أَسؤالُ هذا الدّهرِ ما أنا قانِعُ
الشاعر: ابن نباتة السعدي · البحر: الطويل
هذه القصيدة من شعر ابن نباتة السعدي، من العصر العباسي، وتقع في ٥٦ بيتًا. نُظمت على بحر الطويل، ورويّها حرف العين.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
أَسؤالُ هذا الدّهرِ ما أنا قانِعُ ... سألتكمُ باللهِ كيفَ المَطامِعُ
فعندي فُؤادٌ لا يرى الأخذَ مغنَماً ... ويجبُنُ أنْ تُسْدى إليهِ الصّنائِعُ
على أنّهُ يَفْري الحسامَ بقلبِهِ ... وطَيْعَنُ صدرَ الرّمحِ والرُّمحُ شارِعُ
بــــوُدِّ اللّيــــالي لا بــــودّيَ أنّني ... أهِـــــشُّ إلى مـــــعــــروفِهــــا وأُســــارِعُ
فإنْ ألْقَ ميّافارقينَ وربُّها ... يطاعنُ منّي حاسِراً وهو دارِعُ
تنوبُ له خيْلٌ ولا أدّعي لها ... وتغزُو ولا أغْزو إلَيْها الفَجائِعُ
فــــخُــــطّــــةَ ضــــيمٍ أبَيْتُ وليلَةً ... سريتُ فكانَ المجدُ ما أنا صانِعُ
هتكتُ دُجاها والنّجومُ كأنّها ... عيونُ لها ثوبُ السّماءِ بَراقِعُ
ضَعي عنكِ أثْوابَ الحياءِ فإنّنا ... كِرامُ الهوى أسْرارُنا والمضاجِعُ
فإنّ خسارَ الجهلِ والعَقْلُ رابِحٌ ... يحققُ عندي أنّكنّ صَوانِعُ
ألا فاخْشَ ما يُرْجى وجدُّكَ هابِطٌ ... ولا تخْشَ ما يُخشى وجدُّك رافِعُ
فلا نافعٌ إلاّ مع النّحسِ ضائِرٌ ... ولا ضائِرٌ إلاّ معَ السّعدِ نافعُ
تَطاوَلَ لَيْلي بالجبال تَزورُني ... جِبال هُمومٍ تَرتَمي وتُماصِعُ
أضُمُّ على قلبي يديَّ مخافةً ... إذا لاحَ لي بَرقٌ من الشّرقِ لامِعُ
وما ينْفَعُ القلبَ الذي بانَ إلفُهُ ... إذا طارَ شَوْقاً أنْ تُضَمَّ الأضالِعُ
لرأس زماني مُنْصُلي وليَ الصّدى ... وللنــــاسِ مــــنهُ ريُّهُ والمَشارِعُ
ولو كنتُ ممنْ يزحَمُ الجمعَ ورده ... تضلعتُ والمتبوعُ لا شكّ تابِعُ
وكيفَ بنفسي أنْ على الوِردِ أُكرِهَتْ ... أطاعت وإلاّ خليتْ وهي ناقِعُ
ولو لم يكن في النّاسِ من يَعْشَقُ النّدى ... بغيرِ سُؤالٍ نازَعَتْها النّوازِعُ
فعاشَ لها ابْنُ المغربيِّ فإنّهُ ... نَــــداهُ إلى حَــــمْــــدِ الرجــــالِ ذرائِعُ
أخي وخليلي والحبيبُ وجُنّتي ... وسيفي ورمحي والفؤادُ المشايِعُ
أكلُّ ظُباهُ للمنونِ مناصبٌ ... وأدْنــــى نَــــداهُ للسَّحــــابِ طــــبــــائِعُ
فتى تأنس الدنيا بهِ وهو موحشٌ ... وتدنو إلى أهْوائِهِ وهو شاسِعُ
يجرِّبُ تجريبَ الغَبيِّ وعنده ... ظُنونٌ على جيشِ الغُيوبِ طَلائِعُ
كَذا من يَحوطُ الحزمَ من جَنَباتِهِ ... ويصرعُ من أفْكارِهِ ما يُصارِعُ
تُحدِّثُهُ الأبْصارُ عن خطَراتِها ... فإنْ قالَ قوْلاً حدّثَتْهُ المَسامِعُ
من القومِ جَرّاحُ اللّسانَ إذا التَقَتْ ... عُرى القولِ والتفتْ عليْهِ المَجامِعُ
يناضلُهُم عن دينِهِ وهو جاهِدٌ ... ويَسبقُهُمْ في عِلمِهِ وهو وادِعُ
ويطعَنُهمْ من لفْظِهِ بأسنّةٍ ... حداد النّواحي أرْهَفَتْها الوَقائِعُ
فلوْ لمْ يكُنْ شَرْعُ الشّرائِعِ قبلَهُ ... إذاً أُخِذَتْ ممّا يقولُ الشّرائِعُ
كَذا أنتَ إلاّ أنْ يُقصِّر قولُنا ... ولا شكّ في تقصيرِهِ وهو بارِعُ
ويومَ تسمّى الثّغرُ باسمكَ أصْبَحَتْ ... رَكايا بلادُ الرّومِ وهيَ صَوامِعُ
قد انقلبتْ تبْغي النَّجاءَ بأهلِها ... وما القلبُ لو حاولتَها لكَ مانِعُ
عشيةَ حباتُ القلوبِ مَلاقِطٌ ... وطيرُ العَوالي فوقَهنّ أواقِعُ
وكـــــلُّ كَـــــمــــيٍّ للطِّعــــانِ بــــصــــدرهِ ... طريقٌ تخطّاهُ الأسنة واسِعُ
أعذني بسيفِ الدولةِ اليومَ أن أُرى ... أُخـــــادعُ أعـــــدائي بــــهِ وأُصــــانِــــعُ
أقــــولُ لهُــــمْ إنّ السحابَ مطبِّقٌ ... غَــــداةَ بِــــلادي والسَّحــــابُ صَواقِعُ
وإنّ يدي مبسوطةٌ من نَوالِهِ ... تَجُرُّ العَطايا والعَطايا جَوامِعُ
فإنْ قلتُ لا أسطيعُ رجعَ جوابِهِ ... فمثلي لا يُقْصى ومثلكَ شافِعُ
وعندكَ إنْ أبْدى الخِصامُ شَواتَهُ ... أوِ ادّرَعَتْ بالدارِعينَ الرَّضائِعُ
لسانٌ لهُ حدُّ السيوفِ مقاطِعُ ... وكــــفٌ لهــــا صُمُّ الرماحِ أصابِعُ
ألَيْسَتْ من الأيْدي إذا هتفَ القَنا ... بآياتِهِ لبَّته منكَ الأشاجِعُ
تكِلُّ الظُّبا عنهنّ وهيَ حَدائِدٌ ... وتَمضي بهِنّ المُرهَفاتُ القَواطِعُ
تَؤمُّ مصاليتَ السّيوفِ كأنّما ... لهُنّ مصاليتُ السّيوفِ قَبائِعُ
فإنْ أبَتِ الأقْدارُ إلاّ عِيادَتي ... بعادَتِها فاصْدَعْ بما أنْتَ صادِعُ
فإنّا نحُلُّ الأرضَ وهي مَرابِعٌ ... ونَرحلُ عنها والبِلادُ مطالِعُ
إذا طاوعَتْنا لم نُعاص وإنْ عصَتْ ... فلا طاوعَتْنا والمَطايا طوائِعُ
وكيفَ وليسَ الأرضُ إلاّ ثنيّةً ... تقولُ لها الأطْماعُ ها هوَ طالِعُ
فقد رفَعَتْ أبْصارَها كل بلدةٍ ... من الشوقِ حتّى أوْجَعَتْها الأخادِعُ
وما هُنّ كالأحشاءِ شوقاً فما لها ... تحنّ إلى أشخاصِنا وتُنازِعُ
ولو صافَحتْنا ما رأتْنا لكلّةٍ ... من اللّحظِ أو مما تَجولُ المدامِعُ
إذا ما ضربْنا بالمَناسم حَسَّها ... فقلْ للمَعالي أيُّ سيفيكَ قاطِعُ
من البيضِ ما لا ينفعُ المرءُ حملهُ ... وإنْ باعَهُ يوماً ففيهِ منافِعُ
وما أسَفي إلاّ عليْكَ فخصَّني ... بكتبكَ إنّي بالقَراطيسِ قانِعُ
ولا تُعْطِ مداحاً على الشّعْرِ طائِلاً ... ولو نُظِمَتْ فيه النّجومُ الطّوالِعُ
فأسبَغُ ما تَكْسوهُ أنّك ناظِرٌ ... وأجزلُ ما تُعطيهِ أنّك سامِعُ
البحر والقافية
القصيدة على بحر الطويل. أكثر بحور الشعر العربي استعمالًا وأوسعها نَفَسًا، يصلح للأغراض الجادّة كالمدح والفخر والرثاء والحكمة.
تفعيلاته: فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن.
القافية: رويّها حرف العين، قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب:
- المطامع: طمع: الطَّمَعُ: ضِدُّ اليَأْسِ. قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: تَعَلَّمْنَ أَنَّ الطَّمَعَ فَقْرٌ وأَنَ اليَأْسَ غِنًى. طَمِعَ فِيهِ وَبِهِ طَمَعاً وطَماعةً وطَماعِيةً، مخفَّف، وطَماعِيَّةً، فَهُوَ … (لسان العرب)
- بقلبه: قلب: القَلْبُ: تَحْويلُ الشيءِ عَنْ وَجْهِهِ. قَلَبه يَقْلِبُه قَلْباً، وأَقْلَبه، الأَخيرةُ عَنِ اللِّحْيَانِيِّ، وَهِيَ ضَعِيفَةٌ. وَقَدِ انْقَلَب، وقَلَبَ الشيءَ، وقَلَّبه: حَوَّله ظَهْراً لبَطْنٍ. وتَقَلَّبَ الشيءُ ظ … (لسان العرب)
- بود: بود: بادَ الشيءُ بَواداً: ظَهَرَ، وَسَنَذْكُرُهُ فِي الْيَاءِ أَيضاً. والبَوْدُ: البئر. (لسان العرب)
- بودي: بود: بادَ الشيءُ بَواداً: ظَهَرَ، وَسَنَذْكُرُهُ فِي الْيَاءِ أَيضاً. والبَوْدُ: البئر. (لسان العرب)
- تنوب: تنب: التَّنُّوبُ: شَجَرٌ، عَنْ أَبي حنيفة. (لسان العرب)
التعليقات(٠)
سجّل الدخول لإضافة تعليق.