من «إعتاب الكتاب» لابن الأبار (ت ٦٥٨هـ)
أبو بكر بن سليمان الزهري
أراده زيادة الله بن إبراهيم بن الأغلب أمير إفريقية على كتابته، وكان عالماً أديباً شاعراً مترسلاً، مع دين وصيانة، فأبى عليه واستعفاه، فلم يعفه، فاشترط عليه ثلاثة شروط، قال زيادة الله: وما هي؟ قال: لا أخلع ردائي، وأجلس في مجلسك بغير إذن، أنا شيخ ومجلسك لا يجلس فيه إلا بإذنك، ولا أكتب في دم أحد ولا ماله! قال: لك ذلك؛ ووفى له بهذه الشروط.
وروي أنه قال له يوماً: يا زهري أصليبة أنت أم مولى؟ فقال: صلبني القدم أعز الله الأمير! فقال زيادة الله: إني لأسر بصدقه مني بعلمه.
ومر به زيادة الله يوماً وهو يصلي فناداه: يا زهري يا زهري! فلم
يجبه، وتمادى في صلاته، فغضب عليه وعاتبه وقال: دعوتك فلم تجبني! فقال: كنت بين يدي من هو أعظم منك! قال: صدقت! ويشبه هذا ما حدث به عبد الصمد بن المعذل قال: ركب أبي إلى الأمير عيسى بن جعفر وكان على البصرة، فوقف ينتظره، فلما أبطأ عليه أقبل يصلي، وكان المعذل إذا دخل في الصلاة لم يقطعها، فجعل عيسى يصيح: يا معذل! يا أبا عمرو.. والمعذل على صلاته لم يعرج عليه، فغضب عيسى ومضى، فلما أتم صلاته لحق عيسى وأنشأ يقول:
قد قلت إذ هتف الأميريا أيّها القمر المنير
حرم الكلام فلم أُجبوأجاب دعوتك الضمير
فلو أنّ نفسي طاوعتني إذ دعوت ولا أُحير
لبّاك كلّ جوارحيبأناملٍ ولها السرور
شوقاً إليك وحقّ ليولكدت من فرحٍ أطير
فرضي عنه عيسى، وأمر له بعشرة آلاف درهم. وروى هذه القصة أبو علي البغدادي في نوادره عن أبي بكر الأنباري عن أبيه عن عبد الصمد بن المعذل، وبينهما خلاف يسير.
النص من طبعة مجمع اللغة العربية بدمشق (١٣٨٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع