تجاوز إلى المحتوى

من «الجامع الكبير» لضياء الدين ابن الأثير (ت ٦٣٧هـ)

فأما القسم الأول وهو مقابلة الشيء بضده

، كالسواد والبياض وما جرى مجراه فكقوله تعالى (فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيراً). ألا ترى إلى صحة هذه المقابلة البديعة؛ حيث قابل الضحك بالبكاء والقليل بالكثير؟. وكذلك قوله تعالى: (لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم). وهذا من أحسن ما يجيء في هذا الباب. وقال رسول الله ﷺ (خير المال عين ساهرة لعين نائمة). ومن هذا قول بعضهم في السحاب:

وله بلا حزن ولا بمسرّةضحك يراوح بينه وبكاء

فقابل الضحك بالبكاء، والحزن بالسرور في بيت واحد إلا أن في ذلك نظراً، من حيث ترتيب التفسير، لا من حيث المقابلة، لأن ترتيب التفسير يقتضي أن كان قال

(فله بلا حزن ولا بمسرة) (بكاء يراوح بينه وضحك). وهذا لا كبير عيب فيه، وإنما الأولى والأليق ما أشرنا إليه، فاعرفه، وسيأتي بيانه، وقال آخر:

فلا الجودُ يفني المالَ والجدُّ مقْبلُولا البخلُ يُبقي المال والجد مدبرُ
للشاعر عبيد الله بن عبدالله بن طاهر، من قصيدة «فانفق إذا أيسرت غير مقتر»

ألا ترى إلى هذه المقابلة البديعة التي قد أتى بها هذا الشاعر؛ فانه قابل الجود بالبخل ويُفْني بيُبقي ومُقبِل بمدبر؟ وهذا الكلام هو السهل الممتنع، الذي هو كالنجم تراه قريباً على صفحات الماء وهو بأفق السماء. ومن هذا النوع أيضاً قول البحتري:

وأمة كانَ قُبْحُ الجَور يُسخطهادهراً فأصبح حُسنُ العدل يُرضيها
للشاعر البحتري، من قصيدة «ميلوا إلى الدار من ليلى نحييها»

فقابل الحسن بالقبح، والجور بالعدل، والسخط بالرضى، وذلك بديع في بابه، فاعرفه.

النص من طبعة مطبعة المجمع العلمي (١٣٧٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الجامع الكبير»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.