من «إعتاب الكتاب» لابن الأبار (ت ٦٥٨هـ)
خاتمة المؤلف
قال المؤلف: قد أوردت ما أردت من هذه المآثر الكرام، المحفوظة النظام، واقتداء خلفاء الله به ﷻ في التجاوز عن الذنوب العظام، مما نويت باجتلائه الإلماع، وأعفيت من تشعب أبوابه الأسماع، سوى أشياء لبعض ما يمر نظائر، ليس التدريج إليها ولا التعريج عليها بضائر، وكل ذلك بالنسبة إلى الحلم الإمامي والإسجاح، كالذبالة باهرت أنوار الصبح الوضاح، والصبابة كاثرت تيار اليم الطفاح، يوم ابتز ما كان باليد اللسان، واستفز العجل الذي خلق منه الإنسان، فيالمسرف على نفسه خائف، ومستشرف طوي بالإهمال طي الصحائف، لا جرم أنه تبوأ رتبة مرفعة، فربأ عن إسلامها كهلاً بعد إحرازها يفعة، متوقفاً عن الانحدار في الوقوف مع الإختيار، ومتوكفاً قبول الإعتذار بالبيت السيار:
لا تهنّي بعد أن أكرمتنيفشديدٌ عادةٌ منتزعه
فصدر ما أثلج الصدر من إعفاء، وظهر إبقاء أوفى على الأمل أي إيفاء، ثم في صبيحة اليوم الثالث، هجم علي بالكارب الكارث، أُصير إلى الإقصاء من التقريب، وأُخير بين التشريق والتغريب، ومعاذ الله لا اختيار في خطتى خسف، هذا لو أن جناحاً وبالاً دون كسر وكسف، فكيف ولا حراك موجود، ولا مستنجد إلا منجود، في هاجم للآمال هادم، وناجم بالأهوال داهم، وعلى ما دفعت إليه من ارتباك، لمتعسف كاب، ومتأسف باك، من ولهى وواله، كل يجد على زواله، ويحد في إعواله، شرعت في المسير، وضرعت إلى الله في التيسير جالياً للجلاء والرحيل أوجهاً تصلاه، وتالياً من محكم التنزيل " لا تَقْنَطوا من رحمةِ الله "، وحسبي السميع البصير، " نعمَ المولى ونعم النّصير " فقل في يوم عصيب، رماني بسهم للفراق مصيب، ولم يدع لي فيما سوى الإضاعة وإزجاء البضاعة من نصيب، أرى ضد ما تمنيت، وشرى بثمن بخس ما اقتنيت، واستشرى في محو ما وحيت، وهدم ما بنيت، حتى عيل الاصطبار وغلب الاستعبار، للتفكر في بث الأشجان وبت الأشطان،
والتذكر لولوج الامتحان بالخروج عن الأوطان، أيان سلمها الإسلام آيساً، وتدبرها التثليث آنساً، وخلال ذلك من حسن الظن بالخلال الكرام ما حمل على أن قلت في بدء الحال، وبين يدي العمل على الترحال، مرتقباً خفايا الألطاف، ومقترباً بهدايا الاستعطاف، لاتضاح دلائل الحدب، ونجاح رسائل الأدب:
لمبشّري برضاك أن يتحكّمالا المال أستثني عليه ولا الدّما
تالله لا غبن أمرؤٌ يبتاعهبحياته فوجوده أن يعدما
أيّ المعاذر أرتضي لجنايةعظمت ولكن ظلّ عفوك أعظما
ندمي على ما ندّ مني دائمٌوعلامة الأوّاب أن يتندّما
يا طول بؤسي مبسلاً بجريرتيإن لم تجزني بالتجاوز منعما
مولاي رحماك التي عوّدتنيإني اعتمدتك خاضعاً مسترحما
فأحقّ من تولي الإقالة عاثرٌلم يستحبّ على الهدى قطّ العمى
أقصاه عنك تزلفٌ بخطيئةٍخال الصواب خلالها وتوهما
ولقد تحفّظ في المقالة جهدهلكنّه نمي الحديث ونمنما
مولاي عبدك ماله من معدلٍعن دار عدلك منذ حلّ وخيّما
لو أنّه يجد الحياة كريمةًفي غيرها لرأى المنيّة أكرما
إن ينتزح ناديك عنه يقتربمنه وإن لا تحمه يلج الحمى
متهافتاً مترامياً متطارحاًمتوصّلاً متوسّلاً متحرّما
قد علّمته تجنب الجهل العلايكفيه أن قوّمته فتقوّما
هيهات يصحو أو يواقع سلوةًمن لم يزل برضاك مغرى مغرما
أهون بما لاقاه من هونٍ إذالاقاك مرتاحاً له متبسّما
وجثا يقبّل قبل راحتك الثرىغرداً بما أوليته مترنّما
بمتابةٍ رسخ الهدى أثناءهاعلماً وقام الحقّ فيها معلما
وكتبت إلى النجل الطاهر والقمر الباهر الأمير الأمجد الأسعد الوارث عن آبائه الطاهرين إنجاز ما وعد وإخلاف ما أوعد، أبي عبد الله نصر الله لواءه وحرس مجده المؤثل وعلياءه، وكافأ اهتمامه الكافي طارق الهموم الوافي، بالخصوص من الأفضال والعموم واعتناءه أستشفع بمقامه، وأستدفع انتقام الأيام بإنعامه:
مولاي دامت لك السّعودأخطأت أخطأت لا أعود
مالي براحٌ ولا انتزاحٌموتي في أرضكم خلود
كن لي شفيعاً إلى إمامليس على فضله مزيد
عادته العفو والمواليتعفو إذا أخطأ العبيد
وأظل شهر رمضان على ارتماض لفقد المسكن والسكون، وانقباض من تبسط الشجون الجون، فشفعت وتر الاستقالة، وضرعت أثناء الشمل المصدوع بهذه المقالة، أعد قومي البشرى، ولا أستبعد فوزي باليسرى:
بشرى بإسفار صباح النجاحعن صفحة الصفح وخفض الجناح
قد آذن المنّ بحوز المنىوأعلن الكدح بفوز القداح
هذا افتتاح الصوم مستقبلاًعن اختتام بالرضى وافتتاح
إن الإمام الهادي المرتضىأكّد بالعطف شروط السّماح
لين سجايا عاطراتٍ كماهزّ الرياحين هبوب الرياح
وحسن إسجاحٍ يليه الندىلذا انفساخٌ ولذاك انسياح
لو جبل الدهر على حلمهلم يك منه للنفوس اكتساح
عفو الإمام الحقّ عن خاطئٍأشرف للغايات منه طماح
قد راضه بالكبح تأديبهولم يجاهر عامداً بالجماح
أذنب لكن تاب من فورهوفي قبول التوب رفع الجناح
حسبي شفيعاً لك في هفوتيحبٌ ونصحٌ وثناءٌ صراح
برّح بي الشوق إلى حضرةٍليس لمن وفّق عنها براح
وهمت فيها باقترابٍ فلمتثمر لي الأقدار غير انتزاح
لا زلت والزلاّت شأن الورىتهتزّ للصفح اهتزاز الصّفاح
فما راعني غير الأمان تسفر فيه البشراء، والانصاف من الزمان تبشر به السفراء، في وقت زان مطلعه سعيداً، وكان مقدمه قبل العيد عيداً، فقلت مستقصراً سرفي لقصد الإغضاء، ومستحقراً لوامي بشكر اليد البيضاء:
قابلت نعماك بالسّجودلله من عطفةٍ وجود
ولم أجد للحياة عدماًوفي وجود الرضى وجودي
قد وصل الأمن والأمانيبعد المضادّة والصدود
فإن أكن قبل في صبوبٍفهأنا اليوم في صعود
نبّهت بالعفو عن خموليوكنت للهفو في خمود
هذا ظهوري من التّواريهذا نشوري من الهمود
لا وحشةٌ للوعيد عنديأزاحها الأُنس بالوعود
يا مبدئاً في العلا معيداًأُيّدت بالمبدئ المعيد
بأيّ حمدٍ وإن تناهىأُثني على صنعك الحميد
صفحت عمداً عن الخطاياوتلك من عادة العميد
وغير بدعٍ ولا بعيدٍصفح الموالي عن العبيد
أينقص اليأس من رجائيوذلك الفضل في مزيد
أيّ امرئٍ في الورى شقييأوي إلى أمرك السعيد
ما غرّة العيد أجتليهايوم رضاك الأغرّ عيدي
وقلت بعد ذلك مشيداً بالتشفيع، ومشيراً إلى كرم الصنيع:
أيا بشراي قد وضح القبولوصحّ من الرضى أملٌ وسول
وشفّع نجله الأزكى إمامٌلمن صرمت وسائله وصول
فما لسواهما في الصفح عنييدٌ عليا ولا منٌّ جزيل
أقالني الخليفة من عثاريفماذا في إقالته أقول
وكم قبحت ممالأة اللياليعليّ ورأيه الحسن الجميل
أنا العبد الشكور لما حبتنيبه علياه والمجد الأثيل
وإخلاصي به المولى عليمٌوإن لم يأت إجرامي جهول
أذوب إذا أُحجّب عنه شوقاًإليه فكيف لو أزف الرحيل
وهذا ما جعلته مسكة الختام ولبثة التمام:
أجار من الخطب الأمير محمدٌفقمت بما أولاه أُثني وأحمد
ويوم أتتني بالبشارة رسلهسجدت وفي التبشير لله يسجد
وأملت بالشكر المزيد من الرضىوأيّة نعمى كالرضى تتزيّد
وظائف ما أهملت حيناً أداءهاوبعض شهودي الأمس واليوم والغد
همامٌ كفاني الحادثات اعتناؤهوقد عنّ لي منها مقيمٌ ومقعد
فلا منّةٌ إلا له في تخلّصيبيمن مساعيه الكرام ولا يد
ومن يك فرعاً للإمامة والهدىفإنّ جناه الغضّ مجدٌ وسؤدد
رآني مردود الشرائع كلّماتقرّبت بالإخلاص أُقصى وأُبعد
نصيبي من الآداب حرفتها التيشقيت بها جاراً لمن بات يسعد
وللحظّ لحظٌ كلّ دوني خاسئاًكأني وإياه شعاعٌ وأرمد
فجمّع من شملي وشملي مفرّقٌورفّه من شربي وشربي مصرّد
وصرّح بالبقيا وما زال منعماًله مصدرٌ في الصالحات ومورد
وكانت هوىً ألقى إليها بي الهوىفخلّصني منها معانٌ مؤيّد
تشفعت فيها للإمام بنجلهونعم شفيع المذنبين محمد!
نجزت الرسالة الموسومة بإعتاب الكتاب، صنعة الإمام الحافظ أبي عبد الله محمد بن أبي بكر القضاعي المعروف بابن الأبار، رحمه الله تعالى ورضي عنه، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه.
النص من طبعة مجمع اللغة العربية بدمشق (١٣٨٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع