من «الجامع الكبير» لضياء الدين ابن الأثير (ت ٦٣٧هـ)
النوع التاسع من الباب الأول من الفن الثاني في التفسير بعد الإبهام
يفعل ذلك لتفخيم المبهم وإعظامه؛ لأنه هو الذي يطرق السمع أولا، فيذهب السامع كل مذهب كقوله تعالى: (وقضينا إليه ذلك الأمر أن دابر هؤلاء مقطوع
مصبحين) ففسر (ذلك الأمر) بقوله: (دابر هؤلاء مقطوع). وفي إبهامه أولاً، وتفسيره بعد ذلك تفخيم للأمر، وتعظيم لشأنه، فإنه لو قال تعالى: (وقضينا إليه أن دابر هؤلاء مقطوع...) لما كان بهذه المثابة من الفخامة، فإن الإبهام أولاً يوقع السامع في حيرة وتفكّر، واستعظام لما قرع سمعه، وتشوق إلى معرفة كنهه، والاطلاع على حقيقته.
ومن هذا الباب قوله تعالى: (اهدنا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم...) (فإنه إنما قال ذلك، ولم يقل: اهدنا صراط الذين أنعمت عليهم) لما في الأول من التنبيه، والإشعار بأن الصراط المستقيم هو صراط المؤمن، فدل عليه بأبلغ وجه، كما تقول: (هل أدلك على أكرم الناس وأفضلهم!؟) ثم تقول: (فلان) فيكون ذلك أبلغ في وصفقه بالكرم والفضل من قولك: (هل أدلك على فلان الأكرم الأفضل) لأنك تثبت ذكره مجملاً ومفصلاً، فجعلته علماً في الكرم والفضل، كأنك قلت: من أراد رجلاً جامعاً للخصلتين فعليه بفلان.
وعلى نحو من هذا جاء قوله تعالى: (وقال الذين آمن يا قوم اتبعوني أهدكم سبيل الرشاد
يا قوم إنما هذه الحياة الدنيا متاع وإن الآخرة هي دار القرار من عمل سيئة فلا يجزى إلا مثلها، ومن عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة يرزقون فيها بغير حساب) ألا ترى كيف قال: (أهدكم سبيل الرشاد) فأبهم: (سبيل الرشاد) ولم يبين أي سبيل هو، ثم فسر ذلك فافتتح كلامه بذم الدنيا، وتصغير شأنها، لأن الإخلاد إليها أصل الشر كله، ثم ثنى ذلك بتعظيم الآخرة والاطلاع على حقيقتها، وأنها هي الموطن والمستقر، ثم ثلث بذكر الأعمال، سيئها وحسنها، وعاقبة كل منهما، ليثبط عما يتلف، وينشط لما يزلف، فكأنه قال: سبيل الرشاد هو الإعراض عن الدنيا، والرغبة في الآخرة، والامتناع من الأعمال السيئة، خوف المقابلة عليها، والمسارعة إلى الأعمال الصالحة، رجاء المجازاة
عليها.
وكذلك (جاء) قوله تعالى: (وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت...) ولم يقل قواعد البيت، لما في إبهام القواعد، وتبيينها بعد ذلك من الايضاح، وتفخيم حال المبين مما ليس في الإضافة.
ومن هذا الباب قوله تعالى: (وقال فرعون يا هامان ابن لي صرحاً لعلّي ابلغ الأسباب أسباب السموات فاطلع إلى إله موسى...) الآية (فإنه) لما أراد تفخيم ما أمَّل فرعون من بلوغه أسباب السموات، أبهمها أولاً ثم فسرها ثانياً، ولأنها لما كان بلوغها أمراً عجيباً، أراد أن يورده على نفس متشوفة إليه، ليعطيه السامع حقه من التعجب فأبهمه ليشوق إليه نفس هامان، ثم أوضحه بعد ذلك.
ومما يدخل في هذا الباب الابتداء بذكر الضمير ثم الإفصاح بذكر صاحبه بعده، كقوله
تعالى: (وما تكون في شأن وما تتلو منه من قرآن) فإنه لما أتى بالضمير، الذي هو (منه) قبل صاحبه الذي هو القرآن، كان ذلك تفخيماً له، وتعظيماً من أمره. ولو قال: وما تكون في شأن وما تتلو من القرآن، ولم يذكر الضمير لما كان للكلام تلك الفخامة التي كانت له مع ذكر الضمير، وهذا مثل قولهم (الكريم العالم الفاضل) ثم يقال: فلان وقد سبق الكلام عليه، فاعرف ذلك وقس عليه.
وأما الإبهام من غير تفسير، فكثير شائع في القرآن العزيز، كقوله تعالى: (إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم) فقوله: للتي هي أقوم أي الطريقة أو الحالة أو الملة هي أقومها وأسدها، وأي ذلك قدرت لم تجد له مع الإفصاح ذوق البلاغة الذي تجده مع الإبهام، وذلك لذهاب الوهم فيه كل مذهب، وإيقاعه على محتملات كثيرة، وهذا لا يخفى على العارف برموز صناعة التأليف فاعرفه.
ومما يدخل في هذا الباب الاستثناء العددي وهو ضرب من التأليف لطيف المأخذ عجيب المغزى. وإنما يفعل ذلك طلباً للمبالغة؛ لأن له تأثيراً شديداً في القلب،
وموقفاً عظيماً في النفس وفائدته (أن) أول ما يطرق سمع المخاطب ذكر العقد في العدد فيكبر موقع ذلك عنده، وهو شبيه بما ذكرناه من الإبهام أولاً ثم التفسير بعده ثانياً، فمن ذلك قوله تعالى: (ولقد أرسلنا نوحاً إلى قومه فلبث فيهم سنة إلا خمسين عاماً) فإنه إنما قيل (ألف سنة إلا خمسين عاماً) ولم يقل تسعمائة وخمسين عاماً لفائدة حسنة، وهي ذكر ما ابتلى به نوح من أمته، وما كابده من طول المصابرة، ليكون ذلك تسلية لرسول الله ﷺ وتثبيتاً له، فإن ذلك رأس العدد الذي هو منتهى العقود وأعظمها أوقع وأوصل إلى الغرض من استطالة السامع
مدة صبره وما لاقاه من قومه، فاعرف ذلك وقس عليه.
النص من طبعة مطبعة المجمع العلمي (١٣٧٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع