تجاوز إلى المحتوى

من «الجامع الكبير» لضياء الدين ابن الأثير (ت ٦٣٧هـ)

النوع الثامن من الباب الأول من الفن الثاني في استعمال العام والخاص في الإثبات

وهو باب من علم البيان تتكاثر فوائده.

اعلم أنه إذا كان الشيئان أحدهما خاص والآخر عام فإن استعمال العام في حالة النفي، أبلغ من استعماله في حالة الإثبات، وكذلك استعمال الخاص في حالة الإثبات أبلغ من استعماله في حالة النفي.

مثال ذلك الإنسانية والحيوانية. فإن إثبات الإنسانية يوجب إثبات الحيوانية، ولا يوجب نفيها نفي الحيوانية. وكذلك نفي الحيوانية يوجب منه نفي الإنسانية ولا يوجب من إثباتها إثبات الإنسانية.

ومما يدخل في هذا الباب الأسماء المفردة الواقعة على الجنس، التي يكون بينها وبين واحدها تاء التأنيث، فانه أريد النفي كان استعمال واحدها أبلغ، ومتى أريد الإثبات، كان استعمالها أبلغ.

فالأول وهو الخاص والعام نحو قوله تعالى: (مثلهم كمثل الذي استوقد ناراً فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم...) ولم يقل: (بضوئهم)، لأن ذكر النور في حالة النفي أبلغ، من حيث إن الضوء فيه الدلالة على النور وزيادة، فلو قال: ذهب الله بضوئهم، لكان المعنى يعطي ذهاب تلك الزيادة وبقاء ما يسمى نوراً، لأن الإضاءة، هي فرط الإنارة دليل (ذلك) قوله تعالى: (وهو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نوراً، وقدره منازل...) فكل ضوء نور، وليس كل نور ضوءاً. فالغرض من قوله تعالى: (ذهب الله بنورهم) إنما هو إزالة النور عنهم رأساً، فهو إذا أزاله فقد أزال الضوء. وكذلك أيضاً قوله: (ذهب الله بنورهم) (ولم يقل: أذهب نورهم) لأن كل من ذهب بشيء فقد أذهبه، وليس كل من أذهب شيئاً فقد ذهب به، لأن الذهاب بالشيء هو استصحاب له، ومضي به، وفي ذلك نوع احتجار

بالمذهوب به، وإمساك له عن الرجوع إلى حالته، والعود إلى مكانه وليس كذلك الإذهاب للشيء، لزوال معنى الاحتجار منه.

وهذا كلام دقيق يحتاج إلى زيادة تأمل ومراجعة. ومما يجعل على ذلك الأوصاف الخاصة إذا وقعت على شيئين، وكان يلزم وصف أحدهما وصف الآخر، ولا يلزم عكس ذلك؛ نحو الطول والعرض؛ فإنه إذا قيل: مربع عرضه مائه ذراع، لزم أن يكون طوله إما مثلها أو أكثر منها. قال الله تعالى: (وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السموات والأرض) فإنه إنما خص العرض بالذكر دون الطول؛ لأن الطول أكثر من العرض. والمعنى: أنه إذا كان هذا عرضها فكيف يكون طولها؟ هذا في حالة الإثبات، ولو أريد النفي لكان له أسلوب غير ما ذكرنا؛ وهو أن كان يخص به الطول دون العرض؛ وذلك موضع كثير الاشكال؛ فينبغي أن يكون المؤلف بصيراً باستعماله؛ على اختلاف حالاته وتشعب مذاهبه.

وأما الأسماء المفردة الواقعة على الجنس، فنحو قوله تعالى في قصة نوح ﵇: (قال الملأ من قومه إنا لتراك في ضلال مبين قال: يا قوم ليس بي ضلالة ولكني رسول من رب العالمين) فإنه إنما قال: (ليس بي ضلالة) ولم يقل: ضلال لأن (نفي) الضلالة أبلغ في نفي الضلال عنه؛ كما لو قيل لك: (ألك تمر؟) فقلت في الجواب: ما لي تمرة) كأن ذلك أنفى للتمر. ولو قلت: (ما لي تمر) لما كان مؤدباً من المعنى ما كان يؤديه القول

(الأول)، فاعرف ذلك.

النص من طبعة مطبعة المجمع العلمي (١٣٧٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الجامع الكبير»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.