تجاوز إلى المحتوى

من «إعتاب الكتاب» لابن الأبار (ت ٦٥٨هـ)

ميمون بن إبراهيم

حكى الزبيدي في كتاب طبقات النحويين من تأليفه عن أبي العباس ثعلب، عن ابن قادم أستاذه قال: وجه إلي إسحق يعني ابن إبراهيم

المصعبي يوماً، فأحضرني ولم أدر ما السبب، فلما قربت من مجلسه، تلقاني ميمون بن إبراهيم كاتبه على الرسائل، وهو على غاية الهلع والجزع، فقال لي بصوت خفي: إنه إسحق!! ومر غير متلبث ولا متوقف، حتى رجع إلى مجلس إسحق، فراعني ذلك، فلما مثلت بين يديه قال لي: كيف يقال: وهذا المال مال أو هذا المال مالاً؟ قال: فعلمت ما أراد ميمون، فقلت له: الوجه وهذا المال مال، ويجوز: وهذا المال مالاً؛ فأقبل إسحق على ميمون بغلظة وفظاظة ثم قال: الزم الوجه في كتبك ودعنا من يجوز ويجوز! ورمى إلي بكتاب كان في يده، فسألت عن الخبر، فإذا ميمون قد كتب إلى المأمون وهو ببلاد الروم عن إسحق، وذكر مالاً حمله إليه، فكتب: وهذا المال مالاً فخط المأمون على الموضع من الكتاب، ووقع بخطه في حاشيته: تكاتبني بلحن! فقامت القيامة على إسحق، فكان ميمون بعد ذلك يقول: لا أدري كيف أشكر ابن قادم، بقى علي روحي ونعمتي. قال أبو العباس ثعلب: فكان هذا مقدار العلم، وعلى حسب ذلك كانت الرغبة فيه، والحذر من الزلل، قال: وهذا المال مالاً ليس بشيء، ولكن أحسن ابن قادم في التأتي لخلاص ميمون.

ويشبه هذا الخبر ما حكى الجاحظ، أن الحصين بن أبي الحر كتب إلى عمر

رضي الله عنه كتاباً، فلحن في حرف منه، فكتب إليه عمر أن قنع كاتبك سوطاً. وفي كتاب ابن عبدوس: أن عمر وجد في كتاب لأبي موسى الأشعري لحناً، فكتب إليه بذلك. وخالف ابن عبدوس أبو جعفر بن النحاس فروى أن كاتباً لأبي موسى كتب إلى عمر: من أبو موسى، فكتب إليه عمر أن اضربه خمسين سوطاً واعزله عن عملك؛ إلا أن تكون القضيتان لكاتب واحد.

وقال المأمون لبعض ولده، وسمع منه لحناً: ما على أحدكم أن يتعلم العربية فيقيم بها أوده ويزين مشهده، ويفل حجج خصمه بمسكتات حكمه، ويملك مجلس سلطانه بظاهر بيانه. أيسر أحدكم أن يكون لسانه كلسان أمته أو عبده فلا يزال الدهر أسير كلمته!. ويروى أنه كان يتفقد ما يكتب به الكتاب، فيسقط من لحن، ويحط مقدار من أتى بما غيره أجود منه في العربية؛ وكان يقول: إياكم والشونيز في كتبكم؛ يعني النقط والإعجام. وقال محمد بن عبد الله ابن طاهر، وقد رفعت إليه قصة أكثر صاحبها إعجامها: ما أحسن ما كتب إلا أنه أكثر شونيزها! وكان سعيد بن حميد يقول: لأن يشكل الحرف على القارئ أحب إلي من أن يعاب الكاتب بالشكل، فإذا كرهوا الإعجام والشكل فما ظنك باللحن! إلا أن ترك ذلك قد يورث إشكالاً.

حكى الماوردي عن قدامة بن جعفر أن بعض كتاب الدواوين حاسب عاملاً لعبيد الله بن سليمان بن وهب، فشكا منه إلى عبيد الله، وكتب رقعةً يحتج فيها بصحة دعواه ووضوح شكواه، فوقع فيها عبيد الله: هدا هدا فأخذها العامل وظن أن عبيد الله أراد: هذا هذا إثباتاً لصحة دعواه، كما يقال في إثبات الشيء: هو هو فحمل الرقعة إلى كاتب الديوان، وأراه خط أبي عبد الله وقال: إنه صدق قولي وصحح ما ذكرت! فخفي على الكاتب ذلك، وطيف به على كتاب الدواوين، فلم يقفوا على مراده، فشدد عبيد الله الكلمة الثانية وكتب تحتها: والله المستعان! استعظاماً منه لتقصيرهم في استخراج مراده حتى احتاج إلى إيضاح مراده بالنقط والشكل.

وكان عبد الله بن طاهر يفرط في تفقد المخاطبات عنه وإليه، ويتوعد عليها، ويعاقب فيها. قال لكاتب له أمره بشيء يعمله: إحذر أن تخطئ فأعاقبك بكذا وكذا.. وذكر أمراً عظيماً، فقال له الكاتب: أيها الأمير فمن كانت هذه عقوبته على الخطأ فما ثوابه على الإصابة؟.. وكتب إليه بعض عماله على العراق كتاباً صحائفه غليظة، فأمر عبد الله بإشخاص كاتب العامل إليه، فلما ورد عليه

قال له عبد الله: إن كان معك فأس فاقطع حزم كتابك ثم ارجع إلى عملك، وإن عدت إلى مثلها عدنا إلى إشخاصك لقطعها.

وقد أوصى عبد الملك بن مروان أخاه عبد العزيز، حين وجهه إلى مصر فقال: تفقد كاتبك وحاجبك وجليسك، فإن الغائب يخبره عنك كاتبك، والمتوسم يعرفك بحاجبك، والخارج من عندك يذكرك بجليسك!

النص من طبعة مجمع اللغة العربية بدمشق (١٣٨٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «إعتاب الكتاب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.