تجاوز إلى المحتوى

من «الجامع الكبير» لضياء الدين ابن الأثير (ت ٦٣٧هـ)

الفرع الخامس من الأرداف

ليس مما تقدم بشيء وذلك نحو قوله - تعالى: (عفا الله عنك لِمَ أذِنت لهم) والمعنى المراد من هذا الكلام: أنك أخطأت وبئسما فعلت وقوله: (لم أذنت لهم) بيان لما كنى عنه بالعفو، أي مالك أذنت لهم، وهلا استأنيت؟ فذكر العفو دليلٌ على الذنب ورادف له وإن لم يذكره. وكذلك جاء قوله - تعالى -: (فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار التي وقودها الناس، والحجارة أعدت للكافرين) قيل لهم: إن استنبتم العجز عن المعارضة فاتركوا العناد. فوضع قوله (فاتقوا النار) موضعه، لأن اتقاء النار لصيقه وصميمه من حيث إنه من نتائجه وروادفه لأنَّ من اتقى النار ترك المعاندة. ونظيره أن يقول الملك لحشمه: (إن أردتم الكرامة عندي فاحذروا سخطي) يريد فأطيعوني واتبعوا أمري، وافعلوا ما ينتجه حذر السخط و (ذلك) رادف له. ومن هذا الباب قوله - تعالى -: (قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا). ألا ترى إلى لطافة هذه الكناية؛ فإنها أفادت تكذيب دعواهم، ودفع ما انتحلوه. وفائدتها هاهنا: أنه روعي في تكذيبهم أدب حسن، حيث لم يصرح بلفظه، فلم يقل (كذبتم) لأن فيه نوع استقباح في الخطاب، ووضع قوله - تعالى - (لم تؤمنوا) الذي هو نفي ما ادعوا بيانه موضعه، لأن ذلك رادف له. ومما يجري هذا المجرى قوله - تعالى -: (قال الملأ الذين استكبروا من قومه للذين استضعفوا لمن آمن منهم...) إلى قوله (... مؤمنون) فإن الغرض بقولهم (إنا بما أرسل به مؤمنون) جواباً عن سؤالهم: (أتعلمون أن صالحاً مرسل من ربه؟) إثبات العلم بإرساله، وأنه من الأمور الظاهرة المسلمة، التي لا يدخلها ريب، ولا يعترضها شك، لكن عدل عن ذلك إلى ما هو دليل عليه، ورادف له، وهو الإيمان به: أعني بصالح، وإنما صح منهم بعد ثبوت نبوته عندهم،

والعلم بإرساله إليهم، فالإيمان به إذن دليل على العلم بأنه نبي مرسل. وهذا من دقائق الأرداف ولطائفه.

وأمثال ذلك كثيرة كقول الأعرابية في حديث أم زرع: (له إبل قليلات المسارح، كثيرات المبارك. إذا سمعن صوت المزهر أيقن أنهن هوالك) فإن الظاهر من هذا القول أن إبله تنزل بفنائه، ولا تبرح ليقرب عليه نحرها للأضياف. فإذا ضرب المزهر للقيا (ن) نحرها لضيوفه. لقد اعتادت هذه الحالة وألفتها. وغرض الأعرابية من هذا الكلام أن تصف زوجها بالجود والكرم، ولكنها لم تذكر ذلك بلفظه الدال عليه وإنما أتت بمعان، هي أدلة على ذلك من غير تصريح بمرادها. وكذلك قال بعضهم:

وددت - وما تغني الودادة - أننيبما في ضمير الحاجبية عالم
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «وَدِدْتُ وَمَا تُغْنِي الودَادَة ُ أَنَّني»
فإن كان خيراً سرَّني وعلمتهوإن كان شراً لم تلُمني اللوائم
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «وددت وما تغني الودادة أنني»

فإن المراد من قوله (لم تلمني اللوائم) أني أهجرها، فأضرب عن ذلك جانباً، ولم يذكر اللفظ المختص به، ولكنه ذكر ما هو دليل عليه ورادف له. وفيما أشرنا إليه من ذلك كفاية للمتأمل.

النص من طبعة مطبعة المجمع العلمي (١٣٧٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الجامع الكبير»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.