من «أنوار الربيع في أنواع البديع» لابن معصوم المدني (ت ١١١٩هـ)
التوجيه
رفعت حالي إليهم إذ خفضت وقدنصبت طرفي إلى توجيه رسلهم
التوجيه، قال ابن حجة: مصدر توجه إلى ناحية كذا، إذا استقبلها وسعى نحوها. انتهى.
وهو غلط واضح دل على عدم معرفته باللغة والصرف، وإنه كان فيهما راجلا جدا، إذ لا يخفى على أصغر الطلاب أن التوجيه مصدر وجهه إلى كذا توجيها، كما يقال: وجهت وجهي لله سبحانه. وقد يقال: وجهت إليك، بمعنى توجهت، لازما. وأما توجه، فمصدره التوجه، وهذا أمر قياسي ولا يحتاج فيه إلى سماع.
قال ابن مالك في الخلاصة:
وغير ذي ثلاثة مقيسمصدره كقدس التقديس
وزكه تزكية وأجملاإجمال من تجملا تجملا
قال ابنه في شرحها: إن كان الفعل على فعل فمصدره من الصحيح اللام، على تفعيل نحو قدس تقديسا، وعلم تعليما. ومن المعتل على تفعلة، نحو زكى تزكية، وغطى تغطية. وإن كان على تفعل فمصدره على تفعل، نحو تجمل تجملا، وتعلم تعلما، وتفهم تفهما. انتهى.
وابن حجة لم يتعلم ولم يتفهم، فجعل التوجيه مصدر توجه، قولا بغير علم.
وأما التوجيه في اصطلاح البديعيين فهو عند جماعة كالسكاكي، والخطيب والطيبي اسم لمسمى الإبهام المتقدم ذكره، وهو إيراد الكلام محتملا لمعنيين متضادين لا يتميز حدهما عن الآخر، كالمديح والهجاء وغيرهما، والإبهام عند هؤلاء: اسم مرادف للتورية لا لهذا المعنى.
وجاء جماعة من المتأخرين فجعلوا الإبهام اسما لإيراد الكلام محتملا لمعنيين متضادين، لأنهم رأوا أن هذا الاسم أليق بهذا المسمى من التوجيه وقد مر الكلام على الإبهام بهذا المعنى مستوفى في محله مع ذكر شواهده. وجعلوا التوجيه عبارة عن أن يؤلف المتكلم مفردات بعض كلامه أو جمله، ويوجهها إلى أسماء متلائمة من أسماء الأعلام، أو قواعد العلوم، أو غيرها توجيها مطابقا لمعنى اللفظ الثاني من غير اشتراك حقيقي بخلاف التورية. وبهذا يظهر الفرق بينه وبين التورية خلافا لمن أدخله فيها. وسيأتي مزيد بيان للفرق بينهما في أواخر هذا الباب إن شاء الله تعالى.
وهذا الحد للتوجيه هو مذهب الشيخ صفي الدين الحلي، وعليه نشج بيت بديعيته، وهي نتيجة سبعين كتابا في هذا الفن، وعلى منواله نسج ابن حجة بديعيته، وكذا الشيخ عبد القادر الطبري، والعلوي، وهو الطريق الذي سلكته أنا أيضاً في بيت بديعيتي كما سيأتي فمن التوجيه بأسماء الأعلام قول الشيخ علاء الدين الوداعي وأجاد ما شاء:
من أم بابك لم تبرح جوارحهتروي أحاديث ما أوليت من منن
فالعين عن قرة والكف عن صلةوالقلب عن جابر والأذن عن حسن
الشيخ علاء الدين أحرز قصبات السبق في مضمار هذا النوع بهذين البيتين، وأبدى بهذا التوجيه وجوها أسفرت عن محاسن هي شنوف للسمع وقرة للعين، وبمثل طيب هذه الآثار فليتمسك الأديب، وبنحو هذه الرواية فليتوثق الأريب، ولا غرو أن صدرناهما على سائر الشواهد في هذا الباب، فاستحقاقهما للتصدير معترف به عند أولي الألباب.
وما أحسن مناسبته بين القرة والعين، والصلة والكف، والجبر والقلب والسمع والحسن.
أما قرة فقال ابن حجة: هو قرة بن خالد السدوسي. وليس بمتعين لأنه اسم لجماعة من الرواة منهم قرة بن أياس أبو معاوية المزني، له صحبة عنه ابنه، ومنهم قرة بن موسى الهجيمي، وعنه قرة بن خالد، ومنهم قرة بن بشر الكلبي، عن أبي برده، وعنه أخوه إسماعيل بن أبي خالد.
وأما صلة، فقال بن حجة: هو صلة بن أشيم العدوي، كان من كبار التابعين، والأولى أن يكون صلة بن زفر العبسي لأنه أشهر من ذاك وقد روى عن علي ﵇ وعبد الله وعمار.
وأما جابر فهو اسم لجماعة كثيرين من الرواة أعظمهم جابر بن عبد الله صاحب رسول الله ﵌.
وأما الحسن فقال ابن حجة: هو الحسن البصري، وليس بمتعين أيضاً لكثرة الرواة المسمين بهذا الاسم، ومنهم صحابيون، فتخصيصه بالحسن البصري لا وجه له.
والوادعي المذكور صاحب البيتين هو الشيخ علي بن المظفر بن إبراهيم الكندي الإسكندراني.
وعلى ذكره، فقد اتفقت لي نكتة لطيفة لا بأس بذكرها هنا استطرادا وهي: أني كنت في بعض الأيام في مجلس مع بعض الأصحاب، فتجاذبنا أهداب الصحبة والحديث من قديم وحديث، فكان في جملة ما حدثني به أن قال: أني دخلت شيراز في أيام الشبيبة مع رفقة لي فرأينا في بعض مساجدها أيام مولد النبي ﵌ شيخا كبيرا من أهل العجم أناف سنه على التسعين، وجف من ماء عمره العذب المعين، وهو يقرأ في المولد، فبينا نحن جلوس إذ وضع عمامته عن رأسه فبدت له ذؤابة بيضاء تنوس عذبتها. قال: فاستغربنا في الضحك من ذلك، إذ لم نعهد الذؤابة في بلادنا إلا للصبيان، فضحكت أنا من هذه الحكاية، واستطرفت هذه الرواية.
فلم يمض على ذلك يوم أو يومان حتى وقفت في الدرر الكامنة - تاريخ أهل المائة الثامنة - للحافظ بن حجر العسقلاني، على ترجمة الشيخ علاء الدين الوداعي المذكور، وقال فيها: وكانت له ذؤابة بيضاء إلى أن مات، وفيها يقول:
يا عائبا مني بقاء ذؤابتيمهلا فقد أفرطت في تعييبها
قد واصلتني في زمان شبيبتيفعلام أقطعها أوان مشيبها
فتعجبت في نفسي من هذا الاتفاق، وقلت: إن هذين البيتين قاما لذلك الرجل العجمي مقام العذر، وكان له أسوة في إبقاء ذؤابته بالشيخ علاء الدين رحمه الله تعالى.
قال ابن حجة: كانت وفاة الشيخ علاء الدين المذكور في رجب سنة ست عشرة وسبعمائة.
قال: وكان شديدا في مذهب التشيع رحمه الله تعالى. انتهى.
رجع. ومن التوجيه بأسماء الأعلام أيضاً قول ابن النقيب يهجو:
أرح ناظري من عابس الوجه يابسله خلق صعب ووجه مقطب
أقول له إذ آيستني صفاتهوإن قيل أني في المطابع أشعب
متى يظفر الآتي إليك بسؤلهوينجح من مسعاه قصد ومطلب
ولومك سيارٌ وشرك ياسرووجهك عباس وخلقك مصعب
وقول محي الدين بن عبد الظاهر يصف نهرا:
إذا فاخرته الريح ولت عليلةبأذيال كثبان الربى تتعثر
به الفضل يبدو والربيع وكم غدابه الروض يحيى وهو لا شك جعفر
ومثله قول بعضهم:
بخالد الأشواق يحيى الدجىيعرف هذا العاشق الوامق
خذوا حديث الوجد عن جعفرمن دمع عيني إنه الصادق
وقلت أنا في التوجيه بأسماء الرواة:
صح عن جوده حديث العطايامستفيضا ما بين باد وقار
كم رجاء فيه روى عن وفاءعن عطاء عن واصل عن يسار
فرجاء اسم لعدة من الرواة. ووفاء، هو وفاء بن شريح المصري، رو عن رويفع بن ثابت وغيره، وعنه بكر بن سوادة، وزياد بن نعيم. وعطاء اسم لاثنين وعشرين راويا، منهم جلة أعلام كعطاء بن أبي رباح، وابن السائب الثقفي الكوفي، وعطاء بن يسار، كان من كبار التابعين. وواصل، اسم جماعة من الرواة أيضاً، منهم واصل بن حيان الأسدي، وابن السائب الرقاشي وابن عبد الأعلى. ويسار جماعة، منهم يسار بن زيد مولى النبي ﵌، روى عن أبيه وعنه ابنه بلال، ويسار أبو نجيح روى عن ابن عباس وابن عمر.
فهذه خمسة من أسماء الرواة وقع بها التوجيه مع تمام المناسبة بينها وبين المعنى المقصود.
ومنه قول شيخنا العلامة محمد بن علي الشامي من قصيدة يمدح بها الوالد:
كم للزمان ولا أخشى بوائقهمن ضنةٍ ولعين الملك من جود
عف الشبيبة ميمون النقية منصور الكتيبة مأمون المواعيد
ومما علق بخاطري من هذه القصيدة قوله:
أخلاق أحمد في تقوى أبي حسنوحسن يوسف في ملك ابن داود
لا يحسن الشعر غلا في مدائحهكالدر أحسن ما يبدو على الجيد
ومن التوجيه بأسماء القبائل قول زين الدين بن الوردي وأجاد:
هويت أعرابية ريقهاعذب ولي فيه عذاب مذاب
رأسي بنو شيبان والطرف مننبهان والعذال فيها كلاب
ومن التوجيه بأسماء الرجال أيضاً قول بعضهم في الخمر:
تخبر عن نافع فإن قرأتلابن كثير روت لعباس
فهي لنا شمسة الزمان فماتكسف إلا بعقدة الرأس
وقول بعضهم:
سهري من المحبوب أصبح مرسلاوأراه متصلا بفيض مدامعي
قال الحبيب بأن ريقي نافعفاسمع رواية مالك عن نافع
وقول الوزير مؤيد الدين العلقمي رحمه الله تعالى:
ثراؤك موهوب وبرك كاملوحظك مسعود وفضلك منجح
وفعلك محمود ورأيك صالحووجهك وضاح وسعيك مصلح
وطبعك مشكور وعرضك سالموجدك منصور وراجيك مفلح
ومن التوجيه بأسماء الكتب أيضاً قول بعضهم:
وظبي معانيه معان بديعةله حار فكري إذ حوى كل معجز
قرأت مقامات الحريري كلهابعارضه مشروحة للمطرزي
وقول تقي الدين السروجي:
تفقهت في عشقي لمن قد هويتهولي فيه بالتحرير قول ومذهب
وللعين تنبيه به طال شرحهوللقلب منه صدق ود مهذب
وقول أمين الدين السليماني:
لو أنه الكشاف من لمع الهوىلرأى مفصل ذا الغرام ومجمله
أو لو رأى إيضاح نور جبينهجعل الوصال لعاشقيه تكمله
وقول بعضهم دوبيت:
الصب بحبكم عراه الولهفي طوع هواكم عصى عذله
إيضاح غرامه غدا تكملةإذا صار مفصل الهوى مجمله
ومن التوجيه بأسماء سور القرآن قول السراج الوراق:
كل قلب علي كالصخر ملآن وهيهات أن تلين الصخور
مغلق الباب ما تلا سورة الفتح وقاف من دونها والطور
وقول الشيخ علي بن ملك: ت
ألا يا بني الروم القتال فدونكمفأنا تدرعنا الحديد إلى الحشر
ولا زال آي الفتح تتلو رماحناوأسيافنا تتلو بها سورة النصر
وقول الشيخ عبد الرحمن العباسي:
وزلزلة كادت تهد بعزمهاأقاليم لا يبقى لها أبدا أثر
وواقعة قد صار منها تغابنعلى الروم لا تنفك أو يحصل الحشر
لقد سئموا وقع الحديد فلا يرىلهم همة نحو القتال ولا كر
فائدة - قال الحافظ السيوطي في الإتقان: التوجيه بالألفاظ القرآنية في الشعر وغيره جائز بلا شك.
وروينا عن الشريف تقي الدين الحسيني أنه لما نظم قوله:
مجاز حقيقتها فاعبرواولا تعمروا هونوها تهن
وما حسن بيت له زخرفتراه إذا زلزلت لم يكن
خشي أن يكون ارتكب حراما باستعماله هذه الألفاظ القرآنية في الشعر فجاء إلى شيخ الإسلام تقي الدين بن دقيق العيد ليسأله عن ذلك، فأنشده إياهما فقال له: قل (فما حسن كهف له زخرف)، فقال له: يا سيدي أفدتني وأفتيتني. انتهى.
ولابن جابر قصيدة في التوجيه بجميع أسماء السور مدح بها النبي ﵌ وأولها:
في كل فاتحة للقول معتبرهحق الثناء على المبعوث بالبقرة
وهي قصيدة طويلة ذكرها رفيقه في شرح بديعيته فلا حاجة بذكرها هنا، وعارضها جماعة فما شقوا لها غبارا.
وما أحسن قول الآخر:
لي عبرة في المرسلات ومهجةفي النازعات ومقلة في هل أتى
ومثله قول محمد بن عيسى الخالدي:
في النازعات غدا من باب يعشقكموالعاديات عليه منكم الحدق
وبالحديد تلاقوه إذا انفطرتأكباده وهو بالإخلاص يحترق
والذاريات جفوني حشوها أرقوالمرسلات على الخدين تستبق
وقول الآخر:
إذا ما غدا مثل الحديد فؤادهفو العصر إن العاشقين لفي خسر
ومن التوجيه بأسماء المذاهب قول بعضهم:
قلت وقد لج في معاتبتيوظن أن الملال من قبلي
خدك ذا الأشعري حنفنيوكان من أحمد المذاهب لي
حسنك ما زال شافعي أبدايا مالكي كيف صرت معتزلي
ذكرت ما وقفت عليه في بعض الكتب الأدبية: إن بعض المغفلين سأل بعض العلماء: إن الناس قد اختلفت مذاهبهم، فما مذهب الله تعالى؟ وما مذهب رسول الله ﵌؟ وما مذهب علي بن أبي طالب أمير المؤمنين ﵇؟ فقال له: الله مالكي، والنبي شافعي، وعلي إمامي، فاستحسن منه هذا الجواب.
ومن التوجيه بقواعد العلوم قول القاضي شرف الدين المقدسي موجها بألفاظ من قواعد الفقه:
احجج إلى الزهر لتحظى بهوارم جمار الهم مستنفرا
من لم يطف بالزهر في وقفةمن قبل أن يحلق قد قصرا
وقول ابن جابر موجها بألقاب الحديث:
قالت أعندك من أهل الهوى خبرفقلت أني بذاك العلم معروف
مسلسل الدمع من عيني مرسلهعلى مدبج ذاك الخد موقوف
وقلت أنا في ذلك وفيه نكتة لطيفة:
روى لنا المشط حديثا عجبامن فرعها الداجي كليل اليل
إذ أرسلته واردا مسلسلافاعجب له من مرسل مسلسل
ومن التوجيه في علم النحو قول البوصيري في البردة:
خفضت كل مقام بالإضافة إذنوديت بالرفع مثل المفرد العلم
وقول أمين الدين علي السليماني:
أضيف الدجى معنى إلى لون شعرهفطال ولولا ذاك ما خص بالجر
وحاجبه نون الوقاية ما وفتعلى شرطها فعل الجفون من الكسر
وقوله أيضاً:
نصبت على التمييز إنسان مقلتيأشاهد قدا منه نصبا على الظرف
أأخشى فراقا بعدها أو قساوةوقد جاء واو الصدغ للجمع والعطف
وقول ابن العفيف التلمساني:
ومستتر من سنا وجههبشمس لها ذلك الصدغ في
كوى القلب مني بلام العذارفعرفني أنها لام كي
وما ألطف قول ابن الحنبلي:
ضممت إلى صدري فتاة صغيرةلها سحر أجفان خلون عن الذم
فمذ كسرت أجفانها قلت أنهاعلى الفتح لم تقدر فمالي سوى الضم
ومن لطيف ما يحكى هنا: أنه كان بالعراق عاملان أحدهما اسمه عمر والآخر اسمه أحمد، وكان عمر عادلا في حكومته، لكنه فقير، وكان لأحمد مال ينفقه على من يسعى له في الولاية. فعزل عمر عن ولايته، واستقر أحمد مكانه بسبب المال.
فقال بعض الشعراء في ذلك:
أيا عمر استعد لغير هذافأحمد بالولاية مطمئن
فإن تك فيك معرفة وعدلفأحمد فيه معرفة ووزن
ونحو ذلك قول كمال الدين الشرفي في قاض عزل اسمه أحمد الرازي:
يا أحمد الرازي قم صاغراعزلت عن أحكامك المسرفه
ما فيك إلا الوزن والوزن لايمنعك الصرف بلا معرفه
ومثله قول ابن عنين فيمن عزل عن وظيفته وكانت سيرته غير مشكورة:
شكى ابن المؤيد من عزلهوذم الزمان وأبدى السفه
فقلت له لا تذم الزمانفتظلم أيامه المنصفه
ولا تغضبن إذا ما صرفتفلا عدل فيك ولا معرفة
وقال الغزي:
غيري له المجد والأيام تقسم بيوهي الجديرة بالضيزى من القسم
أظنها أقسمت باسمي لتخفضنيولم يكن غير فضلي أحرف القسم
ومن أحسن ما يقع في هذا الباب ما وافقت ألفاظه صفاتها، كأن يكون الموصوف بأسماء أدوات الإعراب لفظة معربة بها.
