من «غرر الخصائص الواضحة» للوطواط (ت ٧١٨هـ)
مما ذكر إنّ الحظ أجدى لصاحب الحجا
وأهدى في طرق مآربه من نجوم الدجى
ما حكى أهل التجارب فإنهم قالوا العقل وسوء الحظ كالعله والمعلول لا مفصل لأحدهما عن الآخر وقالوا افراط العقل مضر بالجد وقيل استأذن العقل على الجد فحجبه فقال إذهب أنت بي لا أنا بك قال شاعر
عش بجد ولا يضرك نوكإنما عيش من ترى بالجدود
آخر
لا تنظرن إلى عقل ولا أدبإن الجدود حديقات الحماقات
آخر
الجد أنهض بالفتى من عقلهفانهض بجدك في الحوادث أوذر
ما أقرب الأشياء حين يسوقهاقدر وأبعدها إذا لم تقدر
آخر
متى ما ترى الناس الغنيّ وجارهفقير يقولوا عاجز وجليد
وليس الغني والله من حيلة الفتىولكن أحاظ قسمت وجدود
آخر
لا تنظرنّ إلى الجهالة والحجاوانظر إلى الادبار والاقبال
كم من صحيح العقل أخطأه الغنىوعديم عقل فاز بالأموال
ودعت أم الاسكندر لولدها فقالت رزقك الله حظاً يخدمك به ذوو العقول ولا رزقك عقلاً تخدم به ذوي الحظوظ وخير رجل بين أمرين فأبى أن يختار وقال أنا بجدي أوثق مني بعقلي ومن أمثالهم أن تجد فلا تكد قال أبو العلاء أحمد بن سليمان المعري
لا تطلبنّ بغير حظ رتبةقلم البليغ بغير حظ مغزل
سكن السما كان السماء كلاهماهذا له رمح وهذا أعزل
وقال بعضهم
قالوا أقمت وما رزقت وإنمابالسير يكتسب اللبيب ويرزق
فأجبتهم ما كل سير نافعالحظ ينفع لا الرحيل المقلق
كم سيرة نفعت وأخرى مثلهاضرّت ويكتئب الحريص ويخنق
كالبدر يكتسب الجمال بسيرهوبه إذا حرم السعادة يمحق
آخر
لا يوجد الرزق بالامعان في الطلبولا بكدّ ولا حرص ولا تعب
بل الحظوظ التي تعلو بصاحبهالا بالخطوط التي في سائر الكتب
كم من غلام أديب فيصل ذكرشهم مهيب كحدّ السيف ذي الشطب
يمسي ويضحي من الافلاس في تعبيقلب الكف بالنيران واللهب
وآخر جلف طبع لأخلاق لهمذبذب العقل ثوراً منتن الذنب
لا يعرف الميم من واو إذا كتباولا يميز بين التين والعنب
قد أقبلت نحوه الأيام ضاحكةوأخدمته الليالي كل ذي حسب
وللشافعي ﵁:
بالجدّيد نوكل أمر شاسعوالجدّ يفتح كل باب مغلق
فإذا سمعت بأن مجدوداً حوىعوداً وأثمر في يديه فحقق
وإذا سمعت بأنّ محروماً أتىماء ليشربه فغاض فصدق
لو كان بالحيل الغني لوجدتنيبنجوم أقطار السماء تعلقي
لكنّ من رزق الحجا حرم الغنىضدّان مفترقان أيّ تفرّق
ومن الدليل على القضاء وحكمهبؤس اللبيب وطيب عيش الأحمق
وأحق خلق الله بالهمّ امروذو همة يبلى برزق ضيق
فلربما مرّت بقلبي ضجرةفأودّ منها أنني لم أخلق
ويقال إذا أقبل جد المرء فالأقدار تسعده والأوطار تساعده وإذا أدبر فالأيام تعاديه والنحوس تراوحه وتغاديه ويروى عن النبي ﷺ إنه قال إن السعادة لتلحظ الحجر فيدعى ربا وإلى هذا أشار حبيب بن أوس في قوله
وإذا تأملت الجبال وجدتهاتثرى كما تثرى الرجال وتعدم
وقال آخر وهو أبدع ما قيل في هذا الباب
وإذا السعادة لاحظتك بعينهانم فالمخاوف كلهنّ أمان
واصطد بها العنقاء فهي حبائلواقتد بها الجوزاء فهي عنان
وقال ابن نباتة
الأفاخش ما يرجى وجدّك هابطولا تخش من شيء وجدّك رافع
فلا نافع إلا مع النحس ضائرولا ضائر إلا مع السعد نافع
آخر
إذا كنت مرموقاً بعين سعادةفلا تخش يوماً من رجوع الكواكب
فإنّ الذي قد قرّب الله سعدهبعيد لعمري من صروف النواقب
ومن الظريف المطبوع في هذا الباب قول محمد بن شرف القيرواني
إذا صحب الفتى جدّ وسعدتحامته المكاره والخطوب
ووافاه الحبيب بغير وعدطفيلياً وقاد له الرقيب
النص من طبعة دار الكتب العلمية (١٤٢٩هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع