من «غرر الخصائص الواضحة» للوطواط (ت ٧١٨هـ)
ومما يلحق بهذا أنّ عمل الرياء سالب عن صاحبه جلباب الحياء
ارياء من الكبائر وأخبث السرائر شهدت بمقته الآيات والآثار وتواردت بذمه القصص والأخبار قال رسول الله ﷺ إن الله لا يقبل عملاً فيه مثقال ذرة من رياء وأما الحياء فهو من ثلاثة أوجه من الله ومن الناس وحياء المرء من نفسه فإنه من استحيا من الله ولم يستحي من الناس فقد استهان بالناس ومن استحيا من الناس ولم يستحي من الله فقد استهان بالله ومن استحيا من الناس ولم يستحي من نفسه فليس لنفسه عنده قدر وويل لمن أرضى الله بلسانه وأسخطه بقلبه وكان أبو مسلم الخولاني يقول ما عملت منذ كذا وكذا سنة عملاً أبالي أن يراه الناس إلا حاجة الرجل إلى أهله وحاجته إلى الخلاء وقال الحسن البصري لأن تطلب الدنيا بأقبح ما تطلب به أحب من أن تطلبها بأحسن ما تطلب به الآخرة وقال الفتح بن خاقان كنت يوماً ألاعب المتوكل بالنرد فاستؤذن لأحمد بن أبي دواد فأذن له فلما قرب منا هممت برفعها فمنعني المتوكل وقال كيف أجاهر الله بشيء وأستره عن عباده وكان الشبيل إذا رأى من يدعي التصوف يقول ويلكم لا تفتروا على الله كذباً فيسحتكم بعذاب وقد خاب من افترى وقال شاعر يذم المرائين منهم
قد لبس الصوف لترك الصفامشايخ العصر لشرب العصير
الرقص والتناهد من شأنهمشرّ طويل تحت ذيل قصير
آخر
أظهروا للناس نسكاوعلى المنقوش داروا
وله صاموا وصلواوله حجواً وزا روا
إن يكن فوق الثرياولهم ريش لطاروا
ولآخر يحض على الاعتزال عن هؤلاء
لا تصحبنّ عصابةحلقوا الشوارب للطمع
يبكوا وجلّ بكائهمما للفريسة لا تقع
قال ثابت البناني دخلت على داود الطائي فقال لي ما حاجتك قلت زيارتك قال ومن أنا حتى أزار ليس من العباد أنا لا والله ولا من الزهاد أنا لا والله ثم ضرب بيده على لحيته وأقبل على نفسه يوبخها وقال كنت في زمن الشباب فاسقاً ثم تبت فصرت مرائياً والله إن المرائي لشر من الفاسق ويقال كان الناس يراؤن بما يفعلون لا بما يقولون فصاروا يراؤن بما يقولون ولا يفعلون ثم صاروا يراؤن بما لا يقولون ولا يفعلون ذم البديع الهمداني قاضياً بالرياء فقال قد بيض لحيته بسواد صحيفته وأظهر ورعه ليخفي طمعه وقصر سباله ليظهر سرباله وتغشى محرابه ليغطي حرابه يبرز في ظاهر أهل السمت وهو في باطن أهل الصمت شاعر
تصنع كي يقال له أمينوما معنى تصنعه الاماته
ولم يرد الإله به ولكنأراد به طريقاً للخيانه
آخر
ودع التواضع فاللباس مجونافالله يعلم ما تكنّ وتكتم
فرثاث ثوبك لا يزيدك رفعةعند الإله وأنت عاص مجرم
ويقال أربعة لا يعتد بهن زهد الخصى وتوبة الجندي وشكوى المرأة وتقوى الأحداث صلى رجل صلاة خفيفة فقيل له أقصرت الصلاة قال لا بل هي صلاة ليس فيها رياء نظر أبا أمامة الباهلي رجل في المسجد وهو ساجد يبكي فقال نعم الرجل أنت لو كان هذا في بيتك
ومن ظرف الحكاياتوتحف الفكاهات
عمن كان له من الرياء غرّة فاضحةومن عدم الحياء سمة لائحة
وفد على عمر بن عبد العزيز بلال بن أبي بردة فجعل يصلي ويطيل الصلاة فقال عمر للعلاء ترى ذلك تصنعاً فقال العلاء أنا آتيك بخبره يا أمير المؤمنين فأتى إلى داره بين العشاءين فوجده يصلي فقال له خفف فإن لي إليك حاجة فخفف وسلم وقال ما الحاجة فقال له العلاء تعرف محلى من أمير المؤمنين فإن أنا أشرت بك عليه في ولاية العراق فما تجعل لي قال لك علي عمالتي سنة وكان مبلغ ذلك عشرين ألف درهم فسأله العلاء أن يكتب له بذلك شرطاً على نفسه فكتب له فأتى العلاء بالشرط إلى عمر فقال إنه غرنا بالله فكدنا نغتر وكنا نظنه ذهباً فلما سبكناه وجدناه خبثاً وأدخل على المنصور رجل أراد أن يوليه قضاء ناحية من العراق قد جعل السجود بين عينيه كركبة الجمل فقال له المنصور إن كنت أردت الله بهذا فما ينبغي لنا أن نشغلك عنه وإن كنت أردتنا فما ينبغي لنا أن ننخدع لك ولم يوله شيأً مر بعض المرائين بابن مزداد وهو جالس على باب داره وبين عيني الرجل سجادة عظيمه وكان ابن مزداد شيخاً ابن ثمانين سنة ومقعداً من ثلاثين سنة فقال امرأتي طالق إن كان في استي من القعود ما في جبهة هذا من السجود وضع بعض المرائين بين عينيه سجادة ودلكها بنواة وشد عليها ثوماً وبات بها فزاغت العصابة عن مكانها وصارت في ناحية صدغه فاتسم فقيل لولده كيف أصبح أبوك قال أصبح ممن يعبد الله على حرف وقال ظريف من الشعراء
لمراء يتهكم به في معرض الوصية
شمر ثيابك واستعدّ لقابلواحكك جبينك للقاء بثوم
وامش الدبيب إذا مشيت لحاجةحتى تصيب وديعة ليتيم
وبلغ الرشيد قول أبي نواس
يا أحمد المرتجي في كل نائبةقم سيدي نعص جبار السموات
وقوله
ألا فاسقني خمراً وقل لي هي الخمرولا تسقني سرّاً إذا أمكن الجهر
وقوله
ما جاءنا أحد مذ مات يخبرنافي جنة جسمه قد كان أو نار
فقال هذا كلام زنديق وأمر الفضل بن الربيع بحبسه فحبسه وتناساه زماناً فأظهر التوبة وكتب إلى الفضل من الحبس بهذه الأبيات
فارعوى باطلي وأقصر جهليوتبدّلت عفة وزهاده
بركوع أزينه بخشوعواصفرار مثل اصفرار الجراده
لو تراني شبهتني الحسن البصريّ في حال نسكه أو قتاده
التسابيح في ذراعي والمصحف في لبتي مكان القلاده
فإذا شئت أن ترى ظرفةتعجب منها مليحة مستجاده
فادع بي لاعدمت تقويم مثليوتأمّل بعينك السجاده
ترء أثراً من الصلاة بوجهيتوقن النفس أنها من عباده
لو رآها بعض المرائين يوماًلاشتراها يعدّها للشهاده
ولقد طال ما شقيت ولكنأدركتني على يديك السعاده
فلما وصلت الأبيات إلى الفضل ضحك منها وكلم فيه الأمين فأطلقه ولما أطلق من حبسه كتب إلى الفضل يشكره على جميل فعله.
النص من طبعة دار الكتب العلمية (١٤٢٩هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع