من «غرر الخصائص الواضحة» للوطواط (ت ٧١٨هـ)
وألقى عصاه عامداً في بيداء الجهل
قول بعضهم لما كان العقل في المعنى ذائداً عن الآراب وحائلاً دون الاعراض جعل اسمه مأخوذاً من لفظة العقال فكم بين الطليق والعاني ولين المعقود من الشارد وهل من يتصرف على اختياره ويجيب داعي أهوائه كمن يقسر ويحصر ويكره ويجبر وقالوا لو لم تكن فضيلة الجهل غير الاقدام وورود الحمام إذ هما عين الشجاعة والبسالة وسببان لتحصيل الرفعة والجلالة وقال
شاعرهم
ما لي وللعقل لا استصحبته أبدافالعقل ينزل دار الذل والهون
لقد تعاقلت دهراً لا أرى فرجاومذ تحامقت صار الناس يدنوني
وقال يحيى بن أكثم ما رأيت العقل قط إلا خادماً للجهل وقالوا كم عاقل أخره عقله وجاهل صدره جهله وقال الشريف أبو يعلى بن الهبارية
تجاهلت لما لم أر العقل شافعاوأنكرت لما كنت بالعلم ضائعا
وما نافعي عقلي وفصي وفطنتيإذا بت صفر الكف والبطن جائعا
وما أحسن قول عبد الله بن المعتر في هذا المعنى مع زيادة للمصنف العقل كالمرآة المصقولة يرى صاحبها فيها مساوئ الدنيا فلا يزال في صحوه مهموماً متعذر السرور حتى يشرب الخمر فإن أكثر منها غشيه الصدأ كله حتى لا تظهر تلك المساوئ فيفرح ويمرح والجهل كالمرآة الصدية لا يرى صاحبها إلا مسروراً أبداً قبل الشرب وبعده من هنا للمصنف فالعاقل يستدعي حالة الجهل إلى نفسه لترادف الهموم عليه في العواقب والغرض في اكتساب المحامد والمناقب فإذا ضاق بها ذرعاً ولم يستطع لردائها نزء احتال على ذهابها بالشراب لينحل عنه عقال الهموم والأتراح بأيدي المسرات والأفراح ومن مستطرف ما نظم في هذا المعنى قول أبي معاذ بشار بن برد:
لما رأيت الحظ حظ الجاهلوالعيش في الدنيا لغير العاقل
رحلت عيساً من كرائم بابلفغدوت من عقلي ببعد مراحل
النص من طبعة دار الكتب العلمية (١٤٢٩هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع