تجاوز إلى المحتوى

من «أنوار الربيع في أنواع البديع» لابن معصوم المدني (ت ١١١٩هـ)

الاكتفاء

لم يكتفوا بي عميدا في محبتهمبل كل ذي نظر فيهم أراه عمي (دا
للشاعر ابن معصوم، من قصيدة «حسن ابتدائي بذكري جيرة الحرم»

الاكتفاء - ضرب من الإيجاز، وهو نوعان: نوع يكون بكلمة فأكثر ونوع يكون ببعض كلمة.

فالأول هو أن يقتضي المقام ذكر شيئين بينهما تلازم وارتباط، فيكتفي بأحدهما عن الآخر لنكتة، ولا يكون المكتفى عنه إلا آخرا لدلالة الأول عليه. وذلك الارتباط قد يكون بالعطف وهو الغالب، وأعظم شواهده قوله تعالى: (سرابيل تقيكم الحر) أي والبرد، وخص الحر بالذكر لأن الخطاب للعرب وبلادهم حارة، والوقاية عندهم من الحر أهم، لأنه أشد عندهم من البرد. وقوله تعالى: (وله ما سكن بالليل والنهار) أي وما تحرك، وخص السكون بالذكر لأنه أغلب الحالين على المخلوق من الحيوان والجماد، ولأن كل متحرك يصير إلى السكون.

وقد يكون بالشرط وجوابه، كقوله تعالى: (فإن استطعت أن تبتغي نفقا في الأرض أو سلما في السماء) أي فافعل. وقوله تعالى: (وإذا قيل لهم اتقوا ما بين أيديكم وما خلفكم لعلكم ترحمون) أي أعرضوا، بدليل ما بعده، وقوله تعالى: (ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا رؤوسهم) أي لرأيت أمرا فظيعا، وقوله تعالى: (ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لم تعلموهم أن تطؤهم) أي لسلطكم على أهل مكة.

وقد يكون بالقسم بدأ به، كقوله تعالى: (والنازعات غرقا - الآيات _) أي لتبعثن، وقوله تعالى: (ص والقرآن ذي الذكر) أي أنه لمعجز.

وقد يكون بطلب الفعل للمتعلق، كقوله تعالى: (خلطوا عملا صالحا) أي بسيئ (وآخر سيئا) أي بصالح. أو بطلبه للمفعول كقوله تعالى: (إن الذين اتخذوا العجل) أي إلها (وقوله تعالى): (كلا سوف تعلمون) أي عاقبة أمركم.

وقد يكون بطلب حرف الشرط لجملة الشرط وجوابه كقوله:

قالت بنات العم يا سلمى وإنكان فقيرا معدا قالت وإن

أي وإن كان كذلك رضيته أيضاً. وفي الخبر، أنه ﵌ رأى رجلا يسوق بدنة فقال له: اركبها، قال: إنها بدنة، قال: اركبها وإن، أي وإن كانت بدنة اركبها.

وقد يكون بالاسمية والخبرية لأن وأمثالها، كما روي أن المهاجرين قالوا للنبي ﵌: إن الأنصار قد فضلونا وفعلوا بنا كذا وكذا، فقال ﵌: ألستم تعرفون ذلك؟ قالوا: بلى، قال: فإن ذاك. قال أبو عبيدة: إن الحديث ليس فيه أكثر من قوله: فإن ذاك، ومعناه: فإن ذاك مكافأة، أي معرفتكم إحسانهم مكافأة لهم.

وقول الشاعر:

ويقلن شبي قد علاكوقد كبرت فقلت إنه

على قول ابن هشام (إنه) يجوز أن لا تكون الهاء للسكت، بل اسما لأن، على أنها المؤكدة والخبر محذوف، أي أنه كذلك. وقد يكون بغير ذلك من وجوه الارتباط كما يظهر من الأمثلة الآتية في النظم.

وقد حد الشيخ صفي الدين الحلي الاكتفاء في النظم بقوله: هو أن يأتي الشاعر ببيت من الشعر وقافيته متعلقة بمحذوف تقاضى ذكره ليفهم به المعنى، فلا يذكره لدلالة ما في لفظ البيت عليه، ويكتفي بما هو معلوم في الذهن فيما يقتضي تمام المعنى.

كقوله:

لا أنثني لا أنتهي لا أرعويما دمت في قيد الحياة ولا إذا

فمن المعلوم أن تمامه: ولا إذا مت، ومتى ذكر تمامه في البيت الثاني كان عيبا من عيوب الشعر، يسمى في علم القوافي بالتضمين. انتهى. وهذا الحد شامل لنوعي الاكتفاء، غير أنه لا يشمل الاكتفاء في النثر كما هو ظاهر، والحد الذي ذكرناه شامل للنظم والنثر معا.

وأما النوع الثاني فسيأتي الكلام عليه، وهذا محل إثبات محاسن الأمثلة الشعرية لهذا النوع الأول من الاكتفاء: فمنه قول هبة الله بن سناء الملك في مطلع قصيدة:

دنوت وقد أبدى الكرى منه ما أبدىفقبلته في الثغر تسعين أو إحدى
للشاعر ابن سناء الملك، من قصيدة «دنوت وقد أبدى الكرى منه ما أبدى»

وقول ابن مطروح:

والله ما خطر السلو بخاطريما دمت في قيد الحياة ولا إذا
للشاعر عبد الهادي السودي، اقرأ القصيدة
إن عشت عشت على هواه وإن أمتوجدا به وصبابة يا حبذا
للشاعر جمال الدين بن مطروح، من قصيدة «عانقته فسكرت من طيب الشذا»

وقول أبي الحسن الباخرزي:

يا جاهلا عاب شعريفكد قلبي وآلم
للشاعر الباخرزي، من قصيدة «يا جاهلا عاب شعري»
علي نحت القوافيوما علي إذا لم
للشاعر الباخرزي، من قصيدة «يا جاهلا عاب شعري»

وأصله من قول الشاعر:

عليَّ نحت القوافي من معادنهاوما عليَّ إذا لم تفهم البقر
للشاعر ابن حجاج، من قصيدة «قد قلت لما غدا مدحي فما شكروا»

وقد كان أبو الحسن الباخرزي المذكور مولعا بهذا النوع من الاكتفاء ونظمه في شعره كثير، فمنه قوله:

بالأمل الكاذب والخوفجعلت لي قلبين في جوفي
للشاعر الباخرزي، من قصيدة «بالأمل الكاذب والخوف»
آمل قربا وأخاف النوىفمهجتي في راحة أو في
للشاعر الباخرزي، من قصيدة «بالأمل الكاذب والخوف»

وقوله:

قد صح عندي أن حبك لم يكنإلا كنرجسك الكحيل سقيما
ووجدت عندك ما كرهت وكلماحاسبت فعلي لم تجد عندي ما

وقوله أيضاً:

لقد كنت أعرف بابن الحسنفلقبني الحب بابن الحزن
للشاعر الباخرزي، من قصيدة «لقد كنت أعرف بابن الحسن»
ولولا الهوى ما لقيت الهوانولولا الدمى لم أقف بالدمن
للشاعر الباخرزي، من قصيدة «لقد كنت أعرف بابن الحسن»
فيا أيها النفس لا تيأسيمن الاجتماع عسى الله أن

وقوله:

ولي حشف وبي تطفيف كيلوها حشفي مع الكيل الطقيف
للشاعر الباخرزي، من قصيدة «أقول له ولم أنفس بنفسي»
فإن تردد علي فرغبتي منوإن تحسن إلي فرغبتي في
للشاعر الباخرزي، من قصيدة «أقول له ولم أنفس بنفسي»

وقوله:

وما زاده عز الولاية رفعةوقد كان مرفوع الدعائم قبل أن

وقوله:

يا صاحبي سلا فؤادي هل سلاعمن كلفت بحبه ليجيب لا
للشاعر الباخرزي، من قصيدة «يا صاحبي سلا فؤادي هل سلا»

وما أحسن قوله بعده:

يا رب إن تك لا تجود بسلوةتحيا بها نفس المشوق المبتلي

فانف الحلاوة عن مجاجة ريقه=وأمر بنفسج صدغه أن يذبلا وقوله أيضاً:

يا شرف السادة أعلق يديحبلك أمسك عقده المحكما
بي بكم خطيت شفاهي بهوقصة تستنطق الأبكما
مسني الضروحوشيته

والمشتكى أنت وحالي كما

وقوله مع الاقتباس:

قل لإخواننا أعينوا على اللهوونفسي فداكم أن أعنتم

نحن من قبل أن ...

بعد لا تقربوا الصلاة وأنتم

وقوله في التعزية:

لئن مضى من رضعت درتهففيك مستمتع من الخلف
وربما يشمت العدى جزعوالصبر مستروح فرأيك في

ومنه قول الشيخ شرف الدين عمر بن الفارض:

ما للنوى ذنب ومن أهوى معيإن غاب عن إنسان عيني فهو في
للشاعر ابن الفارض، من قصيدة «قلبي يحدثني بأنك متلفي»

ومن لطائف شيخ شيوخ حماة عبد العزيز الأنصاري قوله مع التضمين:

صلي ودعي نفارك عن محببذكرك آنس والليل ساكن
للشاعر الصاحب شرف الدين، اقرأ القصيدة
ولا تستقبحي شيبا برأسيفما إن شبت من كبر ولكن
للشاعر الصاحب شرف الدين، اقرأ القصيدة

هذا صدر بيت لأبي فراس بن حمدان عجزه (رأيت من الأحبة ما أشابا).

وقوله أيضاً:

أهلا بطيفكم وسهلالو كنت للإغفاء) أهلا
للشاعر الصاحب شرف الدين، اقرأ القصيدة
لكنه وافى وقدحلف السهاد علي أن لا
للشاعر الصاحب شرف الدين، اقرأ القصيدة

وقوله:

راموا فطامي عن هوىغذيته طفلا وكهلا
للشاعر الصاحب شرف الدين، اقرأ القصيدة
فوضعت في طوقي يديوقلت خلوني وإلا

وقول سراج الدين الوراق بين اكتفائين مع التضمين:

يا لائمي في هواهاأفرطت في اللوم جهلا
ما يعرف الشوق إلاولا الصبابة إلا

البيت لابن المعلم وأصله هكذا:

ما يعرف الشوق إلا من يكابدهولا الصبابة إلا من يعانيها

وقول سديد الدين بن كاتب المرج في النيل، وقد زاد زيادة مؤذية، وفيه اقتباس:

يا نيل يا ملك الأنهار قد رزقتمنك الأراضي شرابا سائغا وإذا
وقد أتيت القرى تبغي منافعهافنالها بعد فرط النفع منك أذى
فقال تذكر عني أنني ملكوتغتذي ناسيا أن الملوك إذا

وقول ابن أبي حجلة في مثل ذلك:

يا رب أن النيل زاد زيادةأدت إلى هدم وطول تشتت
ما ضره لوجا على عاداتهفي دفعه أو كان يدفع بالتي

وقول الآخر، وجمع فيه بين اكتفائين مع الاقتباس:

بمكارم الأخلاق كن مختلقاليفوح عطر ثنائك العطر الشذي
وانفع صديقك إن صدقت ودادهوادفع عدوك بالتي فإذا الذي

ومن لطائف البهاء زهير قوله:

فما كان أحسن من مجلسيفحدث بما شئت عن ليلتي
بشمس الضحى وببدر الدجىعلى يمنتي وعلى يسرتي
للشاعر بهاء الدين زهير، من قصيدة «مقيم على العهد من صبوتي»
وبت وعن خبري لا تسلبذاك الذي وبتلك التي

وقوله:

يا حسن بعض الناس مهلاصيرت كل الناس قتلى
للشاعر بهاء الدين زهير، من قصيدة «يا حسن بعض الناس مهلا»
أغرت جفونك بالهوىمن كان يعرفه ومن لا
لم تبق غير حشاشةفي مهجتي وأخاف أن لا
ورسوم قلب لم يدعمنه الهوى إلا الأقلا
وبمهجتي من لا أسميهـ وأكتمه لئلا
للشاعر بهاء الدين زهير، من قصيدة «يا حسن بعض الناس مهلا»
عانقت منه الغصن فيحركاته قدا وشكلا
للشاعر بهاء الدين زهير، من قصيدة «يا حسن بعض الناس مهلا»
وكشفت فضل قناعهبيدي عن قمر تجلى
للشاعر بهاء الدين زهير، من قصيدة «يا حسن بعض الناس مهلا»
فلثمته في خدهتسعين أو تسعين إلا
للشاعر بهاء الدين زهير، من قصيدة «يا حسن بعض الناس مهلا»

ومنه قول جمال الدين بن نباتة:

ولقد كملت فلا يقال لقدحزت الجمال جميع إلا

وقول ابن مكانس مع التورية:

من شرطنا أن أكسرتنا الطلاصرفا تداوينا بشرب اللما
نعاف مزج الماء في كأسهالا وأخذ الله الندامى بما

وقول صدر الدين بن عبد الحق مع زيادة التورية والاقتباس:

جهنم حمامكم نارهاتقطع أكبادنا بالظما
وفيها عصاة لهم ضجةوإن يستغيثوا يغاثوا بما

ومثله قول الشيخ برهان الدين القيراطي:

بأبي شامات حسنقد أطالت حسراتي
للشاعر برهان الدين القيراطي، اقرأ القصيدة
كلما ساءت فعالاقلت إن الحسنات
للشاعر برهان الدين القيراطي، اقرأ القصيدة

وقول ابن أبي حجلة مع التضمين:

شمس الضحى بعد العشازارت فزال تلهفي
واستقبلت قمر السمافأرتني القمرين في

وقوله يرثي أخا له:

أخي تركتني فقضيت نجافدمعي قد ملا حزنا وسهلا
وكل أخ مفارقه أخوهكذا قالوا لعمر أبيك إلا

يشير إلى قول الشاعر:

وكل أخ مفارقه أخوهلعمر أبيك إلا الفرقدان
للشاعر أبو الهدى الصيادي، من قصيدة «بعيشك هات اخبار المغاني»

ومن بديع الاكتفاء مع زيادة التورية ما اتفق للشيخ شهاب الدين التلعفي مع شمس الدين الشيرجي، وذلك أنهما حضرا بين يدي الملك الناصر في ليلة أنس، فاتفق أن الشيرجي ذهب لضرورة وعاد، فأشار إليه الملك الناصر بصفع التلعفري (فصفعه، فنهض) التلعفري على الفور، وقبض على لحية الشيرجي - وكان رجلا ألحى _.

وأنشد ارتجالا ويده فيها:

قد صفعنا في ذا المقام الشريفوهو إن كنت ترتضي تشريفي
فارث للعبد من مصيف صفاعيا ربيع الندى وإلا خري في
للشاعر شهاب الدين التلعفري، اقرأ القصيدة

ومنه قول الأديب لاعبده من أدباء العصر بالمدينة المنورة على ساكنها وآله الصلاة والسلام مؤرخا دارا بناها بعض قضاة تلك الديار:

صاح بين النقا وبين المصلىمنزل في حلى المفاخر يجلى
مجلس من أتاه يسمع منهمرحبا مرحبا وأهلا وسهلا
فيه حبر وهمت بل فيه بحرجامع للعلوم عقلا ونقلا
جاء سهل التاريخ من غير عيبهكذا من أراد يبني وإلا

وقلت أنا في ذلك:

يا عاذلي في الأمانيأكثرت في العذل قولا
للشاعر ابن معصوم، من قصيدة «يا عاذلي في الأماني»
دعني أعلل نفسيما أضيق العيش لولا
للشاعر ابن معصوم، من قصيدة «يا عاذلي في الأماني»

وهو من قول الطغرائي في لامية العجم:

أعلل النفس بالآمال أرقبهاما أضيق العيش لولا فسحة الأمل
للشاعر الطغرائي، من قصيدة «أصالة الرأي صانتني ( لامية العجم )»

تنبيه - قد تبين من الأمثلة المذكورة أن الاكتفاء قد يكون بحذف المستثنى، ومعمول الجوازم، والجار، والصلة، من غير دلالة صلة أخرى عليها، وكل ذلك عند النحويين ضرورة.

قال الحافظ السيوطي في جمع الجوامع: واستحسن أهل البديع بعض ما سماه النحاة ضرورة، كحذف معمول الجوازم المسمى بالاكتفاء، فإن اشتمل على تورية تصرفه عنه - أي عن الاكتفاء - فأحسن. انتهى.

وقيل على هذا: يرد على البديعيين أن المحسنات البديعية إنما تعد محسنة بعد رعاية الفصاحة، فما خالفها يعد قبيحا، فكيف تعد الضرورة من المحسنات؟.

وأما النوع الثاني من الاكتفاء وهو الذي يكون ببعض الكلمة.

فهو حذف بعض حروف القافية من آخرها لدلالة الباقي عليه. واحترزنا (بالقافية) عن غيرها.

كقوله:

فنعم الفتى تعشو إلى ضوء نارهطريف بن مال ليلة الجوع والحصر

أي ابن مالك. وبقولنا (من آخرها) عن مثل قوله (غرثى الوشاحين صموت الخلخل) أي الخلخال، فلا يسمى ذلك كله اكتفاء عند البديعين. وقد يسمى في غير هذا العلم بالاقتطاع، ولا يختص بالقافية.

وسماه ابن جني في كتاب التعاقب بالإيماء وعقد له بابا، فقال باب الإيماء وهو الاكتفاء عن الكلمة بحرف من أولها.

وسماه ابن فارس في فقه اللغة بالقبض. وهو وارد في القرآن والحديث وكلام العرب.

أما وروده في القرآن، فقال الحافظ السيوطي في الإتقان: أنكره ابن الأثير ورد: بأن بعضهم جعل منه فواتح السور، على القول بأن كل حرف منها، من اسم من أسمائه تعالى، وهو منقول عن ابن عباس. وادعى بعضهم: أن الباء في (وامسحوا برؤوسكم) أول كلمة (بعض) ثم حذف الباقي، ومنه قراءة بعضهم (ونادوا يا مال) بالترخيم. ولما سمعها بعض السلف قال: ما أغنى أهل النار عن الترخيم، (وأجاب) بعضهم: بأنهم لشدة ما هم فيه عجزوا عن إتمام الكلمة.

قال: ويدخل في هذا النوع، حذف همزة (أنا) من قوله: (لكنا هو الله ربي) إذ الأصل (لكن أنا) حذفت همزة (أنا) تخفيفا، وأدغمت النون في النون.

ومثله ما قرئ (ويمسك السماء أن تقع علرض) (بما أنزليك) (فمن تعجل في يومين فلثم عليه) (إنها لحدى الكبر). انتهى.

وأما وروده في الحديث فقد روي عنه ﵌ أنه قال: (كفى بالسيف شا) أي شاهدا، وقيل: أنه مكتفى به عن (شافي) وله وجه.

وأما وروده في كلام العرب فكثير جدا، بل قال ابن فارس في فقه اللغة: في سنن العرب، القبض محاداة للبسط، وهو النقصان من عدد الحروف، كقولهم: درس المنا، يريدون المنازل. ونار الحبا، أي الحباحب. انتهى.

وأنشد ابن جني عليه قول الشاعر (وعدتني أم عمر وإن تاريخ) أي أن تسمح، وقول علقمة (مفدم بسبا الكتان مختوم) أي بسبائب، وقول لبيد (درس المنا بمتالع فأبان)، وقال آخر (قواطن مكة من ورق الحما) أي الحمام، وقال آخر (ليس حي على المنون بخال) أي بخالد.

إذا علمت ذلك، بالاكتفاء ببعض الكلمة على ضربين، ضرب يكون بدون تورية كما تقدم من قول الشاعر (قواطن مكة من ورق الحما) وقوله (ليس حي على المنون بخال).

ومنه قول القاضي الفاضل من قصيدة فريدة:

لعبت جفونك بالقلوب وحبهاوالخد ميدان وصدغك صولجا (ن
للشاعر القاضي الفاضل، من قصيدة «زار الصباح فكيف حالك يا دجى»

وأول هذه القصيدة:

زار الصباح فكيف حالك يا دجىقم فاستند بفروعه أو فالنجا
للشاعر القاضي الفاضل، من قصيدة «زار الصباح فكيف حالك يا دجى»
رأت الغصون قوامه فتأودتوالروض أنشر نشره فتأرجا
للشاعر القاضي الفاضل، من قصيدة «زار الصباح فكيف حالك يا دجى»
يا زائري من بعد يأس ربماتمنى المنى من بعد أرجاء الرجا
للشاعر القاضي الفاضل، من قصيدة «زار الصباح فكيف حالك يا دجى»
أترى الهلال ركبت منه زورقاأولا فكيف قطعت بحرا من دجى
للشاعر القاضي الفاضل، من قصيدة «زار الصباح فكيف حالك يا دجى»
أم زرتني ومن النجوم ركائبفأرى ثرياها تريني هودجا
للشاعر القاضي الفاضل، من قصيدة «زار الصباح فكيف حالك يا دجى»

ومنه قول هبة الله بن سناء الملك:

أهوى الغزالة والغزال وإنمانهنهت نفسي عفة وتدينا
ولقد كففت عنان عيني جاهداحتى إذا أعييت أطلقت العنا (ن
للشاعر ابن سناء الملك، من قصيدة «إن كنت ترغب أن ترانا فالقنا»

ويعجبني من هذا النوع قول الشيخ قطب الدين الحنفي المكي المتوفى سنة تسعين وتسعمائة بمكة المشرفة زادها الله شرفا وتعظيما:

رعى الله ليلة زار الحبيبوغاب الرقيب إلى حيث أل
للشاعر الشاب الظريف، من قصيدة «خذوا قودي من أسير الكلل»

يشير إلى قول الشاعر (إلى حيث ألقت رحالها أم قشعم) وأم قشعم: المنية والداهية. وهذا البيت من جملة أبيات لطيفة للشيخ المذكور لا بأس بغيرادها هنا، وهي:

ألا حلل الله سيف المقلفكم ذا أباد وكم ذا قتل
وما من قتيل له في الهوىسوى ألف راض بما قد فعل
لقد نصر الله جيش الملاحببدر لنا حسنه قد كمل
للشاعر الشاب الظريف، من قصيدة «خذوا قودي من أسير الكلل»
إذا قتلتني عيون الظبافيا فرحي قد بلغت الأمل
رعى الله ليلة زار الحبيبوغاب الرقيب إلى حيث أل
للشاعر الشاب الظريف، من قصيدة «خذوا قودي من أسير الكلل»
فأجلسته في سواد العيونوقد غسل الدمع ذاك المحل
وألصقت خدي بأقدامهوذبلت أخمصه بالقبل
للشاعر الشاب الظريف، من قصيدة «خذوا قودي من أسير الكلل»
وعانقته وخلعت العذارومزقت ثوب الحيا والخجل
للشاعر الشاب الظريف، من قصيدة «خذوا قودي من أسير الكلل»
فرق ومال بأعطافهفديت بروحي ذاك الميل
للشاعر الشاب الظريف، من قصيدة «خذوا قودي من أسير الكلل»
وما زلت أشغله بالحديثوستر الظلام علينا انسدل
للشاعر الشاب الظريف، من قصيدة «خذوا قودي من أسير الكلل»
إلى أن غفا جفنه ناعساوعني تغافل أو قد غفل
فحليت عن خصره ندهوأنضيت عن معطفيه الحلل
وبت أشاهد صنع الإلهتبارك رب البرايا وجل
للشاعر الشاب الظريف، من قصيدة «خذوا قودي من أسير الكلل»
فظن بي الخير أولا تظنفما أنت تسأل عما حصل

حكى لي بعض الأصحاب: أن الشيخ كان قد ختم هذه الأبيات بالبيت الذي قبل البيت الأخير، حتى أنشدها يوما في مجلس سلطان مكة المشرفة الشريف حسن بن أبي نمى، فقال له الشريف مداعبا: ثم ماذا؟ فإنه محل ريبة. فأنشد البيت الأخير مرتجلا وختم به الأبيات، والله أعلم.

ومن هذا النوع من الاكتفاء أيضاً قول سيدي الوالد متع الله ببقائه:

يا خليلي أبكيا عني فقدصار دمع العين مني أحمرا
وأمطرا دمعكما وادي الحمىإن من حق الحمى أن يمطرا
وإذا شارفتما بي رامةفرما الريم الذي قد نفرا
تجداه راتعا مستفيئاسلمات وبشاما وأرا (ك

والضرب الثاني - ما كان مع التورية كقول الشيخ جمال الدين بن نباتة:

بروحي أمر الناس نأيا وجفوةوأحلاهم ثغرا وأملحهم شكلا
للشاعر ابن نباته المصري، من قصيدة «دعوني لذكرى حسنه أقتضي العذلا»
يقولون في الأحلام يوجد شخصهفقلت ومن ذا بعده يجد الأحلا (م
للشاعر ابن نباته المصري، من قصيدة «دعوني لذكرى حسنه أقتضي العذلا»

وقل فخر الدين بن مكانس:

لم أنس بدرا زارني ليلةمستوقرا ممتطيا للخطر
فلم يقم إلا بمقدار أنقلت له أهلا وسهلا ومر (حبا

وقول ابنه مجد الدين بن مكانس:

نزل الطل بكرةوتوالى تجددا
والندامى تجمعوافأجل كأسي على الندا (مى

وقول العلامة بدر الدين الدماميني:

أقول لصاحبي والروض زاهوقد فرش الربيع بساط زهر
تعال نباكر الروض المفدىوقم نسعى إلى ورد ونسري (ن

وقوله أيضاً:

شقائق النعمان الهو بهاإن غاب من أهوى وعز اللقا
فالخد في القرب نعيمي وإنغاب فإني اكتفي بالشقا (ئق

وقوله:

الدمع قاض فافتضاحي في هوىرشأ يغار الغصن منه إذا مشى
وغدا بوجدي شاهدا ووشى بماأخفي فيا لله من قاض وشا (هد

وقوله:

ورب نهار فيه نادمت أغيدافما كان أحلاه حديثا وأحسنا
منادمتي فيها مناي وحبذانهارا تقضى بالحديث وبالمنا (دمه

وقول صدر الدين بن الآدمي الحنفي:

يا متهمي بالسقم كن منجديولا تطل رفضي فإني علي (ل
أنت خليلي فبحق الهوىكن لشجوني راحما يا خلي (ل

وأغرب ابن حجر في قوله وأجاد:

أطيل الملام لمن لامنيوأملأ في الروض كأس الطلا
وأهوى الملاهي وطيب الملاذفها أنا منهمك في الملا (م. ذ. هي

وأبدع ابن حجة في قوله:

يقولون صف أنفاسه وجبينهعسى للقا يصبو فقلت له صبا (ح
وغالطت إذ قالوا أباح وصالهوإلا أبى قربا فقلت لهم أبا (ح

وقلت أنا في ذلك وفيه توريتان:

هجر الحبائب جانبيونزلن منعرج اللوى
للشاعر ابن معصوم، من قصيدة «هجر الحبائب جانبي»
فظللت أعسف في الهواجر سائرا طوع النوى
للشاعر ابن معصوم، من قصيدة «هجر الحبائب جانبي»
وصلى الهوى قلبي فواكرباه من حر الهوا (جر
للشاعر ابن معصوم، من قصيدة «هجر الحبائب جانبي»

وقلت أيضاً:

سمح البدر بوصل فشفىمن جوى الحب سقيما مغرما
للشاعر ابن معصوم، من قصيدة «سمح البدر بوصل فشفى»
وسما عن مشبه ثم ومنأين للبدر شبيه في السما (ح
للشاعر ابن معصوم، من قصيدة «سمح البدر بوصل فشفى»

وقلت أيضاً:

أصابت نواظره مهجتيوزادت نواه فؤادي جوى
فقلت وقد أكثر العاذلوندعوني فأني قتيل النوا (ظر
للشاعر ابن معصوم، من قصيدة «أصابت نواظره مهجتي»

وبيت بديعية الشيخ صفي الدين الحلي من النوع الأول من الاكتفاء الذي هو بجميع الكلمة وهو قوله:

قالوا ألم تدر أن الحب غايتهسلب الخواطر والألباب قلت لم
للشاعر صفي الدين الحلي، من قصيدة «إن جئت سلعا فسل عن جيرة العلم»

قال ابن حجة: عجبت للشيخ صفي الدين كيف استحسن هذا البيت ونظمه في سلك أبيات بديعيته مع ما فيه من الركة، والنظم السافل، وبرد موضع الاكتفاء بلفظة (لم) مع أنه غير مكلف بتسمية النوع، ولا ملتفت إلى تورية. انتهى. أسرف وما أنصف.

ولم ينظم ابن جابر الأندلسي هذا النوع في بديعيته.

وبيت بديعية العز الموصلي جمع بين نوعي الاكتفاء وهو:

وما اكتفى الحب كسف الشمس منه إذاحتى انثنى يخجل الأغصان حين يمي

فقوله: (إذا) من النوع الأول، إذ من المعلوم أن بعده (بدا) لما تقدم ذكره كسف الشمس، وقوله (حين يمي) من النوع الثاني، لأن المراد (حين يميل) أو (يميس) أو (يميد)، ولا أرى في هذا البيت تورية، وقد قال ابن حجة: أنه التزم فيه التورية.

وبيت بديعية ابن حجة من النوع الثاني من الاكتفاء مع التورية:

لما اكتفى خده القاني بحمرتهقال العواذل بغضا أنه لدمي

أراد: لدميم، وهو بالدال المهملة: الحقير، وهذا الاكتفاء ينظر إلى قول القائل:

كضرائر الحسناء قلن لوجههاحسدا وبغضا أنه لدميم
للشاعر أبو الأسود الدؤلي، من قصيدة «حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه»

وبيت بديعية الشيخ عبد القادر الطبري جمع فيه مع الاكتفاء عتاب المرء نفسه، و

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «أنوار الربيع في أنواع البديع»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.