من «الجامع الكبير» لضياء الدين ابن الأثير (ت ٦٣٧هـ)
النوع الرابع عشر من الباب الأول من الفن الثاني في مبادئ والافتتاحات
وهو نوع من صناعة التأليف جّمة فوائده، وذلك أن يجعل مطلع الكلام من الشعر والخطب والرسائل دالاً على المعنى المقصود بذلك الشعر أو تلك الخطبة أو تلك الرسائل. ومن أدب ذلك أن لا يذكر الشاعر في افتتاح القصيدة المديح بما يتطير به وقال بعض علماء البيان (أحسنوا معاشر الكتاب الابتداءات فإنهن دلائل البيان). وينبغي للشاعر أن يحترز في المدح مما يتطير به من وصف إفقار الديار، ودثور المنازل والأطلال، وتشتت الألاّف، وذم الزمان،
وأشباه ذلك، ولا سيما إذا كان في التهاني، فإنه يكون أشد قبحاً، وإنما يستعمل ذلك في الخطوب النازلة، والنوائب الحادثة، ومتى كان الكلام في المديح مؤسساً على هذا المثال تطير منه سامعه، فإن رأس صناعة التأليف وضع كل شيء مكانه، وإنما خصصت الابتداءات بالاختيار لأنها أول ما يطرق السمع من الكلام، فانه متى
كان الابتداء لائقاً بالمعنى الوارد بعده توفرت الدواعي على استماعه وتزايدت البواعث على الاستغناء إليه، ومن أقبح الابتداءات قول ذي الرمة (ما بال عينيك منها الماء ينسكب).
لأن مقابلة الممدوح بهذا الخطاب لإخفاء بقبحه، وقد أنكر الفضل بن يحيى على أبي نواس قوله فيه:
(أربع البلى إنَّ الخشوع لبادي)
فلما انتهى إلى قوله:
سلام على الدنيا إذا ما فقدتمبني بربك من رائحين وغادي
استحكم تطير الفضل بن يحيى، وقيل إنه لم يمض على ذلك أسبوع واحد حتى نكبوا، وحكي أنه لما فرغ المعتصم من بناء قصره بالميدان جلس فيه وجمع أهله وأصحابه وأمرهم أن
يلبسوا أسنى الملابس، ويظهروا محاسن الزينة، وجلس على سرير مرصّع بالجواهر والى جانبه أسرة، فكلما دخل عليه رجل من أكابر دولته أجلس في الموضع الذي يليق به فما رأى الناس أحسن من ذلك اليوم، فاستأذن إسحاق بن إبراهيم الموصلي في الإنشاد فأذن له، فانشد شعراً ما سمع بأحسن منه في صفته وصفة المجلس إلا أنه استفتح بذكر الديار القديمة وبقية آثارها فقال:
يا دار غيرك البلى ومحاكيا ليت شعري ما الذي أبلاكِ؟!
فتطير المعتصم من ذلك وتغامز الناس على إسحاق بن إبراهيم، وعجبوا كيف ذهب عليه مثل ذلك مع علمه ومعرفته وطول خدمته للملوك، ثم أقاموا يومهم وانصرفوا فما عاد منهم اثنان إلى ذلك المجلس، وخرج المعتصم إلى سر من، رأى وخرب القصر، فإذا أراد الشاعر أن يذكر داراً في مديحه فليذكر كما ذكر الخريمي:
ألا يا دار لك السروروساعدك النضارة والحبور
وكما قال أشجع...
قصر عليه تحية وسلامنشرت عليه جمالها الأيام
وما أجدر هذا البيت بمفتح شعر إسحاق بن إبراهيم الذي أنشده للمعتصم في ذلك القصر، فإنه لو ذكر هذا وما يجري مجراه لكان حسناً لائقاً.
وسئل بعضهم عن أحذق الشعراء، فقال من أجاد الابتداء والمقطع، ألا ترى أن قصيدة أبي نواس التي هي:
يا دار ما فعلت بك الأياملم يبق فيك بشاشة تستام
قد قيل إنها من أشرف شعره وأعلاه منزلة، وأن أبا تمام مع تقدمه في صناعة الشعر أتعب نفسه في الإتيان بما يماثلها أو يشابهها فلم يقدر على ذلك، وهي مع شرفها وعلو منزلتها في الشعر مستكرهة الابتداء من حيث النظر، لأنها في مدح الخليفة الأمين. وافتتاح المديح بذكر الديار ودروسها يتطير به، ولا سيما في حق الخلفاء والملوك، ولهذا يختار من ذكر الأماكن والمنازل ما راق لفظة، وحسن التلفظ به كالغوير والعقيق وزرود وأشباه ذلك، ويختار أيضاً من أسماء النساء في الغزل نحو (سعاد وأمام وفوز) وما يجري هذا المجرى. ولقد عيب على الأخطل من أجل تغزله باسم (قدور) وهي امرأة كان يحيها فإنه مستقبح في الذكر، وأمثال هذه الأشياء تجب مراعاتها بها فاعرف ذلك.
ولما نظر أبو العميثل في قصيدة أبي تمام وهي:
(أهن عوادي يوسف وصواحبه)
استرذل ابتداءها فاسقط القصيدة كلها حتى عاد إليه أبو تمام ووقفه على موقع الاختيار منها وهو:
إليك جزعنا مغرب الشمس كلماأجزنا ملاً صَلَّتْ عليك سياسيه
وغير ذلك مما ذكره أبو تمام في قصيدته، فلما وقف أبو العميثل عليه راجع عبد
الله بن طاهر فأجازها له. ولأبي تمام ابتداءات كثيرة تجري هذا المجرى كقوله:
(قدك آنئد أربيت في الغلواء).
فإن الابتداء المستكره ليس من شرطه أن يكون مما يتطير به فقط وإنما يكون مستكرهاً كما أشرنا إليه من قول أبي تمام وما جانسه، فاعرف ذلك.
واعلم أن الابتداء البديع البارع يكون داعياً إلى الإصغاء إلى ما بعده من الكلام، ألا ترى أن الله تعالى قال: (حم، ألم، وطسم، وكهيعص). فيقرع الأسماع شيء بديع، ليس لها بمثله عادة فيكون ذلك داعياً لها إلى الاستماع، ولذلك استحسن من الابتداءات في الكتب (الحمد لله) لأن النفوس تتشوف إلى تمجيد الله ﷿ والثناء عليه، وتميل إلى معرفة ما يأتي بعده من الكلام.
ومن أحسن الابتداءات ما ذكره مهيار فإنه أتى بالمعنى المقصود من أول كلامه فقال:
أما وهواها عِذْرَةّ وتنصُّلاًلقد نقل الواشي إليها فأمحلا
سعى جُهدَه لكن تجاوز حدَّهُوكثَّر فارتابت ولو شاء قلّلا
ألا ترى ما ألطف هذا الاعتذار الذي قد أبرزه في هيئة القول، وأخرجه في معرض النسيب،
والمراد به الاعتذار إلى الممدوح، وذلك من أبدع ما يكون في هذا الباب. ومما جاء على نحو منه قول بعض المتأخرين في أنوشروان الوزير وقد خلع عليه:
خُلعَت من الحَدَثان أحصَنُ أَدرعيفلقد سُنِنَّ على الكريم الأروع
وكذلك قوله وقد وشي في حقه إلى الممدوح:
وراءك أقوال الوشاة الفواجرودونك أحوال الغرام المُخامر
فلولا وَلُوعُ منك بالصدق ما وشواولولا الهوى لم أنْتَدِبْ للمعاذر
فسلك في هذا القول مذهب مهيار إلا أن في هذا زيادة على ما قاله مهيار، وهي
في المعاتبة على الالتفات إلى الوشاة، والاستماع منهم وذلك من أغرب ما قيل في هذا المعنى، فاعرفه.
ومن الابتداءات في الكتب قوله مؤلف الكتاب (الحمد لله رافع لواء الإيمان، وقامع أولياء الشرك والبهتان، الذي نصر الإسلام وأطلع نجومه، وخذل الكفر وطمس رسومه)، فإنه قد جيء بالمعنى المقصود وهو البشرى بهزيمة الكفار من أول الكتاب، ومتى سمع الإنسان
هذا المطلع علم أنه يتضمن البشرى بادالة المسلمين على المشركين من غير أن يحتاج إلى وقوف على حديث الوقعة. ومن ذلك قوله بعض الكتاب في زمن المأمون وقد نتجت ناقة شخص آدمي، فأمر أن يكتب بذلك إلى البلاد فقال (الحمد لله خالق الأنام في بطون الأنعام)، فعير عن المراد في أول كلامه. وأمثال ذلك كثيرة فاعرفها.
النص من طبعة مطبعة المجمع العلمي (١٣٧٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع