تجاوز إلى المحتوى

من «غرر الخصائص الواضحة» للوطواط (ت ٧١٨هـ)

مما يدل على شرف الأبوة إلزام النفس بأنواع المروة

قال بهرام بن بهرام المروأة اسم جامع للمحاسن كلها وقال بعض البلغاء المروأة جامعة لأشتات المبرات جالبة لأسباب المسرات دالة على كرم الأعراق باعثة على مكارم الأخلاق ناظمة لقلائد الفوائد عاقلة لشوارد المحامد وقال بعض الحكماء المروأة سجية جبلت عليها النفوس الزكية وشيمة طبعت عليها الطباع الكريمة وقالوا أولى الناس بالمروة من له نبوة النبوة وقد جمع الله تعالى متفرقاتها في قوله تعالى إن الله يأمر بالعدل والاحسان وإيتاء ذي القربى وينهي عن الفحشاء والمنكر والبغي وجمعها النبي ﵊ على نوع آخر فقال من عامل الناس فلم يظلمهم ووعدهم فلم يخلفهم وحدثهم فلم يكذبهم فهو ممن كملت مروأته وظهرت عدالته ووجبت أخوته وحرمت غيبته وجمعها بعضهم على نوع آخر فقال باب مفتوح وخير ممنوح وستر مرفوع وطعام موضوع ونائل مبذول وكلام معسول وعفاف معروف وأذى مكفوف وجمعها آخر فقال مروأة الرجل صدق لسانه واحتمال عثرات إخوانه وبذل المعروف لأهل زمانه وكف الأذى عن جيرانه وقال أعرابي والله لولا أن المروأة ثقيل محملها شديدة مؤنتها ما ترك اللئام للكرام منها شيأً وقالوا المروأة الظاهرة الثياب الطاهرة كما قال يزيد بن المهلب لولده كن أحسن ما تكون في الظاهر حالاً أقل ما تكون في الباطن مآلاً وقال ﵊ إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده ويكره البؤس والتباؤس وقال الحسن بن علي ﵄ إن الله جميل يحب الجمال وقالوا مروأة الرجل أن لا يلبس ثوب شهرة كما قال بعض الظرفاء كل ما اشتهت نفسك والبس ما يلبسه أبناء جنسك ولقد أحسن بعض الشعراء حيث نظم هذه الكلمات يخاطب بها إنساناً لبس ثوب شهرة فقال

إنّ العيون رمتك إذ فاجأتهاوعليك من شهر الثياب لباس
أمّا الطعام فكل لنفسك ما اشتهتواجعل لباسك ما اشتهاه الناس

وقالوا التعري البارح خير من الزي الفاضح وقال عبد الملك بن صالح ليس من لباس السادات ذوي المروات ذوات الألوان فإنها من لباس الغلمان والنسوان قال الشاعر

قل للذي يخرج عن شكلهليرتقي أسباب أوعار
كيف ترجي أن تنال العلاولم تبال الدهر من عار
من فارق المعهود من زيهفذاك لا كاس ولا عار

ورأى إنسان على أبي طاهر الخبزارزي ثوباً حسناً فلامه في ذلك وعنفه فأنشد

عليّ ثياب فوق قيمتها فلسوفيهنّ نفس دون قيمتها الأنس
فويك صبح تحت أذياله دجىوثوبي ليل تحت أذياله شمس

فكل من افتخر بمجده من الأكارم ومدح اسماله ورأى اكتساءه حلل المكارم أنمى لقدره وأسمى له اقتدى بالعتابي في هذا المذهب وتختم بفصه المذهب وذلك أنه دخل على يحيى بن خالد في سمل وكان لا يبالي ما لبس فعابه عليه فقال يا أبا علي خزى الله من يرفعه هيناه جماله وماله حتى يرفعه أكبراه همته ونفسه وأصغراه قلبه ولسانه قال شاعر في المعنى الذي نحاه

لا تنظرنّ إلى الثياب فإننيخلق الثياب من المروأة كاسي

وقال أبو هفان وأجاد في النحو الذي أراد

تعجبت درّ من شيبي فقلت لهالا تعجبي قد يلوح الفجر في السدف
وزادها عجباً إذ رحت في سملوما درت درّ أن الدرّ في الصدف

ولا خرفي المعنى

يا هذه كم يكون اللوم والفندلا تنكري رجلاً أثوابه قدد
أن يمس منفرداً فالسيف منفردوالليث منفرد والبدر منفرد
أو كنت أنكرت طمريه وقد خلقافالبحر من فوقه الأقذاء والزبد
إن كان صرف الليالي درّ بزغتهفبين طمريه منه ضيغم لبد

ومن المروأة التطيب فإنه ورد عن مكحول أنه قال من نظف ثوبه قل همه ومن طاب ريحه زاد عقله ومن جمع بينهما ظهرت مروأته وقيل من الظرف والكرم الاستقصاء في التبخر وكان ﷺ يعرف خروجه من منزله برائحة المسك وكان إذا سلك طريقاً عرف السائل عنه أين يمم لطيب ريحه وكان ابن عباس ﵄ إذا اجتاز في طريق قال الناس لطيمة مسك أو ابن عباس لطيب ريحه قال الشاعر

ويفوح مسكاً طيب ريح ثيابهوكذاك ريح الماجد الوهاب

النص من طبعة دار الكتب العلمية (١٤٢٩هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من في الكرم

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.