من «أنوار الربيع في أنواع البديع» لابن معصوم المدني (ت ١١١٩هـ)
مراعاة النظير
وقد قصدت مراعاة النظير لهممن جلنار ومن ورد ومن عنم
هذا النوع أعني مراعاة النظير، سماه قوم بالتوفيق، وآخرون بالتناسب وجماعة بالائتلاف، وبعضهم بالمواخاة.
قالوا: وهو عبارة عن أن يجمع المتكلم بين أمر وما يناسبه لا بالتضاد سواء كانت المناسبة لفظا لمعنى، أو لفظا للفظ، أو معنى لمعنى، إذ القصد جمع شيء وما يناسبه من نوعه، أو ملائمة من إحدى الوجوه. انتهى.
ولا يخفى أن هذا التفسير يدخل فيه ائتلاف اللفظ مع المعنى، وائتلاف اللفظ مع اللفظ، وائتلاف المعنى مع المعنى، وكل من هذه الأقسام عده أرباب البديعيات نوعا برأسه، ونظموا له شاهدا مستقلا، وجعلوه مغايرا لهذا النوع، مع أنهم مثلوا لائتلاف اللفظ بما مثلوا به لمراعاة النظير بعينه ولا وجه لذلك، بل كان الصواب تنويع هذا النوع إلى هذه الأنواع الثلاثة كما فعل صاحب التبيان، حيث قال: مراعاة النظير هو أن يجمع بين أمر وما يناسبه لا بالتضاد، وهو أصناف: الأول - ائتلاف اللفظ والمعنى. والثاني - ائتلاف اللفظ مع اللفظ. والثالث - ائتلاف المعنى مع المعنى. وهذا كتنويعهم اللف والنشر إلى أنواعه المذكورة، والالتفات إلى أنواعه الستة، وغير ذلك من أنواع البديع التي هي تتنوع إلى أنواع. وإذ قد اصطلح أرباب البديعيات على جعل مراعاة النظير نوعا برأسه، وكل من ائتلاف اللفظ والمعنى، وائتلاف اللفظ مع اللفظ، وائتلاف المعنى مع المعنى، نوعا برأسه، فينبغي أن يحد كل منها بحد لا يشمل الآخر.
فيحد مراعاة النظير: بأنه عبارة عن أن يجمع المتكلم بين لفظين أو ألفاظ متناسبة المعاني، أما حقيقة أو ظاهرا. فالأول كقوله تعالى: (الشمس والقمر بحسبان). فالشمس والقمر متناسبا المعنى حقيقة، من حيث اشتراكهما في وصف مشهور، وهو الإضاءة.
والثاني كقول مهيار الديلمي:
ومدير سيان عنياه والإبريق فتكا ولحظه والمدام
فمعنى الإبريق مناسب لمعنى المدام، إذ الإبريق يطلق على إناء الخمر، لكن هذه المناسبة ظاهرية، إذ ليس مقصوده بالإبريق هذا المعنى، بل مقصوده به السيف، سمي بذلك لبريقه، فخرج عن هذا الحد لمراعاة النظير؛ ائتلاف اللفظ مع المعنى، وائتلاف المعنى مع المعنى، وسيأتي كل منهما في محله إن شاء الله تعالى.
وأما ائتلاف اللفظ مع اللفظ فيحد بما ذكره العلامة السيوطي في الإتقان، وهو كون الألفاظ تلائم بعضها بعضا، بأن يقرن الغريب بمثله والمتداول بمثله، رعاية لحسن الجوار والمناسبة، وهذه المناسبة غير المناسبة التي في مراعاة النظير - كما هو ظاهر - فاستقل كل نوع من هذه الأنواع برأسه، وكان كل منها مغايرا للآخر.
وتكلف الشيخ صفي الدين للفرق بين مراعاة النظير وائتلاف اللفظ مع اللفظ بما يأتي ذكره هناك، ولم يذكر بين النوعين الآخرين وبين مراعاة النظير فرقا، مع شمول حده مراعاة النظير لهما، وعده كلا منهما قسما برأسه.
ومن بديع أمثلة هذا النوع - أعني مراعاة النظير - قول البحتري يصف إبلا أنحلها السري:
يترقرقن كالسراب وقد خضن غمارا من السراب الجاري
كالسقي المعطفات بل الأسهم مبرية بل الأوتار
فإنه شبه الإبل بالقسي، وأراد أن يكرر التشبيه فكان يمكنه أن يشبهها بالمعراجين والأهلة والأطناب ونحو ذلك، لكنه اختار الأسهم، والأوتار، لمناسبتها للقسي. وترقى في التشبيه، فكأنه قال: إن تلك الإبل المهازيل في شكلها، ودقة أعضائها، شابهت القسي، بل أدق مها وهي الأسهم المنحوتة بل أدق منها وهي الأوتار.
وقد تداول الشعراء هذا المعنى، وتجاذبوا أطرافه، ومن ذلك قول الشريف الرضي ﵁:
هن القسي من النحول فإن سماطلب فهن من النجاء الأسهم
أخذه بان قلاقس بأكثر ألفاظه فقال:
خوص كأمثال القسي نواحلافإذا سما طلب فهن سهام
وقال أيضاً:
طرحن العجز عن أعجاز عيستوشحها على الحزم الحزاما
وتدفع بالسرى منها قسيافتقذف بلانوى منها سهاما
وقال ابن النبيه:
إن خوص الظلماء أطيب عنديبمطايا أمست تشكى كلاله
هن مثل القسي شكلا ولكنهن في السبق أسهم لا محاله
ومن أحسن ما ورد من مراعاة النظير أيضاً قول ابن خفاجة يصف فرسا:
وأشقر تضرم منه الوغىبشعلة من شعل الباس
من جلنار ناضر جلدهوأذنه من ورق الآس
فناسب بين الجلنار والآس والنضارة ومثله قول أبي نواس:
يا قمرا أبصرت في مأتميندب شجوا بين أتراب
يبكي فيذري الدمع من نرجسويلطم الورد بعناب
وقول ابن المعتز:
ومهفهف ألحاظه وعذارهيتعاضدان على قتال الناس
سفك الدماء بصارم من نرجسكانت حمائل غمده من آس
وقول أبي الحسن السلامي:
أو ما ترى طرز البروق توسطتأفقا كأن المزن فيه شفوف
واليوم من خجل الشقيق مضرجخجل ومن مرض النسيم ضعيف
والأرض طرس والرياض سطورهوالزهر شكل بينها وحروف
فناسب بين الطرس والسطور، والشكل والحروف.
ومثل قوله أيضاً من قصيدة أخرى:
أشربا واسقيا فتى يصحب الأيأم نفسا كثيرة الأوطار
والنفوس الكبار تأنف للسادة أن يشربوا بغير الكبار
في جوار الصبا نحل بيوتاعمرت بالغصون والأقمار
ونصلي على أذان الطنابير ونصغي لنغمة الأوتار
بين قوم إمامهم ساجد للكاس أوراكع على المزمار
فناسب بين الصلاة والآذان، والسجود والركوع.
وقوله أيضاً:
والنقع ثوب بالسيوف مطرزوالأرض فرش بالجياد مخمل
وسطور خيلك إنما ألفاتهاسمر تنقط بالدماء وتشكل
فناسب بين الثوب والتطريز، والفرش والتخميل، وبين السطور والألفات والنقط والشكل.
ومثل هذه المناسبة قول الوزير الطغرائي:
لبس شفوف النقع تخمل بالقناعليهن إضريج من الدم مخضوب
عليها سطور الضرب يعجمها القناصحائف يغشاها من النقع تثريب
فناسب في البيت الأول: بين اللبس والشفوف والخمل، والإضريج - بالضاد المعجمة والراء المهملة والياء المثناة من تحت والجيم - وهو الخز الأحمر. وفي الثاني: بين السطور والإعجام، والصحائف والتثريب.
ومن جيد هذا النوع قول السلامي أيضاً:
الحب كالدهر يعطينا ويرتجعلا اليأس يصرفنا عنه ولا الطمع
صحبته والصبا يغري الصبابة بيوالوصل طفل غرير والهوى يفع
أيام لا النوم في أجفاننا خلسولا الزيارة من أحبابنا لمع
إذ الشبيبة سيفي والهوى فرسيورايتي اللهو واللذات لي شيع
وما ألطف قول ابن الساعاتي في مثل هذه المناسبة:
السحب رايات ولمع بروقهابيض الظبا والأرض طرف أشهب
والند قسطلة وزهر شموعناصم القنا والفحم نبل مذهب
وما أبدع قول بعضهم في آل بيت النبي صلوات الله عليهم:
أتنم بنو طه ونون والضحىوبنو تبارك والكتاب المحكم
وبنو الأباطح والمشاعر والصفاوالركن والبيت العتيق وزمزم
فإنه أحسن في المناسبة في الأول: بين أسماء السور، وفي الثاني: بين الجهات الحجازية.
ومثله قول الآخر في بني هاشم:
بني هاشم عفو عفا الله عنكموإن كان ثوبي حشوه اليوم مجرم
لكم حرم الرحمن والبيت والصفاوجمع وما ضم الحطيم ومزم
فإن قلتموا باديتنا بعظيمةفأحلامكم فيها أجل وأعظم
وقول ابن رشيق:
أصح وأقوى ما رويناه في الندىمن الخبر المأثور منذ قديم
أحاديث ترويها السيول عن الحياعن البحر عن كف الأمير تميم
فأجاد ما شاء في المناسبة بين الصحة والقوة، والرواية والخبر المأثور، ثم بين السيل والحياء، والبحر وكف تميم، لما شاع بين الشعراء من جعل كف الممدوح سحابا وبحرا ونحوهما، مع ما فيه من حسن الترتيب في الرتقي، إذ جعل الرواية لصاغر عن كابر كما يقع في سند الأحاديث. فإن السيول أصلها المطر، والمطر أصله البحر (على ما يقال) والبحر أصله كف الممدوح على ادعاء الشاعر، مع رعاية العنعنة المستعملة في الأسانيد.
قال ابن حجة في باب المناسبة - بعد ذكره هذين البيتين - أقول: إنني زاحمت ابن رشيق هنا بالمناكب، وأبطلت موانع التعقيد لما دخلت معه إلى هذه المطالب، وما ذاك إلا أنني امتدحت شيخي علاء الدين القضامي بموشح ببيت مخلصه تحفة في هذا الباب، لأن مناسبته المعنوية رفعت عن وجه محاسنها الحجاب، وهو:
رقم السوالف يروي لي بمسندهعن رقمتي حيهم يا طيب مورده
وثغرها قد روى لي قبل ما احتجبتعن برق ذاك النقا أيام معهده
والريق أمسى عن المرديروي حديث العذيب مسند
عن الصفا عن مذاق الشهد والعسلعن ذوق سيدنا قاضي القضاة علي
قال: وقد حبست عنان القلم عن الاستطراد إلى وصف محاسن هذا البيت، ومناسبته المعوية، فإن برهانه غير محتاج إلى إقامة دليل. انتهى كلامه.
قلت: هيهات، أين الثريا من الثرى، وأين مطلع سهيل من موقع السيل، على أن هذه الرواية المعنعنة التي ذكرها في مخلصه هذا إنما كانت تحسن عن ذوق المحبوب، لا ذوق الممدوح، وهذا من الغلط بوضع الكلام في غير موضعه.
كما قالوا في قول المتنبي:
أغار من الزجاجة وهي تجريعلى شفة الأمير أبي الحسين
قالوا: إن هذه الغيرة إنما تكون بين المحب والمحبوب، كما قال كشاجم:
أغار إذا دنت من فيه كأسعلى رد يقبله زجاج
فأما الأمراء والملوك فلا معنى للغيرة على شفاهها، اللهم إلا أن يكون بين ابن حجة وبين شيخه الممدوح أمر يقتضي هذه الرواية المعنعة عن ذوقه، فهو أدرى به.
ومن محاسن هذا النوع أيضاً قول ابن الخشاب في المستضيئ:
ورد الورى سلسال جودك فارتوواووقفت دون الورد وقفة حائم
ظمآن أطلب خفة من زحمةوالورد لا يزداد غير تزاحم
قال صاحب التبيان: انظر إلى هذين البيتين فإنهما كادا يجريان مع الماء في السلاسة، مع أن قائلهما لم يتجانف فيهما عن حكاية الماء، وما يناسبه، حتى عد فيهما ائتلاف عشر. انتهى. أي ائتلافا بين عشرة أشياء، هي: الورد، والسلسال، والارتواء، والورد، والحائم، والظمأ، والخفة؛ والزحمة، ثم الورد مرة أخرى والتزاحم.
وقال أبو العلاء المعري:
دع اليراع لقوم يفخرون بهوبالطوال الردينيات فافتخر
فهن أقلامك اللاتي إذا كتبتمجدا أتت بمداد من دم هدر
فناسب بين الأقلام والكتابة والمداد.
ومثله قول أبي العشائر:
أأخا الفوارس لو رأيت مواقفيوالخيل من تحت الفوارس تنحط
لرأت منها ما تخط يد الوغىوالبيض تشكل والأسنة تنقط
ألفاظ المناسبة في هذا أكثر كما لا يخفى، فإنها هناك ثلاثة، وهنا خمسة.
ومن أعجب ما وقع في هذا النوع قول الشريف الرضي ﵁:
حيرني روض على خدهويلي من ذاك وويلي عليه
أي جنى يقطف من حسنهوكل ما فيه حبيب إليه
نرجستي عينيه أم وردتيخديه أم ريحانتي عارضيه
هذا هو الشعر الذي قيل فيه: إنه أرق أنفاسا من نسيم السحر، وأدق اختلاسا من النفاث إذا سحر.
وقول ابن زيلاق في مليح محروس بخادم:
ومن عجب أن يحرسوك بخادموخدام هذا الحسن من ذاك أكثر
عذارك ريحان وثغرك جوهروخالك ياقوت وخدك عنبر
فناسب بين العذار والثغر، والخال والخد، وبين ريحان وجوهر، وياقوت وعنبر، لوضعها غالبا أسماء للخدام.
وما أحسن قول الزغاري في هذا النوع:
كأن السحاب العز لما تجمعتوقد فرقت عنا الهموم بجمعها
نياق ووجه الأرض قعب وثلجهاحليب وكف الريح حالب ضرعها
فإنه أتى بالتشبيه الغريب، وحسن المناسبة العديمة النظير في مراعاته مع حلاوة الانسجام، ولطف المعنى.
ومن بديعه قول الشيخ عمر بن الفارض:
شربنا على ذكر الحبيب مدامةسكرنا بها من قبل أن يخلق الكرم
لها البدر كأس وهي شمس يديرهاهلال وكم يبدو إذا مزجت نجم
فأبدع في المناسبة بين البدر والشمس والهلال والنجم، وبين الكأس والإدارة والمزج.
ومن الغايات التي حسرت دونها سوابق الأفكار في هذا النوع البديع، قول البديع الهمداني من قصيدة يمدح بها خلف بن أحمد وإلى سجستان مطلعها:
سماء الدجى ما هذه الحدق النجلأصدر الدجى حال وجيد الضحى عطل
وبعده يصف طول السرى وهو المقصود بالإثبات هنا:
لك الله من عزم أجوب جيوبهكأني في أجفان عين الردى كحل
كأن الدجى نقع وفي الجو حومةكواكبه جند طوائرها الرسل
كأن مطايانا سماء كأننانجوم على أقتابها برجنا الرحل
كأن السرى ساق كأن الكرى طلاكأنا له شرب كأن المنى نقل
كأن الفلا ناد به الجن فتيةعليه الثرى فرش حشيته رمل
كأنا جياع والمطي لنا فمكأن الفلا زاد كأن السرى أكل
كأن ينابيع الثرى ثدي مرضعوفي حجرها مني ومن ناقتي طفل
كأنا على أرجوحة في مسيرنابغور بنا يهوي ونجد بنا يعلو
ومنها في وصف براعته، ودواته ويراعته، ولم يخرج عما نحن فيه:
كأن غمي قوس لساني له يدمديحي له نزع به أملي نبل
كأن دواتي مطفل حبشيةكأني لها بعل ونقشي لها نسل
كأن يدي في الطرس غواص لجةله كلمي در به قيمي تغلو
تأمل أيها الناظر في هذه العارضة القوية، والملكة التي لا يستطيعها ذو بديهة ولا روية، فإنه ما شاد بيتا إلا وعمره بمحاسن مراعاة النظير، وأسكن فيه ما يلائمه من المناسبات التي يحسدها الروض النضير. وأنا ما زلت معجبا بهذه القصيدة أشد الإعجاب، مشغوفا بمحاسنها التي ما خرق مثلها للسمع حجاب.
وقد عن لي أن أثبت بقية ما حضرني منها هنا، لينتظم شملها بما قبلها ويتملى بها من أراد أن يتأملها - وإن كان بعضها قد سبق ذكره في نوع التفويف - فما أحسن قوله بعد ما تقدم من التشبيه يذكر أباه بهمدان، واستقباله الحجيج للسؤال عن خبره، والبحث عن وطنه ووطره.
ثم تخلص إلى المديح أحسن تخلص، وجاء من المديح بما بهر الألباب، واستفز أولي الآداب، وهو:
يذكرني قرب العراق وديعةلدى الله لا يسليه مال ولا أهل
حنته النوى بعدي وأضنته غيبتيوعهدي به كالليث جؤجؤه عبل
إذا ورد الحجاج لاقى رفاقهمبفوارتي دمع هما النجل والسجل
يسائلهم أين ابنه كيف دارهإلى م انتهى لم لم يعد هل له شغل
أضاقت به حال أطالت له يدأأخره نقص أقدمه فضل؟
يقولون وافى حضرة الملك الذيله الكنف المألوف والنائل الجزل
فقيد له طرف وحلت له حبيوخير له قصر ودر له نزل
يذكرهم بالله ألا صدقتملدي أجد ما تقولون أم هزل؟
كأن أبانا أودع الملك الذيقصدناه كنزا لم يسع رده مطل
ولما بلوناكم تلونا مديحكمفيا طيب ما نبلو ويا صدق ما نتلو
طوينا لرؤياك الملوك وإنمابمثلك عن أمثالهم مثلنا يسلو
فدى لك من أبناء دهرك من غداولا قوله علم ولا فعله عدل
فيا ملكا أدنى مناقبه العلىوأيسر ما فيه السماحة والبذل
هو البدر إلا أنه البحر زاخراسوى أنه الضرغام لكنه الوبل
محاسن يبديها العيان كما ترىفإن نحن حدثنا بها دفع العقل
فقولا لو سام المكارم باسمهليهنك إذ لم تبق مكرمة غفل
وجاراك أفراد الملوك إلى مدىوحقا لقد أعجزتهم ولك الخصل
سما بك من عمرو بن يعقوب محتدكذا الأصل مفخوراً به وكذا النسل
هذا هو الشعر الذي يخجل الدرر في الأسلاك، بل الدراري في الأفلاك. ولا غرو فهذا البديع هو إمام المقامات الذي صلى الحريري خلفه، وأشار إليه في ديباجة مقاماته بقوله: إن التصدي بعده لإنشاء مقامة، ولو أوتي بلاغة قدامة، لا يغترف إلا من فضالته، ولا يسري ذلك المسرى إلا بدلالته ولله القائل:
فلو قبل مبكاها بكيت صبابةبسعدي شفيت النفس قبل التندم
ولكن بكت قبلي فهيج لي البكابكاها فقلت الفضل للمتقدم
فإن البديع هو الذي أبدع المقامات، فأملى أربعين مقامة، عزا إلى أبي الفتح الإسكندري نشأتها، وإلى عيسى بن هشام روايتها، وضمنها ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين، من لفظ أنيق قريب المأخذ بعيد المرام، وسجع رشيق المطلع والمقطع كسجع الحمام، وجد يروق فيملك القلوب، وهزل يشوق فيسحر العقول. فقفى الحريري إثر عيسى بن هشام بالحرث ابن همام، وأثر الإسكندري بأبي زيد السروجي.
وسئل بعض علماء الأدب عن الحريري والبديع في مقاماتهما فقال: لم يبلغ الحريري أن يسمى بديع يوم، فكيف يقارب بديع الزمان.
رجع إلى ما نحن بصدده من حسن المناسبة في مراعاة النظير.
فمن المستحسن منه قول بديع الزمان أيضاً في الاعتذار من النحافة:
هلم إلى نحيف الجسم منيلتنظر كيف آثار النحاف
ولي جسد كواحدة المثانيله كبد كثالثة الأثافي
وما أحسن ما ناسب بين ألفاظ الأعداد وترقى فيها من الواحد إلى الثلاثة على ترتيبها، بمعنى يجمعها ويضم أطرافها. قال الباخرزي في الدمية: ولا يكاد ينقضي إعجابي بهذا البيت.
ومنه قول أبي منصور الثعالبي:
طالع يومي غير منحوسفسقني يا طارد البوس
خمرا كعين الديك في روضةكأنها حلة طاووس
وما ألطف وأبدع قول ابن مطروح:
لبسنا ثياب العناقمزررة بالقبل
ومثله قول العماد التلمساني:
شقت عليك يد الأسىثوب الدموع إلى الذيول
وأبدع القاضي الفاضل في قوله:
في خده فخ لعطفة صدغهوالخال حبته وقليب الطائر
ومنه قول الأديب أبي القاسم بن العطار:
وسنان ما أن يزال عارضهيعطف قلبي كعطفة اللام
لحاظه أسهم وحاجبهقوس وإنسان عينه رام
وقول التهامي:
وعصابة مال الكرى برؤوسهمميل الصبا بذوائب الأغصان
ما أحلى ما ناسب بين العصابة والرؤوس والذوائب. قال الصفدي: وهذا المعنى والألفاظ تكاد ترقص لها السطور، وتحلى بدرره الترائب من الغواني والنحور.
وما أعلم مثله في بديع صناعته غير قول أبي الطيب المتنبي:
على سابح موج المنايا ببحرهغداة كأن النبل في صدره وبل
فإنه ناسب فيه بين السابح والموج، والبحر والوبل.
ومنه قول الأديب الفاضل شرف الدين يحيى العصامي من فضلاء العصر:
سفينة أشعار هي البحر درهانتائج أفكار وشتى معارف
بها اللفظ كأس والمعاني مدامةوما ذاق منها نشوة غير عارف
وعلى ذلك فما ألطف قوله أيضاً:
رأى سقم الكتاب فمال عنهسقيم الجفن ذو حسن بديع
فقلت له فدتك النفس هلامراعاة النظير من البديع
ومما وقع لي من هذا النوع قولي من قصيدة طويلة مدحت بها الوالد:
كأن المذاكي المقربات يقودهاعرائس تجلى إذ يراد لها زف
وقد أسدلت من ثائر النقع دونهاستور ولم يرفع لمسد لها سجف
فناسب بين العرائس والزف، والستور والأسدال والسجف.
وقولي في مطلع قصيدة أخرى خمرية:
طاف بدر الدجى بشمس الكؤوسفي نجوم من الندامى جلوس
وقلت بعده:
فكأن المدام في الكأس إذ تجلى سراج يضيء في فانوس
قهوة عسجدية من كناهابنت رأس مقرها في الرؤوس
هي لهو لنا إذا حلت الكاسولاه في دنها للمجوس
لقبت بالعجوز وهي عروسفاعجب اليوم للعجوز العروس
هذا المعنى ما أظن أني سبقت إليه، ولا زاحمني أحد عليه، وكررته في قصيدة خمرية أخرى.
فقلت:
جليت كالعروس وهي عجوزمن عذيري من العروس العجوز
وقلت بعد البيت السابق وفيه شاهد لما نحن فيه أيضاً:
قام يسعى بها كعين الديك ساق في حلة الطاووس
ذو دالالة يبدي نفيس جمالفيفدى بغاليات النفوس
راضه السكر فاقتنى الرشأ الوحشي أنسا من خلقه المأنوس
بين حور من الحسان بدوروحوال من الغواني شموس
ورياض بها الأقاح ثغوريتبسمن في الزمان العبوس
يا ليالي الهنا إلينا فأنافي زمان المدام من كل بوس
قد حسونا من السلاف رضاباورشفنا الثغور رشف الكؤوس
وجمحنا عن الهموم شماسامذ غدونا على الكميت الشموس
هذا أيضاً فيه حسن المناسبة بين الجموح والشماس، والكميت والشموس.
وأما النوع الثاني من مراعاة النظير، وهو ما كانت المناسبة فيه ظاهرية فأعظم شواهده قول أبي العلاء المعري:
وحرف كنون تحت راء ولم يكنبدال يؤم الرسم غيره النقط
فإنه ناسب بين حروف الهجاء والرسم والنقط، ومقصوده غيرها، لأنه أراد (بالحرف) الناقة و (بالراء) الراكب الذي يضرب رئتها، و (بالدال) الرافق بها، و (بالرسم) رسم المنزل، و (بالنقط) المطر.
ومثله قوله أيضاً:
إذا صدق الجد افترى العم للفتىمكارم لا تخفى وإن كذب الخال
فناسب في الظاهر بين الجد الذي هو أب الأب، والعم الذي هو أخوه، والخال الذي هو أخو الأم، وليس ذلك مقصوده، بل أراد (بالجد) الحظ و (بالعم) الجماعة من الناس، و (بالخال) الظن. ولا يخفى أن هذا النوع من التورية، وسيأتي الكلام عليه في محله إنشاء الله تعالى.
واعلم أن الشاعر متى أدخل بين الألفاظ المناسبة لفظا غير مناسب عد نقصا وعيبا كما عيب على أبي نواس قوله:
قد حلفت يمينامبرورة لا تكذب
برب زمزم والحوض والصفا والمحصب
فإن ذكر الحوض هنا غير مناسب للمذكورات، وإنما يناسب الحشر والميزان والسراط.
وكذا يعاب على الشاعر إذا قرن بين لفظين غير متناسبين. كما حكى ابن جني أنه اجتمع الكميت مع نصيب، فأنشد الكميت (هل أنت عن طلب الإيفاع منقلب).
حتى إذا بلغ إلى قوله:
أم هل ظعائن بالعلياء نافعةوإن تكامل فيها الدل والشنب
عقد نصيب بيده واحدا، فقال الكميت: ما هذا؟ فقال: أحصي خطأك تباعدت في قولك: الدل والشنب.
ألا قلت كما قال ذو الرمة:
لمياء في شفتيها حوة لعسوفي اللثات وفي أنيابها شنب
وهذا مما يدلك على أن المحسنات البديعية كانت معتبرة عند العرب وأنهم يهتمون بها ويعدون خلافها خطأ وعيبا في الكلام.
وبيت بديعية الشيخ صفي الدين الحلي في هذا النوع قوله:
تجار لفظ إلى سوق القبول بهامن لجة الفكر تهدي جوهر الكلم
المناسبة فيه بين التجار والسوق، واللجة والجوهر.
وبيت بديعية ابن جابر الأندلسي قوله:
يروي حديث الندى والبشر عن يدهووجهه بين منهل ومبتسم
قال رفيق الناظم - أبو جعفر - شارح هذه البديعية: العنعنة في البيت ب (عن) تناسب الرواية في الحديث، والندى والبشر فيهما مناسبة الكرم. انتهى.
قال ابن حجة: هذا لعمري جهد من لا جهد له، وإلا فهذا البيت ما رأيت له وجها تظهر به مراعاة النظير، ولا بينه وبين النسبة البديعية نسب ثابت. انتهى.
وأنا أقول: إن المناسبة في البيت أظهر من أن تخفى، ولا أعلم كيف لم يبينها الشارح بأكثر مما ذكر. فإن بين الرواية والحديث وعن مناسبة - كما قال - وبين البشر والوجه والابتسام مناسبة أخرى ظاهرة لم ينبه عليها الشارح، ولم يرها ابن حجة، مع أن الأعمى إنما هو الناظم.
وبيت بديعية الشيخ عز الدين الموصلي قوله:
وارع النظير من القوم الآلي سلفوامن الشباب ومن طفل ومن هرم
المناسبة فيه ظاهرة وهي بين الشباب والطفل والهرم.
وبيت بديعية ابن حجة قوله:
ذكرت نظم اللآلي والحباب لهراعى النظير بثغر منه منتظم
المناسبة بين نظم الآلي والحباب والثغر المنتظم، ومعنى البيت أنه ذكر الآلي والحباب لمحبوبه، فراعى النظير بثغر منه منتظم، كأنه تبسم عند ذكر ذلك له.
فكان يجب عطف قوله: راعى النظير (بالفاء) على قوله (ذكرت) كما قدرناه ليفهم المعنى ويصح التركيب، والوصل بين الجملتين بالعطف متعين في مثل هذا التركيب عند أرباب المعاني، وبسبب هذا الفصل خفي معنى البيت على بعض الأدباء، فأعرب الحباب مبتدأ، وجعل قوله: راعى النظير خبره وأعاد الضمير المستتر (في راعى) على الحباب، واستعار له الثغر، وهذا خبط منه سببه هذا الفصل القبيح والصواب ما ذكرناه أولا.
ولا أعجب إلا من إعجاب ابن حجة بهذا البيت حتى قال: إن مهجته ذابت لعدم الإطناب في مدحه، مع أن ما ذكره فيه فوق الإطناب والله أعلم.
والشيخ عبد القادر الطبري جمع بين هذا النوع والتخلص في بيت واحد فقال:
راعي النظير طوى نشر العلى عملارام التخلص للمختار في الأمم
ليس في هذا البيت من مراعاة النظير شيء أصلا غير الاسم، وأما قوله: طوى نشر العلى فهو مطابقة لا مناسبة، وقد تقدم تقييدهم المناسبة في هذا النوع بكونها لا بالتضاد، احترازا من المطابة. وأما معنى البيت فعلمه عند ربه. وما أقبح هذا التخلص الذي أتى به، فإن الاقتضاب أحسن منه بكثير.
وبيت بديعيتي هو قولي:
وقد قصدت مراعاة النظير لهممن جلنار ومن ورد ومن عنم
المناسبة بين الجلنار والورد والعنم ظاهرة، لكن في تناسب هذه الثلاثة في اللون وهو الحمرة مناسبة معنوية أخرى، والعنم قال في القاموس: شجرة حجازية لها ثمرة حمراء يشبه بها البنان المخضوب.
وبيت بديعية الشيخ شرف الدين المقري قوله:
قلبي الكليم بموسى اليأس من خضرهود بإسحاقه عيسا خليلهم
مراعاة المناسبة في هذا البيت من النوع الثاني من مراعاة النظير، فإنه ناسب في الظاهر بين أسماء الأنبياء ﵈، ومقصوده غيرها.
قال ناظمه في شرحه: معناه، قلبي الكليم، أي الجريح، بموسى اليأس هنا ضد الرجاء واستعار له موسى يجرح بها، وقوله: من خضر، صفة محبوبه. ثم قال: (هود بإسحاقه عيسا خليلهم) فعيسا: تثنية عيس وهي الإبل، والإسحاق: الإبعاد، وهاد: إذا رجع.
يقول: إن الإبل هود بإبعاده، أي راجعة بإبعاده. يقال: هادت الإبل تهود هودا، فهي هود، إذا رجعت. انتهى بنصه.
ولعمري لقد تكلف الشيخ في هذا البيت ما شاء، والسهولة والانسجام غير هذا.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع