تجاوز إلى المحتوى

من «إعتاب الكتاب» لابن الأبار (ت ٦٥٨هـ)

أبو الربيع بن سالم

شيخي الذي أورثني هذه الصناعة، ورضي اتخاذها لي بضاعة، وضمن أن لا إضاقة ولا إضاعة، جاعلاً قول ابن أبي الخصال شاهداً في الاعتلاق بها والاتصال: من جمع بلاغةً وخطاً لم يخش في دولة الأفاضل حطاً، فاسترجحت حصاته، وأقبلت عليها قابلاً وصاته، غير مستبدل بها خطة ولا متبوئ دونها خطة، لكيلا أنقض ما أبرم، وأرتبط خلاف ما استكرم، وكان هو قدس الله أشلاءه، وأجزل من النعيم المقيم جزاءه قد عني بها في شبيبته، فعتب عليه والي بلنسية حينئذ وحجبه رائحاً عليه وغادياً، وألزمه مكاناً قاصياً، كان به قاضياً، فخاطبه مستعطفاً برسالة منها: وبعد فكتب الذي قصر، ثم عاين قصده وأبصر، واقترف فاعترف، واجترح فلم ير أجدى من أن قرع باب المغفرة واستفتح، وفي علم المولى أن العبيد أهل الخطأ ومظنة السعي المستبطأ،

إن أعرقوا النزع عن قوس الاجتهاد، وأصابوا شاكلة المراد، فكالسهام في قرطسة مراميها، إصابتها منسوبة إلى راميها، وإن تنكبوا مرتضى السعي الحميد، وتجنبوا مقتضى الرأي السديد، فغير نكر من شيم العبيد، ومتى نوقشوا الحساب على كل زلة، وعوقبوا في كل ضلة، أفناهم العقاب سريعاً، وأهلكهم التأديب جميعاً، وإنما بقاؤهم بأن يسبل الموالي على هفواتهم ستر الإغضاء، ويقربوا عليهم مدارك الإرضاء، وهو أدب الله تعالى في عباده حين خلقهم نطفاً، ثم درجهم في مناقل النشء مكتنفين إحساناً منه ولطفاً، حتى إذا سواهم رجالاً وأوسع لهم في الدنيا وزخرفها مجالاً، أذهلهم شكر النعم عن شكر المنعم، وشغلهم التقلب في نعمائه عن توفية حقه وأدائه، فيمهلهم سبحانه انتظاراً لمتابهم، وترقباً لمآبهم، وقصداً منه تعالى لأن يظهر في كل حي أثر رحمته التي وسعت كل شيء، وليهتدي القادرون من عباده إلى فضيلة العفو عند الاقتدار، وجمال الصفح والتجاوز في هذه الدار، ولو يؤاخذهم ﵎ اسمه بمكسوبهم، ويعاقبهم في بداية ذنوبهم، لوقعت المجازاة منه على عدل بما كانوا يصنعون، ولكنه " يَقْبَلُ التوبةَ عن عِباده ويَعْفُو عن السيّئاتِ ويعلمُ ما يَفْعلون "، والعبد أيد الله مولانا من جملة العبيد، " منهم أُمةٌ مقتصدةٌ وكثيرٌ منهم ساء ما يعملون "، فما أسلف من صواب فببركة مستعمله، وما اقترف

من خطإ فمن كسبه وعمله، وقد مد يمين الإقرار، ثم أبدى صفحة الاستغفار لمولى حريص على الصفح يشتمل أثوابه، مصيخ إلى صرخة مكروب يفتح لها أبوابه، ضارعاً في أن يراجع سعادته، ويعاود من لثم اليمين الطاهرة واجتلاء لألاء الغرة الباهرة عادته، وإذا كان العفو جلياً رائقاً في جيد الاقتدار، ورأياً لائقاً بذوي الأقدار، ومعنى لاحقاً بأفضل مساعي الأبرار، فسيدنا أولانا بنفيسه، وأحراهم بتفريج الكرب وتنفيسه، ذلك بما خوله الله من جوامع الفضل الذي لا تشذ عنه صالحة من الأعمال، ولا يتعذر عنده أمل من الآمال، والعبد متنسم روح القبول، ومتوسم بجميل الثقة بفضل مولاه تسني المأمول، فإن حق تنسمه، وصدق توسمه، فيا طيب محياه، وسعادة دينه ودنياه، وإن تكن الأُخرى والعياذ بالله، وحاشا مولانا من ذلك حاشاه، فمن أي مولى سواه نلتمس العفو، وفي أي مورد نتسوغ الصفو:

والله ما ندري إذا ما فاتناطلبٌ إليك من الذي نتطلّب
للشاعر ابن نباته المصري، من قصيدة «دامت بسعدك للعداة مهالك»
فأصبر لعادتك التي عودّتناأو لا فأرشدنا إلى من نذهب
للشاعر الأمير الصنعاني، من قصيدة «فاصبر لعادتك التي عودتنا»

فلما وقف على كتابه، أسعف بإعتابه.

ثم لم يزل في السيادة مشاهد الزيادة إلى أن ختم الله بالشهادة.

ولهذا الشعر قصة ذكرها يستقبل به القبول، وشرحها ليس من العدل عنه

العدول: حكى ابن عبد ربه عن الأصمعي قال: قدم على يزيد بن المهلب قوم من قضاعة ثم من بني ضنة وضبط هذا الاسم بالنون المشددة وكسر الضاد المعجمة فقال رجل منهم:

والله ما ندري إذا ما فاتناطلبٌ إليك من الذي نتطلّب
للشاعر ابن نباته المصري، من قصيدة «دامت بسعدك للعداة مهالك»
ولقد ضربنا في البلاد فلم نجدأحداً سواك إلى المكارم ينسب
فأصبر لعادتك التي عوّدتّناأو لا فأرشدنا إلى من نذهب
للشاعر الأمير الصنعاني، من قصيدة «فاصبر لعادتك التي عودتنا»

فأمر له بألف دينار، فلما كان في العام المقبل وفد عليه فقال:

مالي أرى أبوابهم مهجورةًوكأنّ بابك مجمع الأسواق
للشاعر أبو علي البصير، اقرأ القصيدة
خافوك أم هابوك أم شاموا الندىبيديك فاجتمعوا من الآفاق
إني رأيتك للمكارم عاشقاًوالمكرمات قليلة العشّاق

فأمر له بعشرة آلاف درهم.

ويقال فيما حكى أبو علي البغدادي في النوادر وغيره إن عبد الملك بن مروان دخل عليه هذا الضني فأنشده الأبيات الثلاثة التي في آخرها:

أو لا فأرشدنا إلى من نذهب

فقال عبد الملك: إلي إلي! وأمر له بألف دينار؛ ثم أتاه في العام المقبل فقال:

يربّ الذي يأتي من الخير إنّهإذا فعل المعروف زاد وتمما
وليس كبانٍ حين تمّ بناؤهتتبّعه بالنقض حتى تهدّما

فأعطاه ألفي دينار؛ ثم أتاه في العام الثالث فقال:

إذا استمطروا كانوا مغازير في الندىيجودون بالمعروف عوداً على بدء

فأعطاه ثلاثة آلاف دينار.

النص من طبعة مجمع اللغة العربية بدمشق (١٣٨٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «إعتاب الكتاب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.