قال الصلاح الصفدي: لم أر من استعمل هذا المعنى وأتى به كاملا غير الشهاب التلعفري في قوله:
وإذا الثنية أشرقت وشممت منأرجائها أرجا كنشر عبير
سل هضبها المنصوب أين حديثها المرفوع عن ذيل الصبا المجرور
فانظر كيف نصب الهضب، ورفع الحديث، وجر ذيل الصبا. وهذا في غاية الحسن مع كمال الانسجام وعدم التكلف في التركيب.
وقد نظم هذا المعنى التلعفري أيضاً فقصر عن هذه الغاية في قوله:
قل للصبا سرا فإن لها شذىيضحى لما يفضي إليه مذيعا
يا ذيلها المجرور عن هضب الحمى المنصوب هات حديثها المرفوعا
قلت: وقد شن الغارة الشيخ صفي الدين الحلي على الشهاب التلعفري حيث قال في رياض الميطور بدمشق:
إن جزت بالميطور مبتهجا بهونظرت ناضر دوحه الممطور
وأراك بالآصال خفق هوائه الممدود تحريك الهوى المقصور
سل بأنه المنصوب أين حديثه المرفوع عن ذيل الصبا المجرور
والشهاب التلعفري أقدم أم الصفي الحلي، لأن التلعفري توفي قبل أن يولد الصفي بسنتين.
وممن نظم هذا المعنى وقصر فيه ابن حجة حيث يقول:
رفعتم قبابا نصب عيني ونحوهاتجر ذيول الشوق والقلب يجزم
فيا عرب الوادي المنيع جنابهوأعني به قليب الذي فيه خيموا
فائدة: - التلعفري نسبة إلى تلعفر - بفتح التاء المثناة من فوق وتشديد اللام، وسكون العين المهملة، وبعدها راء مهملة - قرية من أعمال الشام، ويعرف بهذه النسبة شاعران.
أحدهما أبو الحسن علي بن أحمد التلعفري، كان شاعرا مطبوعا مقتدرا، من أقران أبي الفرج الببغاء وأبي عثمان الخالدي، ونحوهما من مذكوري الشعراء.
ومن شعره ما أنشده له الثعالبي في يتيمة الدهر:
يا راكب العيس قف وعرجواقرأ سلامي على بني طي
وقل لهم ظبيكم جفانيلما رآني وما معي شي
وأنشد له من قصيدة:
من ذا يدل على الرقاد جفونيقد ضاع بين صبابتي وشجوني
أما النجوم فقد ألفن رعايتيوالعائدات فقد مللن أنيني
وللسلامي فيه هجاء كثير، وسبب ذلك: أن السلامي لما خرج من مدينة السلام ورد الموصل وهو صبي حين راهق. فوجد بها أبا عثمان الخالدي، وأبا الحسين التلعفري المذكور، وأبا الفرج الببغاء، وغيرهم من شيوخ الشعر فلما رأوه عجبوا منه واتهموه بأن الشعر ليس له.
فقال الخالدي: أنا أكفيكم أمره، فاتخذ دعوة جمع الشعراء فيها، وحصل السلامي معهم، فلما توسطوا الشراب، أخذوا في ملاحاته والتفتيش عن قدر بضاعته، فلم يلبثوا أن جاء مطر شديد، وبرد ستر الأرض كثرة، فألقى أبو عثمان نارنجا كان بين أيديهم على ذلك البرد وقال: ي أصحابنا هل لكم في أن نصف هذا؟ فقال السلامي ارتجالا:
لله در الخالدي الأوحد الندب الخطير
أهدى لماء المزن عند جموده نار السعير
حتى إذا صدر العتاب إليه عن حنق الصدور
بعثت إليه بعذرهمع خاطري أيدي السرور
لا تعذلوه فإنهأهدى الخدود إلى الثعور
فلما رأوا ذلك أمسكوا عنه وأخذوا يصفونه بالفضل، ويعترفون له بالحذق إلا التلعفري فإنه أقام على قوله الأول، حتى قال فيه السلامي:
يا شاعرا بسقوطه لم يشعرما كنت أول طامع لم يظفر
لو كنت تعرف والدا تسمو بهلم تنتسب ضعة إلى تلعفر
تاه ابن نابغة الفوق على الورىبقذال صفعان ونكهة أبخر
وبلادة في الشعر تشهد أنهتيس ولو نصرت بطبع البحتري
يحلو بأفواه الأنامل صفعهحتى كأن قذاله من سكر
وقال فيه أيضاً:
سما التلعفري إلى وصاليونفس الكلب تكبر عن وصاله
ينافي خلقه خلقي فتأبىفعالي أن تضاف إلى فعاله
فصنعتي النفيسة في لسانيوصنعته الخسيسة في قذاله
فإن أشعر فما هو من رجاليوإن يصفع فما أنا من رجاله
ولم أقف على تاريخ ولادة التلعفري المذكور ولا وفاته، إلا أنه من أهل المائة الرابعة.
والشاعر الثاني، هو شهاب الدين محمد بن يوسف بن مسعود بن بركة الشيباني التلعفري، الأديب البارع المشهور ولد بالموصل سنة ثلاث وتسعين وخمسمائة، واشتغل بالأدب، ومدح الملوك والأعيان، وكان خليعا ممتحنا بالقمار، وكلما أعطاه الملك الأشرف شيئا قامر به، فطرده إلى حلب فمدح العزيز فأحسن إليه، وقرر له رسوما، فسلك ذلك المسلك في القمار، فنودي في حلب من قامر الشهاب التلعفري قطعت يده، فضاقت عليه الأرض، فارتحل من حلب إلى دمشق، ولم يزل يستجدي ويقامر حتى بقي في أتون حمام، وفي الآخر نادم صاحب حماة، وله ديوان شعر مشهور.
ومن شعره قوله:
أقلعت إلا عن العقاروتبت إلا عن القمار
فالكأس والزهر ليس يخلومنه يميني ولا يساري
ومن رقيق شعره قوله أيضاً:
ألا يا صاحبي هذا المصلىوتلك ملاعب الظبي الرخيم
فحي وقل سلاما من سليمبذي سلم على الرشأ السليم
وسل غزلان وادي بان سلعإذا سنحت عن العهد القديم
وعرض بي فما لي من جنانيلاقي بي ظبا ذاك الصريم
وفي تلك الخيام هلال خدرغرامي في محبته غريمي
روى عن خصره جسمي وأدىصحيحا مسند الخبر السقيم
يخاف قضيب قامته انهصارافلم يبرح يميل مع النسيم
وقوله أيضاً:
يا خليلي وللخليل حقوقواجبات الأداء في كل حاله
سل عقيق الحمى وقل إذ تراهخاليا من ظبائه المختاله
أين تلك المراشف العسليات وتلك المعاطف العسالة
وليال قضيتها كلآلمع غزال تغار منه الغزاله
بابلي اللحاظ والريق والألفاظ كل مدامة سلساله
وسقيم الجفون والخصر والعهد فكل تراه يشكو اعتلاله
ونقي الجبين والخد والثغر فطوبى لمن حسا جرياله
طويل الصدود والشعر والمطل ومن لي بأن يديم مطاله
وقوله أيضاً:
لم أزل مكثرا عليه السؤالاوجوابي ما عنده لي سوى لا
كلما رمت رشف معسول فيههز لي من قوامه عسالا
وتثنى عجبا وماس دلالاوانثنى معرضا وصال وقالا
كان عهدي بالخمر وهي حرامفبماذا صارت لديك حلالا
ما كأني في الحب إلا فقيهجئته ابتغي لديه الجدالا
أنا قصدي تقبيله أرشاداكان رشفي رضابه أم ضلالا
هازئا بالغصون عطفا وبالكثبان ردفا وبالرماح اعتدالا
وبضوء الصباح ثغرا وبالظلماء شعرا وبالبدور جمالا
ما شجاني فقدي لحبة قلبيعندما صاغها لخديه خالا
ما ألطف هذا المعنى وأحلاه، وله كل مقطوع لطيف، ومعنى طريف.
وكانت وفاته سنة خمس وسبعين وستمائة. وإنما آثرت إيراد هذه الفائدة هنا لأنه كان وقع في بعض المجالس ذكر الشهاب التلعفري المذكور، فلم يعرف له أحد من الحاضرين ترجمة، ولا فرقوا بينه وبين أبي الحسين التلعفري المقدم ذكره، فأحببت التنبيه على ذلك هنا عندما عن ذكر الشهاب التلعفري، والاستشهاد بشيء من شعره في التوجيه. ولنرجع إلى ما كنا بصدده من أمثلة التوجيه بقواعد النحو.
فمنه قول ابن أبي الإصبع:
أيا قمرا من حسن وجنته لناوظل عذاريه الضحى والأصائل
جعلتك للتمييز نصبا لناظريفهلا رفعت الهجر والهجر فاعل
ويحكى أنه دخل رجل مجلس كافور الأخشيدي، ودعا له وقال في دعائه: أدام الله أيام مولانا - بكسر الميم - فتحدث جماعة من الحاضرين في ذلك وعابوا عليه.
فقام أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الله النجيرمي اللغوي كاتب كافور وأنشد مرتجلا:
لا غرو أن لحن الداعي لسيدناأو غص من دهش بالريق أو بهر
فتلك هيبته حالت جلالتهبين الأديب وبين القول بالحصر
وإن يكن خفض الأيام من غلطفي موضع النصب لا عن قلة النظر
فقد تفاءلت من هذا لسيدنافالفال مأثورة عن سيد البشر
بأن أيامه خفض بلا نصبوأن دولته صفو بلا كدر
وما أحسن قول الآخر:
كأن النوى إذا نادت الدمع رخمتولا أثر فيها أجاب على العين
جعل استلزام النوى للبكاء نداء منها للدمع، ولما كان يبكي دما قال: كأن النوى قالت للدمع - على ترخيم المنادي - يا دم.
وقال ابن عنين في الهجاء:
مال ابن ماذة دونه لعفاتهخرط القتاد أو مناط الفرقد
مال لزوم الجمع منع صرفهفي راحة مثل المنادى المفرد
وقد تقدم في نوع الاقتباس جملة مقنعة من هذا النوع، فلنكتف منه هنا بهذا المقدار.
ومن التوجيه في النحو والعروض قول بعضهم يهجو:
لا تنكروا ما ادعى الأديب فلان من الشعر أنه قادر
يقصر ممدوده ويرفعهفي الجر نصب الغرمول في الآخر
يريك وهو البسيط دائرةتجمع بين الطويل والوافر
ومن التوجيه في العروض قول الشيخ جلال الدين بن الصفار:
لتعليق قلبي في رسوم خيالكممثال له نثر الدموع رسائل
بكائي سريع والجوى متواتروحزني طويل والأسى منه كامل
وبحر دموعي وافر في مد يدهسفائنه الأجفان والخد ساحل
وقول الشاعر عبد علي بن رحمة الحويزي ﵀:
قلت لمن قد جفا فأضحىجسمي من هجره عليلا
قصرت مني طويل حبوالقصر لا يلحق الطويلا
وقوله:
يقول لي الألى جهلوا مكانيببحر وافر ماذا تقول
فقلت لهم كشأنكم وشأنيمفاعيلن مفاعيلن فعول
ومن التوجيه في علم المعاني قول ابن رحمة المذكور أيضاً:
إن كان قاطعني الحبيب مواصلالطريق زناء مباح الأسفل
فصناعة الفصحاء قادته إلىترك الحقيقة للمجاز المرسل
وقوله:
أتظن تنكير اللئيم محقرالك إن كساك الفضل ثوب عظيم
لا تخش من تنكيره فبمثل ذايتعين التنكير للتعظيم
ومن التوجيه في علم البديع قول الشيخ شرف الدين العصامي:
رأى سقم الكتاب فمال عنهسقيم الجفن ذو حسن بديع
فقلت له فدتك النفس هلامراعاة النظير من البديع
وقول الشيخ عبد علي بن رحمة:
أبدى ضروب بديع طرفه فلهفي فتية العشق تصريع وتشطير
وقلت أنا في ذلك وفيه من الرشاقة ما لا يخفى:
ليس احمرار لحاظه من علةلكن دم القتلى على الأسياف
قالوا تشابه طرفه وبنانهومن البديع تشابه الأطراف
ومن التوجيه في علم المنطق قول ابن رحمة رحمه الله تعالى:
أوجبت للقلب الجوى وسلبتهصبرا يدافع سورة الإلهاب
فنتجن أشكال السرور سوالبالقضيتين السلب وافيجاب
وقوله:
وممتنع على المعروف أضحىمن الإمكان حيرة كل عارف
يفيد ضرورة الطرف المواليويسلبها عن الطرف المخالف
وقوله:
تجيء بزور القول ثم تلومنيعليه وهذا مطلب غير معقول
وترجوا احتمالي ما وضعت علي منحديثك والموضوع ليس بمحمول
وقوله:
لم تصلني تصورات زمانيلي بإيصال قدري الذاتي
ليتها حين لم تصب لي حداعرفتني باللازم الرسمي
ومن التوجيه في علم النجوم قول الشهاب محمود في حراث:
عشقت حراثا مليحا غدافي يده المساس ما أجمله
كأنه الزهرة قدامه الثور يراعي مطلع السنبله
وقول ابن عروة الحلي:
وحاجب ليس فيهمن المروة شعره
بصرفة يلتقينيوجبهة ثم زبره
وقول زكي الدين بن أبي الإصبع:
تنقلت من طرف لقلب مع النوىوهاتيك للبدر التمام منازل
ومنه ما يحكى أن شهاب الدين القوصي حضر عند الملك الأشرف وقد دخل إليه سعد الدين الحكيم، فقال الملك الأشرف: ما تقول في سعد الدين الحكيم؟ فقال: يا مولانا السلطان، إذا كان بين يديك فهو سعد الدين، على السماط: سعد بلع، وفي الخبا عن الضيوف: سعد الأخبية، وعند مرضى المسلمين: سعد الذابح. فضحك الملك الأشرف، واستحسن اتفاقه البديع.
ومنه قول بعضهم:
قد ذهب الناس فلا ناسوصار بعد الطمع الياس
وساس أمر الناس أدناهموصار تحت الذنب الراس
وقد أورد بعض شراح البديعيات أمثلة في هذا النوع ليست منه قطعا، كقول أبي الفتح البستي:
إذا غدا ملك باللهو مشتغلافاحكم على ملكه بالويل والحرب
ألم تر الشمس في الميزان هابطةلما غدا برج نجم اللهو والطرب
فإن هذا ونحوه ليس من التوجيه في شيء، بل هو بنوع (_) أشبه، وفي بابه أدخل كما سنذكره هناك عند إفضاء النوبة إليه، مع مشيئة الله سبحانه.
ومن التوجيه في علم الهندسة قول ابن النبيه في صبي يشتغل بالهندسة:
وبي هندسي الشكل يسبيك لحظهوخال وخد بالعذار مطرز
ومذ خط بركار الجمال عذارهكقوس علمنا إنما الخال مركز
وقول بعضهم:
قد بينت فيه الطبيعة آيةببديع أعمال المهندس باهرة
عبثت بمبسمه فخطت فوقهبالمسك قوسا من محيط دائرة
ومن التوجيه في علم الكلام قول هبة الله بن سناء الملك:
ومن قال إن الخيزرانة قدهافقولوا له إياك أن يسمع القد
ولو أبصر النظام جوهر ثغرهالما شك فيه أنه الجوهر الفرد
وقول الشيخ عبد علي بن رحمة:
قلت هل تقسم ليجوهر ثغر أشتهيه
قال ثغري الجوهر الفرد ولا قسمة فيه
ومن التوجيه في علم الرمل قول البهاء زهير:
تعلمت علم الرمل لما هجرتملعلي أرى شكلا يدل على الوصل
فقالوا طريق قلت يا رب للقاوقالوا اجتماع قلت يا رب للشمل
وقول ابن مطروح:
حلا ريقه والدر فيه منضدومن ذا رأى في العذب درا منضدا
رأيت بخديه بياضا وحمرةفقلت له البشرى اجتماع تولدا
ومن التوجيه في الكتابة قول بعضهم:
غبار ذنوبي في الرقاع محققبنسخ الكرام الكاتبين ذوي العدل
وتوقيع ريحاني رجائي لعفو منينادي بثلث الليل يا واسع الفضل
وقول ابن عبد الظاهر وأجاد:
مفرد في جماله أن تبدىخجلت منه جملة الأقمار
كيف أرجو الوفاء منه وعاملت غريما من لحظه ذا انكسار
ذو حواش تلوح من قلم الريحان في خده فجل الباري
فيه وجدي محقق وسلويوكلام العذول مثل الغبار
فلساني في وصفه قلم الشعر ورقي المكتوب بالطومار
وقول ابن جابر وقد ذكر الأقلام السبعة: ت
تعليق ردفك بالخصر الخفيف لهثلث الجمال وقد وفته أجفان
خد عليه رقاع الروض قد جعلتوفي حواشيه للصدغين ريحان
خط الشباب بطومار العذار لهسطرا ففضاحه للناس فتان
محقق نسخ صبري عن هواه ومنتوقيع مدمعي المنثور برهان
يا حسن ما قلم الأشعار خط علىذاك الجبين فلا يسلوه إنسان
أقسمت بالمصحف السامي وأحرفهما مر بالبال يوما عنك سلوان
وقول ابن الوردي:
فديت فقيرا في المرقعة التيعلى حسنه دلت وحسن طباعه
بخديه ريحان الحواشي محققإلى الثلث والفضاح تحت رقاعه
وقول ابن مليك:
وورد خد قد زكا نثرهعليه لما ضاع دار العذار
أقسم بالفضاح من عبرتيريحانه ليس عليه غبار
وقوله:
والخد بان الورد فيه محققاوالصدغ فيه مسلسلا ريحانه
وقول ابن القيسراني:
بوجه معذبي آيات حسنفقل ما شئت فيه ولا تحاشي
فنسخة حسنه قرئت وصحتوها خط الكمال على الحواشي
ومنه قول القرشي الكاتب، وقد اختفى في بيته ثلث سنة - لما طلبه السلطان بسبب لوح البريد الذي نقشه لعز الدولة - فكتب إلى القاضي علاء الدين بن عبد الظاهر - يسأله القيام ي أمره - رقعة أولها: يقبل الأرض وينهي أنه له ثلث سنة محقق مختف في حواشي البيت يخشى توقيعات الرقاع من صاحب الطومار، وسؤال الملوك نسخ هذا الأمر الفضاح بحيث لا يبقى عليه غبار، فإن المملوك وحق المصحف ما يحمل عود ريحان.
فأعجبه ذلك فلم يزل يتلطف له عند أكابر الدولة حتى خمدت قضيته وسكنت.
ونحو ذلك وهو من التوجيه في علم الطب، ما حكي أن بعض الأطباء كان في خدمة بعض الملوك في غزو، ولم يكن معه وقت النصرة كاتب ترسل فتقدم للطبيب أن يكتب إلى الوزير يعلمه بذلك فكتب: - أما بعد، فأنا كنا مع العدو في حلقه كدائرة البيمارستان، حتى لو رميت مبضعا لما وقع إلا على قيفال. فلم يكن إلا كنبضة أو نبضتين حتى لحق العدو بحران عظيم، فهلك الجميع بسعادتك يا معتدل المزاج.
ومثله وهو من التوجيه في علم الرياضي قول بعضهم حين احتضر: اللهم يا من يعلم قطر الدائرة ونهاية العدد والجذر الأصم، اقبضني إليك على زاوية قائمة واحشرني على خط مستقيم.
ومن التوجيه في علم الموسيقى قول ابن جابر الأندلسي:
يا أيها الحادي اسقني كأس السرىنحو الحبيب ومهجتي للساقي
حي العراق على النوى واحمل إلىأهل الحجاز رسائل العشاق
وقول البدر لؤلؤ الذهبي:
وبمهجتي المتحملون عشيةوالركب بين تلازم وعناق
وحداتهم أخذت حجازا بعدماغنت وراء الركب في عشاق
وما أحسن ما قال بعده:
وتنبهت ذات الجناح بسحرةفي الواديين فنبهت أشواقي
ورقاء قد أخذت فنون الحزن عنيعقوب والألحان عن إسحاق
قامت على ساق تطارحني الهوىمن دون صحبي في الهوى ورفاقي
أنى تباريني جوى وصبابةوكآبة وأسى وفيض مآقي
وأنا الذي أملي الهوى من خاطريوهي التي تملي من الأوراق
ومنه قول الشيخ عبد النافع بن عراق:
يا غائبين وقولي حين أذكرهمكم هكذا اغتدي في غربة وفراق
لو سار ركب بعشاق اللوى رملانحو الحجاز لما ذاق النوى ابن عراق
وقال الشيخ العلامة جمال الدين العصامي من أبيات مادحا بها الشيخ عبد النافع المذكور وقد وصل إلى مكة المشرفة من الروم بمنصب خطابة الشافعية بمكة.
قال الشيخ جمال الدين: واتفق أن تلك السنة كانت مجدبة، فدعا واستسقى في أول خطبة خطبها، فغيمت السماء وأمطرت وهو يخطب، وحصل خصب عظيم، فكان يقال: الشيخ عبد النافع، عبد نافع، وهو:
ظرف الحجاز بمقدم ابن عراقمن بعد ما قاسى نوى العشاق
فاليوم نيروز الحجاز وعيدهإذ صام فيه وعيد ابن عراق
قال الشيخ جمال الدين: واتفق أن جاء القاضي حسين في موكبه إلى بيت الشيخ عبد النافع زائرا، فذيل الشيخ عبد النافع بيتي المذكورين بقوله - موجها أيضاً:
وله أتى الركب الحسيني زائراسعيا على الآماق والأحداق
ومنه قول الشيخ شرف الدين يحيى بن الشيخ عبد الملك بن الشيخ جمال الدين العصامي المذكور، فيمن اسمه حسين - وقد قدم من مكة المشرفة إلى المدينة وبها الشيخ شرف الدين المذكور:
أقول لمعشر العشاق لمابدا ركب الحجاز وقر عيني
أمنتم من نوى المحبوب فاسمعواله رملا وغنوا في حسيني
ولنكتف من أمثلة التوجيه بهذا المقدار، فقد طال الشرح حتى كاد يفضي إلى الإملال والإكثار.
وبيت بديعية الشيخ صفي الدين الحلي في هذا النوع قوله:
خلت الفضائل بين الناس ترفعنيبالابتداء فكانت أحرف القسم
التوجيه في هذا البيت بألفاظ القواعد النحوية، ومقاصد المحاسن فيه محوية.
والشيخ شمس الدين بن جابر نظم هذا النوع على تفسير السكاكي والخطيب ومن وافقهما، وهم الأكثر، وهو إيراد الكلام محتملا لمعنيين متضادين لا يتميز أحدهما عن الآخر، وهذا معنى الإبهام عند أكثر أرباب البديعيات.
وبيت بديعيته قوله:
ترى الغني لديهم والفقير وقدعادا سواء فلازم باب قصدهم
هذا البيت يحتمل المدح وهو الظاهر، فيكون المراد: أنهم يجودون على الفقير حتى يعود مساويا للغني، ويحتمل الذم، فيكون المراد: أنهم ينهبون الغني ويسلبونه غناه حتى يعود مساويا للفقير، غير أن قوله: فلازم باب قصدهم، يعين المعنى الأول، وهو إرادة المدح فيخرج عن نوع التوجيه الذي قصده. وابن حجة فاته إدراك المعنى الثاني، وهو إرادة الذم حتى قال: (وأما المعنى الآخر فما وجدت له قرينة صالحة تدلني عليه، وصاحب البيت أدرى بالذي فيه).
وبيت بديعية الشيخ عز الدين قوله يخاطب العذول:
نزهت طرفي وسمعي في محاسنهوعنك أن تقصد التوجيه في الكلم
هذا البيت لا أرى فيه للتوجيه وجها، لا على تفسير الشيخ صفي الدين ولا على تفسير السكاكي والخطيب. أما الأول - فظاهر إذ ليس في مفرداته ولا جمله توجيه إلى أسماء متلائمة من أسماء الأعلام، ولا قواعد العلوم ونحوها. وأما على الثاني - فلعدم احتماله معنيين متضادين لا يتميز أحدهما عن الآخر. وقول ابن حجة: أن الكلمة التي اقتضت اشتراك المعنيين قوله: نزهت، فإنه قال: أنه نزه طرفه في محاسن محبوبه، وكأنه التفت إلى العذول وقال له: وعنك. إن أراد به بيان التوجيه، فليس بشيء، لأن هذا ليس بتوجيه قطعا، وإن أراد به بيان استعمال قوله (نزهت) في معنييه، فمسلم على أن قوله: (نزهت طرفي وسمعي في محاسنه) مأخوذ من استعمالهم التنزه في الخروج إلى البساتين والخضر والرياض، وقد نص صاحب القاموس على أن هذا الاستعمال غلط قبيح، وقال في الصحاح: قال ابن السكيت: ومما يضعه الناس في قولهم: خرجنا نتنزه، إذا خرجوا إلى البساتين، قال: وإنما التنزه: التباعد عن المياه والأرياف، ومنه قيل: فلان يتنزه عن الأقذار، وينزه نفسه عنها، أي يباعدها عنها. انتهى.
وبيت بديعية ابن حجة قوله:
وأسود الخال في نعمان وجنتهلي منذر منه بالتوجيه للعدم
التوجيه فيه بأسماء الأعلام هي: الأسود والنعمان والمنذر، والأسود أخو النعمان بن المنذر وكان من ملوك العرب.
وبيت بديعية الشيخ عبد القادر الطبري قوله:
قاد الجنائب أغراء موجهةلا صرف فيها ولا نصب لمنجزم
التوجيه في هذا البيت بقواعد النحو وهي: الإغراء والصرف والنصب والجزم، ولكن انظر، ما معنى قوله: ولا نصب لمنجزم؟.
وبيت بديعيتي هو قولي:
رفعت حالي إليهم إذ خفضت وقدنصبت طرفي إلى توجيه رسلهم
التوجيه في هذا البيت بقواعد النحو أيضاً وهي: الرفع والحال والخفض والنصب.
وبيت بديعية الشيخ شرف الدين المقري قوله:
لا تطعني هند فالأنساب واحدةونحن إن نفترق نرجع إلى حكم
الشيخ شرف الدين فارق الجماعة في هذا النوع فقال في شرح بديعيته (التوجيه كالتورية، وأكثر البديعيين يجعلها شيئا واحدا، وفرق الصفي الحلي وغيره بينهما بفروق لا تكاد تظهر، والظاهر أن التورية منها ما يحتاج إلى توجيه ألفاظ قبلها ترشح الكلام للتورية، ومنها ما لا يحتاج، فيكون هذا الاسم خاصا لما يحتاج كالنوع منها واسم التورية كالجنس لها. والترشيح ومعنى البيت على هذا: أن هندا طعنت في نسبه، وفخرت بقومها عليه (فأخبرها) أن نسبه ونسبها واحد وأنهما إن افترقا في الآباء القريبة فكلهم يرجعون إلى حكم من سعد العشيرة، ولكن لفظة حكم مشتركة، فذكر الطعن والنسب فيه يوجهها إلى اسم القبيلة، وذكر الافتراق يوجهها إلى الحكم الفاصل بين الخصومة). هذا نصه، وعليه مؤاخذات من وجوه: أحدها - أن قوله: أكثر البديعيين يجعلهما شيئا واحدا ليس بصحيح، بل الأكثر على أن كلا منهما غير الآخر كما يشهد به استقراء كتبهم.
الثاني - أن قوله: فرق بينهما الصفي وغيره بفروق لا تكاد تظهر، غير مسلم، بل الفرق مثل الصبح ظاهر. أما على مذهب السكاكي ومن وافقه، من أن التوجيه هو إيراد الكلام محتملا لمعنيين مختلفين، فالفرق بينه وبين التورية: أن التوجيه يلتزم فيه أن يكون المعنيان متضادين لا يتميز أحدهما عن الآخر، بخلاف التورية فإنه يلتزم فيها تضاد المعنيين، ولا عدم تمييز أحدهما عن الآخر كما سيأتي في بابها. وأما على مذهب الشيخ صفي الدين من أنه - أعني التوجيه - تأليف المتكلم مفردات بعض كلامه وجمله وتوجيهها إلى أسماء متلائمة من أسماء الأعلام، أو قواعد علوم، أو غيرها، فالفرق بينه وبين التورية من وجهين: أحدهما أن التورية تكون باللفظ المشترك، والتوجيه باللفظ المصطلح. والثاني أن التورية تكون باللفظ الواحد، والتوجيه لا يصح إلا بعدة ألفاظ متلائمة. فظهر الفرق بينهما، ودعوى عدم ظهوره تعنت.
الثالث - أن تخصيصه التوجيه بما يحتاج إلى ألفاظ قبلها ترشح الكلام للتورية هو بعينه التورية المرشحة، ولا يؤثر عن أحد تسميتها بالتوجيه فهو اصطلاح جديد، إذا اختاره لنفسه فلا مشاحة في الإصلاح.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع