تجاوز إلى المحتوى

من «غرر الخصائص الواضحة» للوطواط (ت ٧١٨هـ)

من أمتن أسباب الحسب والديانة وفاء العهد وأداء الأمانة

قالوا الوفاء أفضل شمائل العبد وأوضح دلائل المجد وأقوى أسباب الاخلاص في الود وأحق الأفعال بالشكر والحمد وقالوا الوفاء أتم حميد الخلال ومنتهى غاية الكمال تمس الحاجة إليه وتجب المحافظة عليه ولقد صار رسماً دارساً وحلة لا تجد لها لابساً ومنقبة قل أن تجد فيها مستأنساً ولله در من قال

وصادق الودّ صادق الخبرمغري برعي العهود مصطبر
هذا الذي لا أزال أسمعهوما له في الزمان من أثر
لو أن كفى بمثله ظفرتقاسمته في المتاع والعمر

وقالوا من صحب الناس بلسان صادق وعاملهم بحسن الخلائق وألزم نفسه رعى العهود والمواثق فقد أرضى المخلوق والخالق ويقال بالوفاء تملك القلوب وتستدام الألفة بين المحب والمحبوب وقالوا من تحلى بالوفاء وتخلى عن الجفاء فذلك من اخوان الصفاء ولقد أحسن من قال

إذا أنت محضت المودّة صافياًولم تر عن وصل الصديق مجافيا
ووفيت بالعهد الذي خانه الورىولم أر مخلوقاً على العهد باقيا
فقد حزت أسباب المكارم كلهاوجدّدت للعليا رسوماً عوافيا

وقالوا الوفاء ضالة كثير ناشدها قليل واجدها كما قيل الوفاء من شيم الكرام والغدر من خلائق اللئام وقالوا إذا ترك الوفاء نزل البلاء ويقال من أودع الوفاء صدور الرجال ملك أعناقهم ومن أمثالهم في ذلك أوفى من السموأل وهو السموأل بن عادياء بن حياء اليهودي صاحب قصر تيماء المسمى بالأبلق الفرد ومن خبره أن امرأ القيس كان قاصداً للشأم فأودع السموأل أدراعه وكراعه فمات امرؤ القيس بأنقرة فقصد السموأل بعض ملوك غسان يطلب منه ما كان أودعه امرؤ القيس عنده فأبى أن يسلمه له فقال إن لم تسلمه ذبحت ولدك وكان قد أسره عند نزوله على القصر فقال أبلني الليلة ثم جمع أهله واستشارهم فكل أشار بأن يدفع إليه ما طلبه منه فلما أصبح قال له ليس إلى دفعها سبيل فافعل ما بدا لك فذبح الملك ولده ورحل عنه ثم إن السموأل وافى الموسم بالادراع فدفعها لورثة امرئ القيس وفيه يقول الأعشى يخاطب شريح بن السموأل بن عادياء وقيل شريح بن حصن بن السموأل وقيل شريح بن عمران بن السموأل من أبيات

كن كالسموأل إذ طاف الهمام بهفي جحفل كسواد الليل جرّار
بالأبلق الفرد من تيماء منزلهحصن حصين وجار غير غدّار
للشاعر الأعشى، من قصيدة «شريح لا تتركني بعدما علقت»
فسامه خطتي خسف فقال لهقل ما بدا لك إني مانع جاري
فقال ثكل وغدر أنت بينهمافاختر وما فيهما حظ لمختار
للشاعر الأعشى، من قصيدة «شريح لا تتركني بعدما علقت»
فشك غير طويل ثم قال لهاقتل أسيرك إني مانع جاري
فقال تقدمة إذرام يقتلهأشرف سموأل فانظر في الدم الجاري
أأقتل ابنك صبراً أو تجئ بهاطوعاً فأنكر هذا أيّ إنكار
للشاعر الأعشى، من قصيدة «شريح لا تتركني بعدما علقت»
فشك أوداجه والصدر في مضضعليه منطوياً كاللذع بالنار
للشاعر الأعشى، من قصيدة «شريح لا تتركني بعدما علقت»
واختار ادراعه من أن يسببهاولم يكن عهده فيها بختار
وقال لا أشتري عاراً بمكرمةفاختار مكرمة الدنيا على العار
للشاعر الأعشى، من قصيدة «شريح لا تتركني بعدما علقت»
والصبر منه قديماً شيمة خلقوزنده في الوفاء الثاقب الواري
للشاعر الأعشى، من قصيدة «شريح لا تتركني بعدما علقت»

وفي ذلك يقول السموأل مفتخراً

وفيت بأدرع الكندي إنيإذا ما خان أقوامي وفيت
للشاعر السموأل، من قصيدة «عفا من آل فاطمة الخبيت»
وأوصى عادياً يوماً بأن لاتخرّب يا سموأل ما بنيت
بنى لي عادياً حصناً حصيناًوماء كلما شئت اشتفيت
للشاعر السموأل، من قصيدة «وفيتُ بأدرع الكندي إني»

والملك هو الحرث بن شمر الغساني وحدث الكندي في كتابه أخبار الأمراء بمصر قال لما ولي المطلب بن عبد الله إمارة مصر من قبل المأمون خوفه أهل مصر من إبراهيم بن نافع الطائي قبل الوصول إليه أن يثب عليه فطلبه المطلب فلم يقدر عليه واتهم به جماعة من قواد مصر وكان هبيرة بن هشام صاحب شرطة مصر يعرف المكان الذي اختفى فيه وكان إبراهيم ابن نافع قد أودع ماله عند هبيرة بن هشام فسعى بهبيرة إلى المطلب فأحضره وقال له ادفع إلي ما أودعه عندك إبراهيم فقد بلغني الثقة إن ماله مودع عندك وإن لم تجئني به أخذت ما فيه عيناك فأنكر فأوجعه ضرباً وهو يزيد إنكاراً فلما طال على المطلب جحود هبيرة وخاف عليه التلف تركه ثم لما سكن عن إبراهيم الطلب أخرجه هبيرة من مصر سراً ثم أرسل إليه ماله بعد ذلك مع التجار وفيه يقول سعيد بن عنين

لعمري لقد أوفى وزاد وفاؤههبيرة في الطائي وفاء السموأل
وفاه المنايا إذ أتته بنفسهوقد برقت في عارض متهلل

أتى الحجاج بقوم ممن خرج عليه فأمر بهم فضربت أعناقهم وأقيمت صلاة المغرب وقد بقي من القوم واحد فقال لقتيبة بن مسلم انصرف به معك حتى تغدو به علي قال قتيبة فخرجت والرجل معي فلما كنا ببعض الطريق قال لي هل لك في خير قلت وما ذاك قال إني والله ما خرجت على المسلمين ولا استحللت قتالهم ولكن ابتليت بما ترى وعندي ودائع وأموال فهل لك أن تخلي سبيلي وتأذن لي حتى آتي أهلي وأرد على كل ذي حق حقه وأوصي ولك

علي أن أرجع حتى أضع يدي في يدك قال قتيبة فعجبت له وتضاحكت لقوله قال فمضينا هنيهة ثم أعاد علي القول وقال إني أعاهد الله لك على أن أعود إليك قال قتيبة فوالله ما ملكت نفسي حتى قلت له اذهب فلما توارى عني شخصه أسقط في يدي فقلت ماذا صنعت بنفسي وأتيت أهلي مهموماً مغموماً فسألوني عن شأني فأخبرتهم فقالوا لقد اجترأت على الحجاج فبتنا بأطول ليلة فلما كان عند أذان الغداة إذا الباب يطرق فخرجت فإذا أنا بالرجل فقلت أرجعت قال سبحان الله جعلت لك عهد الله علي فأخونك ولا أرجع فقلت أما والله إن استطعت لأنفعنك وانطلقت به حتى أجلسته على باب الحجاج ودخلت فلما رآني قال يا قتيبة أين أسيرك قلت أصلح الله الأمير بالباب وقد اتفق لي معه قصة عجيبة قال ما هي فحدثته الحديث فأذن له فدخل ثم قال يا قتيبة أتحب أن أهبه لك قلت نعم قال هو لك فانصرف به معك فلما خرجت به قلت له خذ أي طريق شئت فرفع طرفه إلى السماء وقال لك الحمد يا رب وما كلمني بكلمة ولا قال لي أحسنت ولا أسأت فقلت في نفسي مجنون والله فلما كان بعد ثلاثة أيام جاءني وقال لي جزاك الله خيراً أما والله ما ذهب عني ما صنعت ولكن كرهت أن أشرك مع حمد الله حمد أحد ولما تفرق الأمر عن مروان بن محمد وأيقن بزوال ملكه وغلبة بني هاشم عليه قال لكاتبه عبد الحميد بن يحيى إني قد احتجت أن تكون مع عدوي فتظهر لهم الغدر بي فإن إعجابهم بأدبك وحاجتهم إليك تمنعهم منك وتدعوهم إلى حسن الظن بك فإن استطعت أن تنفعني في حياتي وإلا فلا تعجز عن حفظ حرمتي بعد وفاتي فقال عبد الحميد إن الذي أمرتني به أنفع الأمرين لك وأضرهما بي وما عندي إلا الوفاء حتى يفتح الله لك أو أقتل معك ثم أنشد

أسرّ وفاء ثم أظهر غدرةفمن لي بعذر يشمل الناس ظاهره

فأمسك عنه ساعة وأعاد عليه القول ثانية فقال والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس فلم يزل معه حتى قتل وذلك في آخر سنة اثنتين وثلاثين ومائة وله تسع وخمسون سنة وقتل ببوصير قرية

من صعيد مصر وهو آخر ملوك بني أمية وكانت دولتهم ثلاثاً وتسعين سنة وأحد عشر شهراً وأياماً وهرب عبد الحميد إلى قرية تعرف بالأشمونين فاختفى بها فدل عليه وحمل إلى أبي العباس السفاح بأمان فلم يحظ عنده وقال الجهشياري قتل وقد ذكر آنفاً ومن أحسن ما تطرب به الأسماع ويلطف به كثيف الطباع ما يحكى إن معاوية بن أبي سفيان تزوج ميسون بنت مجدل ونقلها من البدو إلى الشأم وكانت كثيرة الحنين إلى أناسها والتذكر لمسقط رأسها فأنصت لها يوماً فسمعها تنشد

لبيت تخفق إلا رياح فيهأحبّ إليّ من قصر منيف
ولبس عباءة وتقرّ عينيأحبّ إليّ من لبس الشفوف
للشاعر مَيْسون بنت بَحْدل، اقرأ القصيدة
وأكل كسيرة في كسر بيتيأحبّ إليّ من أكل الرغيف
للشاعر مَيْسون بنت بَحْدل، اقرأ القصيدة
وأصوات الرياح بكل فجأحبّ إليّ من نقر الدفوف
للشاعر مَيْسون بنت بَحْدل، اقرأ القصيدة
وكلب ينبح الطرّاق دونيأحبّ إليّ من قط الوف
للشاعر مَيْسون بنت بَحْدل، من قصيدة «لبيت تخفق الأرواح فيه»
وبكر يتبع الأطلال صعبأحبّ إليّ من بغل ردوف
وخرق من بني عمي نحيفأحبّ إليّ من علج عنيف
للشاعر مَيْسون بنت بَحْدل، اقرأ القصيدة
خشونة عيشتي في البدو أشهىإلى نفسي من العيش الظريف
للشاعر مَيْسون بنت بَحْدل، اقرأ القصيدة
فما أبغي سوى وطني بديلاًفحسبي ذاك من وطن شريف
للشاعر مَيْسون بنت بَحْدل، اقرأ القصيدة

فلما سمع معاوية الأبيات قال ما رضيت بي بنت مجدل حتى جعلتني علجاً عنيفاً ثم طلقها وردها إلى أهلها ويقال من الوفاء تشوق الرجل لاخوانه وحنينه إلى أوطانه وتلهفه على ما مضى من زمانه وقالوا الكريم يحن إلى جنابه كما يحن الأسد إلى غابه ويقال من علامة الكريم أن تكون نفسه إلى مولده تواقة وإلى مسقط رأسه مشتاقة شاعر

أحب بلاد الله ما بين منعجإليّ وسلمى أن يجود سحابها
للشاعر جمل السلمية، اقرأ القصيدة
بلاد بها نيطت على تمائميوأوّل أرض مس جلدي ترابها

وقالت الحكماء أرض الرجل ظئره وداره مهده والغريب كالغرس الذي زايل أرضه فهوذا ولا ينمى وذابل لا ينضر وفطرة الرجل معجونة بحب الأوطان مجبولة على تذكر ماضي الزمان وقد ذكر ابن الرومي السبب الموجب لحب الأوطان بقوله

وحبب أوطان الرجال إليهممآرب قضاها الشباب هنالكا
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «أعوذ بحقويك العزيزين أن أرى»
إذا ذكروا أوطانهم ذكرتهمعهود الصبا فيها فحنوا لذلكا
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «أعوذ بحقويك العزيزين أن أرى»

وقالوا ليس في الحيوان السانح أشد وفاء من الفاختة فإنها إذا مات الفها لا تزال تندبه ولا تألف غيره حتى تموت

النص من طبعة دار الكتب العلمية (١٤٢٩هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من في الكرم

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.