من «أنوار الربيع في أنواع البديع» لابن معصوم المدني (ت ١١١٩هـ)
العكس
عز الذليل ذليل العز مبغضه=فاعجب لعكس أعاديه وذلهم العكس في اللغة: ردك آخر الشيء إلى أوله، وفي الاصطلاح على نوعين لفظي ومعنوي. فاللفظي هو أن تقدم في الكلام جزأ ثم تعكس وتقدم ما أخرت، وتؤخر ما قدمت، ويسمى التبديل أيضاً، وهو على وجوه كما سيظهر لك من الأمثلة التي سنوردها نثرا ونظما.
فمنه قوله ﵌: جار الدار أحق بدار الجار. رواه النسائي، وأبو يعلى في مسنده، وابن حيان في صحيحه عن أنس وأحمد في مسنده، وأبو داود والترمذي عن سمرة. قاله العلامة السيوطي في الجامع الصغير.
وابن حجة لبعد معرفته عن مثل ذلك جاء به بصيغة التمريض فقال: قيل: إنه ورد في الحديث، وذكر الحديث المذكور، وهو جهل منه.
وقول أبي الفتح البستي: عادات السادات سادات العادات. وقولهم: كلام الملوك ملوك الكلام. وقولهم: شيم الأحرار أحرار الشيم. وقولهم: كتب الأحباب أحباب الكتب.
وأنشد الشيخ شهاب الدين أبو الثناء محمود لنفسه في هذا النوع ما كتبه جوابا لصاحب اليمن عن هدية وردت منه قرين كتاب:
أتاني كتابك والمكرماتتسير لديه مسير السحب
لئن جاء في موكب من نداكفكتب الملوك ملوك الكتب
ومنه قول القاضي الأرجاني:
أنا أشعر الفقهاء غير مدافعفي العصر لا بل أفقه الشعراء
شعري إذا ما قلت دونه الورىبالطبع لا بتكلف الإلقاء
أخذه الآخر فقال:
هو في الفقه شاعر لا يبارىوهو في الشعر أفقه الشعراء
لا إلى هؤلاء إن طلبوهوجدوه ولا إلى هؤلاء
غير أن ذلك مدح وهذا ذم.
ومنه قوله تعالى: (تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل وتخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي).
وقول الحماسي:
رمى الحدثان نسوة آل حرببمقدار سمدن له سمودا
فرد شعورهن السود بيضاورد وجوههن البيض سودا
وقول أبي هلال العسكري يصف الربيع:
لبس الماء والهواء صفاءواكتسى الروض بهجة وبهاء
فتخال السماء بالليل أرضاوترى الأرض في النهار سماء
وقول مجير الدين محمد بن تميم:
وليلة بتها من ثغر حبيومن كأسي إلى فلق الصباح
أقبل أقحوانا في شقيقوأشربها شقيقا في أقاح
وقول بعضهم في رئيس ركب البحر:
ولما امتطى البحر ابتهلت تضرعاإلى الله يا مجري الرياح بلطفه
جعلت الندى من كفه مثل موجهفسلمه واجعل موجه مثل كفه
وقول عبد الرحمن بن الحسن القوشنجي
فو الله ما فارقت عهدة عقدهووالله ما أحللت عقدة عهده
وأني على هجرانه عبد ودهفمن لي بمولى يرتضي ود عبده
وقول السيّد عز الدين المرتضى من قصيدة:
وعين شأني شأن لا أبوح بهوشأن عيني عين ذات تهتان
ومنها:
لقد خبرت بني الدنيا فليس يرىإنسان عيني فيهم عين إنسان
ومنه قوله ﵌: اشكر لمن أنعم عليك، وانعم على من شكرك. وقوله ﵇ أن الإنسان ليسره درك ما لم يكن ليفوته، ويسوؤه فوت ما لم يكن ليدركه.
وقول الحسن البصري: إن من خوفك حتى تلقى الأمن خير ممن آمنك حتى تلقى الخوف. وقول بعض الحكماء: إذا لم يكن ما تريد فأرد ما يكون. وقيل لحكيم: لم لا تمنع من يسألك؟ فقال: لئلا أسأل من يمنعني.
ولما قصد أبو تمام عبد الله بن طاهر بن الحسين بخراسان، وامتدحه بقصيدته التي أولها (أهن عوادي يوسف وصواحبه) أنكر عليه أبو سعيد الضرير، وأبو العميثل هذا الابتداء وقالا له: لم لا تقول ما يفهم؟ فقال لهما: لم لا تفهمان ما أقول فاستحسن منه هذا الجواب.
وقيل للحسن بن سهل: لا خير في السرف، فقال: لا سرف في الخير.
وقال أبو العيناء لأبي الصقر بن بلبل وهو وزير: أنت والله تقرب منا إذا احتجنا إليك، وتبعد عنا إذا احتجت إلينا.
وقيل لأبي دواد الأيادي - ونظر إلى ابنته تسوس فرسه - لقد أهنتها يا أبا دواد، فقال: أهنتها بكرامتي، كما أكرمتها بهواني.
وقال الجرجاني لأبي علي الحاتمي: إنما تحرم لأنك تشتم، فقال: إنما أشتم لأني أحرم.
وقيل لمريض كيف أنت؟ فقال: أجد ما لا اشتهي، وأشتهي ما لا أجد، وأنا في زمان سوء، من وجد لم يجد، ومن جاد لم يجد.
وقال الأضبط:
ويجمع المال غير آكلهويأكل المال غير من جمعه
ويقطع الثوب غير لابسهيلبس الثوب غير من قطعه
ويروى لهارون الرشيد:
لساني كتوم لأسرارهمودمعي بسري نموم مذيع
فلولا دموعي كتمت الهوىولولا الهوى لم يكن لي دموع
وأولع الشعراء بهذا المعنى فقال بعضهم:
لعمري لعمري بكم عامرولا أشتهي العمر لولاكم
فلولاكم ما عرفنا الهوىولولا الهوى ما عرفناكم
وقال الشيخ جمال الدين بن نباتة:
مسألة الدور جرتبيني وبين من أحب
لولا مشيبي ما جفالولا جفاه لم أشب
وللشيخ نجيب الدين الشامي:
علة شيبي قبل إبانههجر حبيبي في المقال الصحيح
ويدعي العلة في هجرهشيبي ففي القولين دور صريح
وقال آخر:
مسائل دور شيب رأسي وهجرهاوكل غدا عما به في الهوى ينبي
فأقسم لولا الهجر ما شاب مفرقيوتقسم لولا الشيب ما كرهت قربي
وما أحسن قول شمس الدين محمد بن التلمساني في هذا النوع:
يا بأبي معاطف وأعينيصول منها رامح ونابل
فهذه ذوابل نواضروهذه نواظر ذوابل
غير أن النواضر الأولى بالظاد المعجمة لأنها من النضرة وهي النعمة، والنواظر الثانية بالظاء المشالة لأنها من النظر وهو البصر، ومثل ذلك مغتفر في مثل هذا المقام.
وقول المطوعي:
ألست ترى أطباق ورد وحولهامن النرجس الغض الطري ورود
فتلك خدود ما عليهن أعينوتلك عيون ما لهن خدود
ومن بديع هذا النوع ما أنشده أبو منصور الثعالبي في اليتيمة لصاحب ابن عباد في وصف الزجاج والشراب:
رق الزجاج ورقت الخمرفتشابها وتشاكل الأمر
فكأنما خمر ولا قدحوكأنما قدح ولا خمر
وكثير من ينسب هذين البيتين لأبي نواس، ولم أجدهما في ديوانه.
ولأبي الطيب المتنبي في هذا النوع:
فلا مجد في الدنيا لمن قل مالولا مال في الدنيا لمن قل مجده
فما ترزق الأيام من أنت حارمولا تحرم الأقدار من أنت رازق
إذا حقدت لم يبق في قلبها رضىوإن رضيت لم يبق في قلبها حقد
وقال ابن نباتة السعدي:
ألا فاخش ما يرجى وجدك هابطولا تخش ما يخشى وجدك رافع
فلا نافع إلا مع النحس ضائرولا ضائر إلا مع السد نافع
وقال آخر وأجاد. وغلط ابن حجة في نسبته إلى المتنبي:
إن الليالي للأنام مناهلتطوى وتنشر دونها الأعمار
فقصارهن مع الهموم طويلةوطوالهن مع السرور قصار
وقال آخر:
النفس ملأى من المعاليوالكيس صفر الجناب خالي
فليس مالي كمثل فضلي وليس فضلي كمثل مالي
ومن الطريف النادر في هذا الباب قول أبي الحسن الباخرزي من قصيدة بديعة في السيّد ذي المجدين أبي القاسم علي بن موسى الموسوي:
معاد معاديه مهما طوىعلى بغضه القلب قعر الطوي
وأمثل أحوال أعدائهوكلهم نهب داء دوي
عصي مكللة بالرؤوسوروس مكللة بالعصي
قال في الدمية: أنشدت هذه القصيدة الممدوح بها بحضرة أبي منصور محمد بن عبد الجبار السمعاني والمجلس غاص بالعام والخاص، فلما انتهيت فيها إلى قولي هذا صفق القاضي أبو منصور بيديه وقال: عين الله عليه، وأثنى علي في ذلك المجلس الغصان، بمثل ما أثنى به حسان على آل غسان.
ومن مستجاده قول القاضي أبي الفتح نصر بن سيار الهروي يصف نار السذق، وهو بفتح السين المهملة والذال المعجمة وبعدهما قاف، ليلة الوقود، فارسي معرب:
رب ليل كشعر ليلىسوادا
شق جلبابها عن الأرض نار
وترى الأرض كالسماء فكلقد تجلى خلالها أنوار
وشرار كأنهن نجومونجوم كأنهن شرار
وما ألطف قوله أيضاً في هذا المعنى، وإن لم يكن مما نحن فيه:
وليلة سامحتنيبها نوائب دهري
بتنا نحث زجاجاما بين خمر وجمر
فتلك ذائب جمروذاك جامد خمر
ويعجبني من هذا الباب قول شرف السادة أبي الحسن البلخي:
أفدي بروحي من قلبي كوجنتهفي الوصف لا الحكم فالأحكام تفترق
أعجب لحرقة قلب ما له لهبومن تلهب خد ليس يحترق
ومما انعقد الإجماع على حسنه من الأسماع، قول تميم بن مفرج الطائي، من خمرية له أولها:
قم واسقني قبل الصباح المسفريوم الخميس على طلوع المشتري
وإذا لقيت الجمعة الزهراء فليكن الغبوق على جبين أزهر
واستقبل اليوم السعيد بمقبلطلق وأدبر عن عذول مدبر
إن قيل أن الراح حرم شربهاعن أهل دين محمد فتنصر
(عن) هنا بمعنى (على) وهما يتعاقبان، قال الله تعالى: (ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه).
قوله المشار إليه في هذا النوع هو:
قل للغزالة وهي غير غزالةوالجؤذر النعسان غير الجؤذر
لمذكر الخطوات غير مؤنثومؤنث الخلوات غير مذكر
قال في دمية القصر: هذا بيت شعر يساوي بيت تبر، وفيه قلب يقبله كل قلب. ثم الموازنة بين الخطوات والخلوات في نهاية الحلاوة.
ومقول القول قوله بعده:
قومي إلى الشيء الذي بتنا بهبالأمس بذاك الجوهر
وتسربلي قبل القيام وأسبليذاك العذار الجون ثم تزنري
فتنبهت هيفاء غير بطيئةعما التمست ولا سحوب المئزر
يعني أنها تشمرت للخدمة، فقلصت أذيالها، لا كالكسلان الذي يزود الأرض فضلة ردائه، إما لكسله، وإما لخيلائه.
وبعده:
تفتر عن برد وتنظم مثلهعقدا وتنظر عن جفون فتر
وتيممت دنين في مطمورةكانا معا فيما أظن لقيصر
فتحتهما فكأنما فتحتهماعن لون ياقوت ونكهة عنبر
ومن المستطرف هنا إلى الغاية، قول شيخ الشيوخ بحماة، وهو لسان الحال، حال تأليف هذا الكتاب:
أفنيت عمري في دهر مكاسبهتطيع أهواءنا فيه وتعصينا
تسعا وعشرين مد الهم شقتهاحتى توهمتها عشرا وتسعينا
وللشيخ صلاح الدين الصفدي:
قد فاق غصن النقا حبيبيوأخجل البدر في التمام
فذا قوام بلا محياوذا محيا بلا قوام
وأنشد الشيخ سعد الدين التفتازاني لنفسه في شرح التلخيص عند الكلام على هذا النوع:
طويت بإحراز الفنون تجشمارداء شبابي والجنون فنون
فحين تعاطيت الفنون وخطهاتبين لي أن الفنون جنون
وقال الشيخ صفي الدين الحلي:
لا تحقرن المال فالعين للإنسان كالإنسان للعين
وقال أيضاً:
عين النضار كناظر العين الذييتأمل القاصي به والداني
ولرب إنسان بلا عين غداوكأنه عين بلا إنسان
وقال أيضاً ناظما قول الحكيم المقدم ذكره:
إذا الجد لم يك لي مسعدافما حركاتي إلا سكون
إذا لم يكن ما يريد الفتىعلى رغمه فليرد ما يكون
وقال آخر:
معشوقتي جارية ساقيةونزهتي ساقية جاريه
جارية أعينها جنةوجنة أعينها جاريه
وهذان البيتان حسنان لو سلما من الإيطاء في القافية.
وقلت أنا من قصيدة:
أجلواها والدهر طلق المحياوالقماري تنادم الأقمارا
في عذارى كأنهن رياضورياض كأنهن عذارى
والشعر في هذا النوع كثير جدا، والاقتصار على هذه الجملة منه فيها مقنع.
وأما العكس المعنوي فهو من مستخرجات ابن أبي الإصبع، وحده بأن قال: هو أن يأتي الشاعر إلى معنى لغيره، أو لنفسه فيعكسه.
فمثال عكس الشاعر معنى غيره، قول علي بن الجهم يصف السحاب:
فمرت تفوت الطرف حتى كأنهاجنود عبيد الله ولت بنودها
فات عكس فيه قول أبي العتاهية يصف الرايات:
ورايات يحل النصر فيهاتمر كأنها قطع السحاب
وقول الآخر:
وربما فات بعض الناس أمرهممع التأني وكان الحزم لو عجلوا
عكس فيه قول الأخطل:
قد يدرك المتأني بعض حاجتهوقد يكون مع المستعجل الزلل
وعكس الصابي قول البحتري في الوداع:
أقول له عند توديعهوكل بعبرته ملبس
لئن قعدت عنك أجسادنالقد سافرت معك الأنفس
فقال الصابي ونبه على ذلك:
ولما حضرت لتوديعهوطرف النوى نحونا أشوس
عكست له بيت شعر مضىيليق به الحال إذ يعكس
لئن سافرت عنك أجسادنالقد قعدت معك الأنفس
وقال بعضهم:
إذا ما رأيت فتى ماجدافظن بعقل أبيه السخف
فقد يلد النجب غير النجيبوهل يلد الدر إلا الصدف
وعكسه الآخر فقال:
إذا ما رأيت فتى ماجدافكن بابنه سيئ الاعتقاد
فلست ترى من نجيب نجيباوهل تلد النار غير الرماد
ومن هذا الباب ما حكاه علي بن عبد الله الجعفري، من بني جعفر الطيار ﵇ وكان ممن حمله المتوكل من المدينة إلى سر من رأى، وحبسه مع الطالبيين - قال: - مكثت في الحبس مدة، فدخل علي يوما رجل من الكتاب فقال: أريد هذا الجعفري الذي تديث في شعره، فقلت له: إلي فأنا هو، فعدل إلي وقال لي: جعلت فداك أحب أن تنشدني بيتيك اللذين تديثت فيهما.
فأنشدته:
ولما بدا لي أنها لا تودنيوأن هواها ليس عني بمنجلي
تمنيت أن تهوى سواي لعلهاتذوق حرارات الهوى فترق لي
قال: فكتبهما، ثم قال: اسمع - جعلت فداك - بيتين قلتهما في الغيرة، فقلت: ما هما؟ فأنشدني:
ربما سرني صدودك عنيفلا طلابيك وامتناعك مني
حذار أن أكون مفتاح غيريفإذا ما خلوت كنت التمني
انتهى. فهذان البيتان عكس فيهما هذا الكاتب قول الجعفري.
ومنه أيضاً ما حكاه محمد بن يحيى التغليب قال مررت بجعفر بن عفان الطائي يوما وهو على باب منزله فسلمت عليه فقال: مرحبا يا أخا تغلب اجلس، فجلست فقال لي: أما تعجب من ابن أبي حفصة حيث يقول:
أنى يكون وليس ذاك بكائنلبني البنات وراثة الأعمام
فقلت بلى والله، أني لأتعجب منه، وأكثر اللعنة له. فهل قلت في هذا شيئا؟ قال نعم قلت:
لم لا يكون وإن ذاك لكائنلبني البنات وراثة الأعمام
للبنت نصف كامل من مالهوالعم متروك بغير سهام
ما للطليق وللتراث وإنماصلى الطليق مخافة الصمصام
وعلى ذلك قال صالح بن عطية الأضجم لما قال مروان بن أبي حفصة: عاهدت الله أن أغتاله فأقتله أي وقت أمكنني ذلك، وما زلت ألاطفه وأبره، وأكتب أشعاري، حتى خصصت به فأنس بي جدا، وعرف ذلك بنو حفصة جميعا فأنسوا بي، ولم أزل أطلب له غرة حتى مرض من حمى أصابته، فلم أزل أظهر الجزع عليه والإشفاق حتى خلا لي البيت يوما، فوثبت عليه فأخذت بحلقه، فما فارقته حتى مات، وخرجت وتركته؛ فخرج إليه أهله بعد ساعة فوجدوه ميتا، وارتفعت الصيحة؛ فحضرت وتباكيت، وأظهرت الجزع عليه، حتى دفن وما فطن بما فعلت أحد، ولا اتهمني. انتهى. ذكر ذلك في الأغاني.
وقال الشيخ صلاح الدين الصفدي في شرح اللامية، حكى ابن رشيق في الأنموذج: أن عبد الرحمن بن محمد الفراسي جلس مع بعض شيوخ تونس، وكان الشيخ نهاية في المجون، فاجتاز بهم رجل، فسأل عن دار ابن عبدون؛ فأقبل الشيخ عليه فقال: هي في تلك الرابعة حيث يقوم أيرك، فقال الفراسي: والله لأنظمنه فما رأيت مثل هذا المعنى.
وأنشأ من وقته يقول:
إن شئت أن تعرف عن صحةدار الذي يعزى لعبدونه
فامش فإن أيرك أبصرتهقام فإن الباب من دونه
قال: وقد عكست أنا هذا المعنى فقلت:
أقول لمن يسائل عن محليتقدم وامش من خلف السواري
ومر فحيث ما تلقى حكاكابسرمك لا تعد فثم داري
انتهى. ومثال عكس الشاعر معنى نفسه قول بعضهم:
وإذا الدر زان حسن وجوهكان للدر حسن وجهك زينا
وقول الآخر وأجاد:
ها قد غدا من ثياب الشعر في كفنوقد تعفت معاني وجهه الحسن
وكان يعرض عني حين أبصرهفصرت أعرض عنه حين يبصرني
وأحسن منه قول نجم الدين يعقوب بن صابر المنجنيقي:
وجارية من بنات الحبوش ذات جفون صحاح مراض
تعشقتها للتصابي فشبتغرما ولم أك بالشيب راضي
وكنت أعيرها بالسوادفصارت تعيرني بالبياض
وأرباب البديعيات إنما بنو أبياتهم على النوع الأول من العكس.
فبيت بديعية الشيخ صفي الدين الحلي قوله عن النبي ﵌:
أبدى العجائب فالأعمى بنفثتهغدا بصيرا وفي الحرب البصير عمي
هذا البيت مع خفة هذا النوع لا يخلو من نوع ثقل وعقادة في التركيب.
وبيت ابن جابر أرشق منه حيث يقول:
فاتبع رجال السرى في البيد واسر لهسرى الرجال ذوي الألباب والهمم
فالعكس في رجال السرى، وسرى الرجال يحكم الذوق السليم بخفته ورشاقته، وتعنت ابن حجة عليه - على جاري عادته - فقال: إن هذا البيت لم يخلص من العكس هنا، إذ ليس فيه نكتة تلم له مع البديع شملا. انتهى.
وبيت بديعية الشيخ عز الدين الموصلي قوله:
خير المقال مقال الخير فاصغ ودععكس الصواب مع التبديل تستقم
اعترض ابن حجة على هذا البيت بكونه أجنبيا من مدح النبي ﵌. قال: وليس له أدنى تعلق ببيت المديح الذي قبله، والذي بعده، ثم قال: وغالب مديحه النبوي في هذه القصيدة على هذا النمط وأطال الكلام في ذلك بما يوقف عليه في شرحه.
قلت: وكأن الشيخ عز الدين إنما خاطب ابن حجة بهذا البيت.
وبيت بديعية ابن حجة قوله:
عين الكمال كمال العين رؤيتهيا عكس طرف من الكفار عنه عمي
صدر هذا البيت كامل، وأما عجزه فتعجز الجبال الرواسي عن تحمل ثقله.
وبيت بديعية الشيخ عبد القادر الطبري قوله:
رب الجمال جمال الرب بعثتهيا عكس منكرها والنار في ضرم
حبس عنان القلم عن الكلام، أولى من إطلاقه في هذا المقام.
وبيت بديعيتي هو قولي:
عز الذليل ذليل العز مبغضهفاعجب لعكس أعاديه وذلهم
وبيت بديعية الشيخ شرف الدين المقري قوله:
أفدي ظباه فكم عظمن ذا صغرفي الله قدرا وكم صغرن ذا عظم
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع