تجاوز إلى المحتوى

من «الجامع الكبير» لضياء الدين ابن الأثير (ت ٦٣٧هـ)

النوع السابع عشر من الباب الأول من الفن الثاني في الاشتقاق

اعلم أن جماعة علماء هذه الصناعة يفضلون الاشتقاق على التجنيس، وليس الأمر

كما وقع لهم، بل التجنيس أمر عام لهذين النوعين من الكلام؛ وذلك لأن التجانس في أصل الوضع

هو التماثل والتشابه، يقال (جانس الشيء (الشيء) إذ ماثله وشابهه، ولما كان الحال كذلك، ورأينا من الألفاظ ما يتماثل ويتشابه في صيغته وبيانه علماً أن ذلك يطلق عليه اسم (التجانس). وكذلك لما رأينا من المعاني ما يتماثل ويتشابه علمنا أن ذلك أن ذلك يطلق عليه اسم (التجانس). أيضاً، فالتجانس ينقسم قسمين أحدهما تجانس في اللفظ والآخر تجانس في المعنى، فأما التجانس في اللفظ فهو على بابه تجانس لم يجعل له اسم آخر كما جعل للتجانس في المعنى فانه يسمى (الاشتقاق) أي أن أحد المعنيين مشتق من الآخر، فهذا الموضع الذي كنا بصدد ذكره لا يليق أن نورد فيه إلا ما يختص بالمعاني، لأنه من باب الصناعة المعنوية، ولذلك أفردنا (الاشتقاق) وذكرناه هاهنا. وأما التجانس في الألفاظ. فسيأتي ذكره في باب الصناعة اللفظية.

واعلم أن الاشتقاق على ضربين: صغير وكبير، فالصغير: أن يأخذ أصلا من الأصول فيجمع بين معانيه وإن اختلفت صيغته ومبانيه، كتركيب (س ل م) فأنك تأخذ منه معنى السلامة في تصرفه نحو (سالم وسالم وسلمان وسلمى والسليم) اللديغ: أطلق عليه ذلك تفاؤلاً بسلامته، وعلى هذا جاء غيره من الأصول كقولك (هشمتك هاشم) و (حاربك محارب) و (سالمك سالم) و (أصاب الأرض صيب) لأن الصّيب هو المطر الذي يشتد صوبُه أي وقعه على الأرض، وأمثال ذلك كثيرة، ولهذا الضرب من الكلام رونق لا يخفى على العارف بهذه الصناعة، فما جاء منه قول بعضهم:

(أمحلّتي سَلمى لكاظمة أسلما)

وكذلك قول الآخر وهو جرير بن عطية:

وما زال معقولاً عقال عن الندىوما زال محبوساً عن الخير حابس

وقال غيره:

لقد علم القبائل أن قوميلهم حدّ إذا لبس الحديد

وأمثال هذه كثيرة، فاعرفها.

وأما الاشتقاق الكبير فهو أن تأخذ أصلاً فتعقد عليه وعلى تراكيبه معنى واحداً يجمع تلك التراكيب وما تصرف منها وإن تباعد شيء من ذلك رد بلطف الصنعة والتأويل إليها، كما يفعل الاشتقاقيون. ولنضرب لذلك مثالاً فنقول: إن لفظة (ق ر م) من الثلاثي لها ستة تراكيب وهي (ق ر م. ق م ر. رم ق. م ق ر. م ر ق. فهذه التراكيب الستة يجمعها معنى واحد. وهو القوة والشدة، فالقرم شدة شهوة اللحم وقمر الرجل (إذا غلب من يقامره) و (الرقم) الداهية وهي الشدة التي تلحق الإنسان من أمره (وعيش مرمق) أي ضيق، وذلك نوع من الشدة أيضاً (والمقر) شبه الصبر يقال (أمقر الشيء إذا أمر) وفي ذلك شدة على الذائق وكراهة (ومرق السهم) إذا نفر من الرميّة، وذلك لشدة مضائه وقوته.

واعلم أنه إذا أسقط من تراكيب الكلمة شيء فجائز ذلك في الاشتقاق، لأن الاشتقاق ليس من شرطه كمال تراكيب الكلمة بل من شرطه أن الكلمة كيف تقلبت بها تراكيبها، من تقديم حروفها أو تأخيرها أدت إلى معنى واحد يجمعها. فمثال ما سقط من تراكيب الثلاثي لفظ (وس ق) فإن لها خمسة تراكيب وهي: وس ق. وق س. س وق. ق س و. ق وس. وسقط من جملة التراكيب قسم واحد وهو (س ق و) وجميع هذه الكلمات المذكورة تدل على القوة والشدة أيضاً، فالوسق من قولهم (استَوْسَقَ الأمرُ) أي اجتمع وقوي. والوَقْسُ: ابتداءُ الجَرَبِ، وفي ذلك شدة على من يصيب وبلاء. والسَّوْق:

متابعة السيرة وفي هذا عناء وشدة للسائق والمسوق. والقَسْوة: شدة القلب وغلظه. والقَوْسُ: معروف، وفيه نوع من الشدة والقوة لنزعه السهم وإخراجه إلى ذلك المرمى المتباعد.

واعلم أنا لا نَدعَّي أن هذا يطرد في جميع اللغة بل قد جاء شيء منها كذلك، وهذا مما يدل على شرفها وحكمتها، لأن الكلمة الواحدة تتقلب على ضروب من التقاليب، وهي مع ذلك دالة على معنى واحد. وهذا من أعيب الأسرار التي توجد في لغة العرب وأغربها، فاعرفه.

النص من طبعة مطبعة المجمع العلمي (١٣٧٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الجامع الكبير»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.