من «الجامع الكبير» لضياء الدين ابن الأثير (ت ٦٣٧هـ)
الضرب الأول المطابقة وهي المقابلة
اعلم أن جماعة العلماء من أرباب هذه الصناعة قد أجمعوا على أن المطابقة في الكلام: هي الجمع بين الشيء وضده، كالسواد والبياض والليل والنهار، وخالفهم في ذلك أبو الفرج قدامة ابن جعفر الكاتب فقال: (المطابقة إيراد لفظتين متساويتين في البناء والصيغة مختلفتين في المعنى). وهذا الذي ذكره قدامة هو (التجنيس) بعينه، غير أن الأسماء لا مشاحة منها إلا إذا كانت مشتقة، ولننظر نحن في مخالفة قدامة لجماعة العلماء في اسم المطابقة ليعلم الحق في أي الجهتين مقره، وذلك أنا ننظر إلى أصل المطابقة في وضع اللغة فإن كانت مناسبة لما أجمع عليه
العلماء تحققنا أن الحق معهم، وإن كانت مناسبة لما ذكره قدامة تحققنا أن الحق في يده فرأينا: أصل الطباق في اللغة من (طابق البعير في سيره) إذا وضع رجله موضع يده، وهذا يقوي
ما ذكره قدامة، لأن اليد غير الرجل لا ضدها، والموضع الذي يقعان منه واحد، وكذلك المعنيان يكونان غير بن أي مختلفين، واللفظ الذي يجمعهما واحد، فقدامة سمى هذا النوع من الكلام المطابقة، حيث كان الاسم مشتقا مما سمي به، وذلك مناسب وواقع (موقعه) إلا أنه قد جعل للتجنيس اسماً آخر هو المطابقة، ولا بأس به. وأما جماعة العلماء فكأنهم سمواً هذا الضرب من الكلام مطابقاً، بغير اشتقاق، ولا مناسبة بينه وبين مسماه. كذا هو الظاهر لنا من هذا الأمر، إلا أن يكونوا قد علموا لذلك مناسبة لطيفة، لم نطلع نحن عليها، ولنرجع نحن إلى هذا النوع من التأليف ونحقق الكلام فيه فنقول:
اعلم أن الأليق من حيث المعنى أن يسمى هذا النوع (المقابلة) لأنه لا يخلو الخال في ذلك من ثلاثة أقسام: أما أن يقابل الشيء بضده أو بغيره (أو بمثله) وليس لنا قسم رابع.
النص من طبعة مطبعة المجمع العلمي (١٣٧٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع