من «إعتاب الكتاب» لابن الأبار (ت ٦٥٨هـ)
عبد الملك بن غصن الحجاري
نكبه المأمون بن ذي النون، واعتقله مع جماعة من النبهاء بوبذة من أعمال حضرة طليطلة، فكتب إليه رسالة في صفة السجن والمسجون، والحزن والمحزون دلت على مكانه من العلم والأدب والحفظ، وأودعها ألف بيت من شعره في الأستعطاف، منها قوله:
أزاح الدهر حلو الماء عنيعلى ظمأٍ وأسقاني زعاقه
وبالمرجوّ إن أظفر به منرضا المأمون يحلي لي مذاقه
وناس لفّني بهم شقاءٌألمّ فزمّ في ساقي سباقه
ولم يك لي بذاك العير عيرٌولا بقطيع ذاك الذّود ناقه
وربّتما استحال السعد نحساًفذاق المعتدي ممّا أذاقه
وأعمى عينٍ أهدى من قطاةٍوشدّ بمثل مفحصها وثاقه
إذا صار الهلال إلى كمالٍوتمّ بهاؤه فأرقب محاقه
وإنّ عبوس هذا الدهر يأتيعلى أثر البشاشة والطّلاقه
أضاع الدهر مني علق فهمٍإذا نظر المميّز منه راقه
وأيّ فتى لتقديم الأياديلديه وأيّ عبدٍ للعتاقه!
وقوله:
وخلٍّ يسلّيني على بعد دارهويكشف من كرب المشوق المتيّم
ودادي موقوفٌ عليه وخلّتيوفكري مشغولٌ به وتوهمي
على أنني من ضيق سجني وحيلتيبليت كما حدّثت عن حفش أيّم
أُجانب فيه ذكر خلّي كرامةًوأخجل من طيف الخيال المسلّم
أرى نوب الدنيا تروح وتغتديفمن فرحٍ ناءٍ وهمٍّ مخيّم
إذا شئت إسعاف الزمان وعطفهفبادر بدار المسرع المتغنّم
وناد بيا يحيى يحيّك بالمنىوثنّ بإسماعيل تسم وتعظم
بعطفة ذي المجدين أرجو من الردىخلاصي ولو أُلقيت في شدق أرقم
وقوله:
نحن في حالةٍ لأيسر منهايتلظّى الردى وتبكي الخطوب
مالنا في وطء البسيطة حظٌلا ولا في نشق الهواء نصيب
في محلٍّ كأنه ظلف شاةٍليس فيه لذي دبيبٍ دبيب
وكأنّ الكبل الثقيل إذا مارنّ في الساق للخطوب خطيب
إن رمتنا يد الخطوب بقوسٍطالما كان سهمها لا يصيب
أو يكن عثّر الزمان فمرجوٌّلإنعاشنا القريب المجيب
قد أجاب الإله دعوة نوحٍحين نادى بأنه مغلوب
وشفى ذو الجلال علّة أيّوب وقد شارف الردى أيوب
وانقضى سجن يوسفٍ وقد استيأس وارتدّ مبصراً يعقوب
فرق له المأمون لما وقف على هذه الرسالة وأطلقه وعفا عنه.
النص من طبعة مجمع اللغة العربية بدمشق (١٣٨٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع