تجاوز إلى المحتوى

من «إعتاب الكتاب» لابن الأبار (ت ٦٥٨هـ)

الحسن بن رجاء

كان من جلة الكتاب، ونشأ في خلافة المأمون، فدخل يوماً بعض الدواوين فنظر إليه وهو غلام جميل وعلى أذنه قلم، فقال: من أنت يا غلام؟ فقال: أنا يا أمير المؤمنين، الناشيء في دولتك، المتقلب في نعمتك، المؤمل لخدمتك الحسن بن رجاء، خادمك وعبدك! فقال المأمون: أحسنت يا غلام، وبالإحسان في البديهة تفاضلت العقول؛ وأمر أن يرفع عن مرتبة الديوان.

وحكى الصولي في كتاب الأخبار المنثورة، من تأليفه، قال: كان الحسن بن رجاء الكاتب يهوى جارية من القيان، وكان إسماعيل بن بلبل يهواها،

فكانا يتنافسان فيها، فلما تقلد إسماعيل الوزارة ملك الجارية وأحسن إليها، ثم سألها يوماً: هل في نفسك شيء لم تبلغيه؟ فقالت: قد بلغت كل ما أُحب وزيادة، ولم يبق في نفسي إلا قدح بلور مصنوع مورد كان عند الحسن بن رجاء، فكنت إذا زرته ناولنيه، فتقدم أبو الصقر إلى أبي بكر ابن أُخته بإحضار الحسن ومطالبته بالقدح عفواً أو عسفاً؛ فركب أبو بكر إليه، وجلس عنده، فحادثه ثم قال له: قد جئتك في حاجة وما أحسبك تردني عنها، فقال له: كل ما عندي فلك! قال: قدح البلور المورد تمنحني إياه. قال: قد انكسر! قال: فأعطني كسره! فقال: ما ظننت أني أُطالب بزجاج قد انكسر فأحتفظ به! فقال: إن هذا الرجل قد صارت له يد وسلطان، ولأن تهديه إليه وتمتن عليه أحسن من أن تكاشفه وتعاديه! فقال: أما لسؤالك فأفعل، ولكن على شريطة، توصل لي معه أبياتاً، فقال: أفعل، فأنفذ إليه القدح ومعه رقعة فيها أبيات:

سلّم على أربع بالكرخ تقلاهامن أجل جاريةٍ فيهنّ أهواها
تمكنت نوب الأيّام منك بهاوالدهر إن أسلف الحسنى تقاضاها
يا بؤس قلبك ما أقصى مراميهوشجو نفسك ما أدنى بلاياها
وطيب عيشٍ مضى ما كان أحسنهلو أنّ أيامنا منه نملاّها
إليك أشكو أبا بكرٍ هوىً بجوىًأطعته مرضياً نفسي فعاصاها
فأسعد الصبّ إن كنت امرأً غزلاواعطف على ذي البلا إن كنت أوّاها
قد جاءك القدح المسلوب بهجتهمذ حيل دون التي أدنت له فاها
خذه إليك عزيزاً أن يجاد بهلو أن إحدى ليالينا كأُولاها

فلما قرأ إسماعيل الأبيات وأخذ القدوح رق له، فقلده أصبهان وأخرجه إليها.

النص من طبعة مجمع اللغة العربية بدمشق (١٣٨٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «إعتاب الكتاب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.