من «الجامع الكبير» لضياء الدين ابن الأثير (ت ٦٣٧هـ)
الضرب الثاني من التكرير في اللفظ والمعنى وهو غير المفيد
وهو الذي يكون وجوده وعدمه سواءً لأنه لا يأتي (إلا) بمعنى واحد فقط، فمن ذلك
ما أوردناه في صدر هذا الباب قول أبي الطيب المتنبي:
ولم أرَ جِيراني ومثليلمثلي عند مثلهم مُقام
إنه يقول: لم أر مثل جيراني في سوء الجوار وقلة المراعاة، ولا مثلي في مصابرتهم ومقامي عندهم، إلا أنه قد كرر هذا المعنى في البيت مرتين، وعلى نحو ذلك جاء قوله:
فَقَلقَلتُ بالهمَّ الذي قَلقَلَ الحشاقَلاقِلَ عِيسِ كلُّهن قلاقل
فإن الصاحب إسماعيل بن عباد أنكر على أبي الطيب هذا البيت لأجل التكرير الذي فيه ورأيت الواحدي ذكر في شرحه لشعر أبي الطيب أنه لا يلزمه من هذا عيب وأنه قد جرت عادة الشعراء بمثل هذا كقول أبي منصور الثعالبي:
وإذا البَلابلُ أطربَتْ بهدِيلهافأنفِ البلابلَ باحتساه بَلابل
ولقد أصاب الصاحب بن عباد في استقباح بيت أبي الطيب، وأخطأ الواحدي في الاعتذار عنه، وتمثيل ذلك يقول الثعالبي. وبيانه أن بيت أبي الطيب قد ورد فيه ذكر القلقلة والقلاقل أربع مرات، وهن دلائل معنى واحداً لا غير وهو الحركة يقول (وحركت بالهم الذي حرك
الحشا نوقاً سراع الحركة كلهن متحركات) وهذا من أقبح ما يكون من التكرير وأما بيت الثعالبي الذي مثله الواحدي ببيت أبي الطيب فليس مثالاً لأن لفظة (البلابل) قد وردت فيه ثلاث مرات. وكل منها دال على معنى، والبلابل الأولى جمع بلبل، وهو طائر حسن الصوت، والبلابل الثانية
جمع بلبلة، وهي وسواس الصدر، والبلابل الثالثة جمع بلبلة وهي مخرج الماء من الابريق، فهو يقول: وإذا الأطيار من البلابل هدلت وغردت فانف البلابل من قلبك باحتساء الخمر من بلابل الأباريق، وهذا من أخف ما يكون من التجنيس. ومن هاهنا وقع السهو للواحدي، وهو أن (البلابل) في شعر الثعالبي تدل على معان مختلفة و (القلاقل) في شعر أبي الطيب تدل على معنى واحد، فاعرف ذلك وقس عليه.
النص من طبعة مطبعة المجمع العلمي (١٣٧٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع