من «غرر الخصائص الواضحة» للوطواط (ت ٧١٨هـ)
من أحاسن فعلات الأشراف الاتصاف بالعدل والإنصاف
فالعدل قوام الدنيا والدين وسبب صلاح المخلوقين وله وضعت الموازين وهو المرغوب المألوف المؤمن من كل مخوف به تألفت القلوب والتأمت الشعوب وظهر الصلاح واتصلت أسباب النجاح وانعقلت عرى اليمن والفلاح وشمل الناس التناصف والتواصل والتعاطف وهو مأخوذ من الاعتدال الذي هو القوام والاستواء المتجانبان للميل والالتواء وهو ميزان الله في أرضه الذي يوفي به الحقوق ويرأب به الصدوع والفتوق وحقيقته وضع الأمور في مواضعها لا توضع الشدة مكان اللين وبضد ذلك ولا السيف مكان السوط وبالعكس من ذلك وإلى هذا أشار المتنبي في قوله
ووضع الندى في موضع السيف بالعدىمضرّ كوضع السيف في موضع الندى
والانصاف هو استيفاء الحقوق واستخراجها بالأيدي العادلة والسياسات الفاضلة وهو والعدل توأمان نتيجتهما علو الهمة وبراءة الذمة باكتساب
الفضائل واجتناب الرذائل فالانصاف استثمار والعدل استكثار فيصير الملك بالانصاف مستثمراً وبالعدل مستكثراً وما نقض ملك من إنصاف ولا جاه من إسعاف وقد قيل من عدل في سلطانه استغنى عن أعوانه وقيل عدل السلطان أنفع للرعية من خصب الزمان وروى الثقاة بأسانيد حسنة عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال عدل ساعة خير من عبادة ستين سنة وعن عبد الرحمن بن عمرو بن العاص إن رسول الله ﷺ قال المقسطون على منابر من لؤلؤ يوم القيامة بين يدي الرحمن بما أقسطوا في الدنيا وقال حكيم لبعض الملوك أيها الملك إنما فخرك بإظهار وعدلك وإيثار فضلك لا بجمال بزتك وتمكن عزتك وفراهة مركبك وكثافة موكبك ويقال الملك يبقى على العدل والكفر ولا يبقى على الايمان والجور وإليه أشار الشاعر بقوله
عليك بالعدل إن وليت مملكةواحذر من الجور فيها غاية الحذر
فالملك يبقى على عدل الكفور ولايبقى مع الجور في بدو ولا حضر
دخل عمر بن الخطاب على أبي بكر الصديق ﵄ فسلم فلم يرد عليه فقال لعبد الرحمن بن عوف أخاف أن يكون قد وجد علي خليفة رسول الله ﷺ فكلم عبد الرحمن أبا بكر في ذلك فقال إنه أتاني وبين يدي خصمان قد فرغت لهما سمعي وبصري وقلبي وعلمت أن الله سائلي عنهما وعما قالا وعما قلت ويقال إذا عدل السلطان في رعيته ثم جار على واحد لم يف عدله بجوره ويقال حق على من ملكه الله على بلاده وحكمه في عباده أن يكون لنفسه مالكاً وللهوى تاركاً وللغيظ كاظماً وللظلم هاضماً وللعدل في حالتي الرضا والغضب مظهراً وللحق في السر والعلانية مؤثراً وإذا كان كذلك ألزم النفوس طاعته والقلوب محبته وأشرق بنور عدله زمانه وكثر على عدوه
أنصاره وأعوانه ولقد صدق من قال
لكل ولاية لا بدّ عزلوصرف الدهر عقد ثم حلّ
وأحسن سيرة تبقى لوالعلى الأيام إحسان وعدل
وقال عمرو بن العاص ملك عادل خير من مطر وابل وكان كسرى يقيم رجلين من موابذته عن يمينه وشماله إذا أراد النظر في أمور الناس فكان إذا زاغ حركاه بقضيب معهما وقالا له والرعية يسمعون أيها الملك أنت مخلوق لا خالق وعبد لا مولى وليس بينك وبين الله قرابة انصف الخلق وانظر لنفسك ويقال إنه كتب ثلاث رقاع في إحداها أمسك عضبك فإنك لست باله وإنك ستموت ويأكل بعضك بعضاً وفي الثانية إرحم عباد الله يرحمك الله وفي الثالثة احمل عباد الله على الحق فإنه لا يسعهم إلا ذلك وكان إذا جلس للناس عامة لينظر في أمورهم قام بعض الحجاب على رأسه وبيده الرقاع فإذا رآه غضب على أحدنا وله الرقعة الأولى فإن رآه تمادى على غضبه ناوله الثانية فإن لم ينته ناوله الثالثة وكان عمر بن الخطاب ﵁ يأمر عماله أن يوافوه في الموسم فإذا اجتمعوا قال يا أيها الناس إني لم أستعمل عمالي عليكم ليصيبوا من أبشاركم ولا من أعراضكم ولا من أموالكم شيأً إنما استعملتهم ليحجزوا بينكم ويردوا عليكم فيئكم فأيكم كانت له عندي مظلمة فليقم وصف أعرابي أميراً عادلاً فقال هو عالم برعيته عادل في أقضيته عار من الكبر قابل للعذر سهل الحجاب متحير إلى الصواب رفيق بالضعيف مكرم للشريف غير مجاف للقريب ولا مخيف للغريب وكان شمس المعالي قابوس بن وشمكير عادلاً في ملكه كان لا يؤتى بمفسد إلا أقام الحق عليه ولو أنه أقرب الناس إليه وقع جعفر بن يحيى إلى بعض عماله أنصف من وليت أمره وإلا أنصفه منك من ولي أمرك ووقع أخوه الفضل بئس الزاد إلى المعاد التعدي على العباد وسأل عمر بن عبد العزيز رجاء بن حيوة عن حال رعيته مع العمال فقال رأيت الظالم مقهوراً والمظلوم منصوراً والغني موفوراً والفقير مبروراً فقال الحمد لله
الذي وهب لي من العدل ما تطمئن إليه قلوب رعيتي وتعرض له متظلم في بعض الطرق فوقف له وأزال شكايته فقيل له هلا صرت حتى يستقر بك المنزل فقال الخير سريع الذهاب وخشيت أن أفوته بنفسي وإنما هي فرصة قدمت فيها العزم واستصحبت الحزم قال شاعر يمدح متولياً اتصف بهذه الخلة من الرؤساء الجلة
لا تقدح الظنة في حكمهشيمته عدل وإنصاف
يمضي إذا لم تلقه شبهةوفي اعتراض الشك وقاف
النص من طبعة دار الكتب العلمية (١٤٢٩هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع