن (فاعلاً) أبلغ من (فعيل) وإنما قد جاء (فاعل) وهو أيضاً اسم الفاعل من صفات الذات نحو (عالم وقادر وسامع) وأشباه ذلك، فقد عم (فاعل) إذن صفات الذوات وصفات الأعراض. وما

كان عاماً للأمرين جميعاً كان أبلغ مما اختص بأحدهما دون الآخر.

فإن قيل قد قلت في كتابك: إن ما كان مختصاً بأمر قوى في بابه أبلغ مما تردد بين أمرين أحدهما قوي والآخر ضعيف، وهذا الحكم قد وجدناه هاهنا في (فعيل وفاعل) ففيعل مختص باسم الفاعل من الصفات الذوية واسم الفاعل من الصفات العرضية، فالذي يختص بالأشرف الأقوى وحده أبلغ من الذي يترد بينه وبين ضده، وهو الأذني الأضعف. الجواب عن ذلك: أنا نقول قد سلمنا إليك أن (فاعلاً) الذي هو اسم الفاعل هاهنا متردد بين صفات الذوات والأعراض ولكن من أين لك، أيها المعترض (الشاهد)، بصحة ما ذكرته من أن (فعيلاً) الذي هو اسم الفاعل هاهنا يخص صفات الذوات دون صفات الأعراض، فإن هذا شيء لم ينتظم لك سلكه، ولإرسالك أصله، لأنه قد جاء (فعيل) أيضاً وهو (فاعل) من صفات الأعراض نحو (نبيه ووجيه وبصير وفقير) وأشباه (ذلك). فقد استوى إذن (فاعل) و (فعيل) في عمومهما لصفات الذوات والأعراض، ولم يكن لأحدهما مزية على الآخر في هذا المعنى، وتفرد (فاعل) بالمزية على (فعيل) فيما أشرنا إليه قبل هذا الموضع في هذا الباب من تعديه إلى معموله واختصاصه باسم الفاعل دون معنى المفعول، وقد مر ذلك مستوفى في مكانه، فاعرفه.

هذا ما صح لنا في الفرق (بين) (فاعل وفعيل) وأيهما أبلغ. والله الموفق. ومما أشرنا إليه من ذلك كفاية للعارف بهذه الصناعة، فانه ينبغي أن يكون خبيراً بقياس هذه الأشياء على نظائرها وأشباهها.

النص من طبعة مطبعة المجمع العلمي (١٣٧٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الجامع الكبير»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.