من «أنوار الربيع في أنواع البديع» لابن معصوم المدني (ت ١١١٩هـ)
تتمة باب المغايرة
وقال أبو أحمد التمامي:
غالبت كل شديدة فغلبتهاوالفقر غالبني فأصبح غالبي
إن أبده يفضح وإن لم أبدهيقتل فقبح وجهه من صاحب
مدح الصبر - قال بعضهم:
ما أحسن الصبر في مواطنهوالصبر في كل موطن حسن
وقال علي بن الجهم:
وعاقبة الصبر الجميل جميلةوأفضل أخلاق الرجال التفضل
وقال بعضهم:
الصبر مفتاح ما يرجىوكل خطب يهون
اصبر وإن طالت اللياليفربما أمكن الحرون
وربما نيل باصطبارما قيل هيهات لا يكون
والنظم والنثر في هذا المعنى كثير جدا.
ذم الصبر - قال البرقعي:
من حمد الصبر وحالاتهفلست بالحامد للصبر
كم جرعة للصبر جرعتهاأمر في الذوق من الصبر
وقال آخر:
ما أحسن الصبر ولكنهفي ضمنه يذهب عمر الفتى
وقال القاضي الفاضل:
يقولون أن الصبر يعقب راحةوما ضمنوا تبليغ عاقبة الصبر
وفي الصبر ربح أو طريق مبلغإلى الربح لكن الخسارة من عمري
وما أحسن قول الشاعر:
ومصبر للصب قلت له وهلصبر لمن عنه الحبيب يغيب
والله إن الشهد بعد فراقهمما لذ لي فالصبر كيف يطيب
مدح المشورة - قال بعض البلغاء: المشورة لقاح العقول، ورائد الصواب، والمستشير على طريق النجاح، واستنارة المرء برأي أخيه من عزم الأمور وحزم التدبير. وقد أمر الله بالمشورة أكمل الخلق لبابة، وأولاهم بالإصابة، فقال لرسوله الكريم، في كتابه الحكيم (وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله).
وقال الأصمعي: قلت لبشار بن برد: يا أبا معاذ، والله ما سمعت في المشورة أحسن من قولك:
إذا بلغ الرأي المشورة فاستعنبحزم نصيح أو نصاحة حازم
ولا تجعل الشورى عليك غضاضةفإن الخوافي قوة للقوادم
فقال لي: أما علمت أن المشاور بين إحدى الحسنيين، صواب يفوز بثمرته، أو خطأ يشارك في مكروهه. فقلت له: والله لأنت في كلامك هذا أشعر منك في شعرك.
ذم المشورة - كان عبد الملك بن صالح الهاشمي يذم المشورة ويقول: ما استشرت أحدا قط إلا تكبر علي وتصاغرت له، ودخلته العزة، ودخلتني الذلة. فإياك والمشاورة وإن ضاقت بك المذاهب، واستبهمت عليك المسالك وأداك الاستبداد إلى الخطأ الفادح.
وكان عبد الله (بن) طاهر يقول: ما حك ظهري مثل ظفري، ولأن أخطأ مع الاستبداد ألف خطأ أحب إلي من أن استشير فالحظ بعين النقص والحاجة.
مدح العتاب - قال بعض البلغاء: العتاب حدائق المتحابين، وثمار الأوداء، والدليل على الضن بالأخوة. وكان يقال: ظاهر العتاب خير من باطن الحقد.
(وقال) أبو لادرداء: معاتبة الأخ أهون من فقده، ومن لك بأخيك كله.
(وقال) بعضهم:
ترك العتاب إذا استحق أخمنك العتاب ذريعة الهجر
وقال الشاعر:
نعاتبكم يا آل عمرو لحبكمإلا إنما الملقي من لا يعاتب
وقال آخر: - (ويبقى الود ما بقي العتاب) وقال آخر: - (وفي العتاب حياة بين أقوام) وقال آخر:
إذا تخلفت عن صديقولم يعاتبك في التخلف
فلا تعد بعده إليهفإنما حبه تكلف
(وقال) آخر:
علامة ما بين المحبين والهوىعتابها في كل حق وباطل
(وقال) آخر:
ومن لم يعاتب في التواني خليلهوأملى له صار التواني تماديا
ذم العتاب - قال بعضهم: كثرة العتاب داعية الاجتناب. وقال الشاعر:
إن بعض العتاب يدعو إلى العب ويوذي من المحب الحبيبا
وإذا ما القلوب لم تضمر الودفلن يعطف العتاب القلوبا
وقال آخر:
ودع ذكر العتاب فرب شرطويل هاج أوله العتاب
وقال آخر:
إذا ما كنت منكر كل ذنبولم تحمل أخاك عن العتاب
تباعد من تقارب بعد قربوصار به الزمان إلى اجتناب
وقال آخر:
أقلل عتاب من استربت بودهليست تنال مودة بعتاب
وفي نوابع الكلم: الكتاب الكتاب، أن أردت العتاب، إن العتاب مسافهة، متى كان مشافهة.
مدح الشباب - قال الصولي في كتاب فضل الشباب على الشيب الذي ألفه للمقتدر: إن السن لا تقدم مؤخرا ولا تؤخر مقدما، بل ربما عدل بجلائل الأمور ومهمات الخطوب عن المشايخ إلى الشبان لاستقبال أيامهم، وسرعة حركاتهم، وحدة أذهانهم، وتيقظ طباعهم؛ ولأنهم على ابتناء المجد أحرص وإليه أصبا وأحوج. وقد أخبر الله عز اسمه أنه أتى يحيى بن زكريا ﵉ الحكمة في سن الصبا فقال: (يا يحيى خذ الكتاب بقوة وآتيناه الحكم صبيا) وذكر الفتية في غير موضع من كتابه فقال: (إذ أوى الفتية إلى الكهف) وقال: (إنهم فتية آمنوا بربهم) وقال عز ذكره: (وقال لفتيانه اجعلوا بضاعتهم في رحالهم) وقال (في موضع) آخر: (وإذ قال موسى لفتيه) وعن ابن عباس أنه قال: ما بعث الله نبيا من الأنبياء ﵈ إلا شابا، ولا أتى العلم عالما إلا وهو شاب ثم تلا هذه الآية: (قالوا سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم).
وقال بعض البلغاء: الشباب باكورة الحياة، وأطيب العيش أوائله كما أن أطيب الثمار بواكيرها.
ولما أنشد منصور النمري الرشيد قوله:
ما تنقضي حسرة مني ولا جزعإذا ذكرت شبابا ليس يرتجع
ما كنت أوفي شبابي كنه عزتهحتى انقضى فإذا الدنيا له تبع
بكى الرشيد حتى اخضلت لحيته ثم قال: يا نمري ما خير دنيا لا يخطر فيها برداء الشباب.
(وقال) يوتس أغوى: ما بكت العرب على شيء ما بكت على الشباب، وما بلغت منه ما يستحق.
وقال الجاحظ في معنى قول أبي العتاهية:
إن الشباب حجة الصتابيروائح الجنة في الشباب
معنى كمعنى الطرب الذي تشهد بصحته القلوب وتعجز عن صفته الألسنة.
ذم الشباب - كان يقال: الشباب مطية الجهل، ومطية الذنب.
وقال النابغة الذبياني:
فإن يك عامر قد قال جهلافإن مطية الجهل الشباب
وقال الغيبي: قالت عهدتك مجنونا فقلت لها=إن الشباب جنون برؤه الكبر وقال أبو الطيب المصعبي:
لم أقل للشباب في كنف الله وفي سترة غداة استقلا
زائر زارني أقام قليلاسود الصحف بالذنوب وولى
وقال آخر:
ما أبصرت عيناي أغدر زائرفي الدهر من هذا الشباب الراحل
أكرمته وبررته حتى إذاواحا حال على المشيب القاتل
مدح الشيب - في الخبر أن الله سبحانه يقول: الشيب نوري، وأنا أستحي أن أحرق نوري بناري.
وكان يقال: الشيب حلية العقل وسمة الوقار.
وكان يقال: المشيب زبدة مخضتها الأيام، وفضة سبكتها التجارب.
وقال بعض الحكماء: إذا شاب العاقل سرى في طريق الرشد بمصباح.
فصل للبديع الهمداني في مدح الشيب (و) ذم الشباب: جزى الله المشيب خيرا فإنه أناة ولا رد الشباب فإنه هناة. وأظن الشباب والمشيب لو مثلا لمثل الأول كلبا عقورا، والآخر شيخا وقورا، ولاشتعل الأول نارا، واشتهر الثاني نورا. فالحمد لله الذي بيض القار وسماه الوقار، وعسى الله أن يغسل الفؤاد كما غسل السواد. إن السعيد من شابت لمته، ولم تخص بالبياض لحيته.
وقال دعبل:
أهلا وسهلا بالمشيب فإنهسمة العفيف وهيبة المتحرج
ضيف أحل بك النهى فقريتهرفض الغواية واقتصاد المنهج
لا شيء أحسن من مشيب وافدبالحلم مخترم الشباب الأهوج
فكأن شعري نظم در زاهرفي تاج ذي ملك أغر متوج
وقال طريح بن إسماعيل الثقفي:
والشيب أن يحلل فإن وراءهعمرا يكون خلاله متنفس
لم ينتقص مني المشيب قلامةالآن حين بدا ألب وأكيس
وقال أبو تمام:
ولا يروعك إيماض القتير بهفإن ذاك ابتسام الرأي والأدب
وقال أبو السمط:
إن المشيب رداء العقل والأدبكما الشباب رداء اللهو والطرب
هذا مختار اليواقيت في مدح الشيب.
وقال الشريف الرضي:
مسيري في ليل الشباب ضلالوشيبي ضياء في الورى وجمال
سواد ولكن البياض سيادةوليل ولكن النهار جلال
وما المرء قبل الشيب إلا مهندصدي وشيب العارضين صقال
وأطرب لقول شيخنا العلامة محمد بن علي الشامي أبقاه الله تعالى:
وإن في الشعرات البيض لو عملوانورا لعيني ونوارا على عودي
بيض وسود إذا ماستجمعا حسناحسن البياض على أحداقها السود
ذم الشيب - ومن أحسن ما قيل فيه على كثرته قول أبي تمام:
غدا الشيب مختطا بفودي خطةطريق الردى منها إلى النفس مهيع
هو الزور يجفى والمعاشر يجتوىوذو الإلف يقلى والجديد يرقع
له منظر في العين أبيض ناصعولكنه في القلب أسود أسقع
ونحن نزجيه على الكره والرضىوأنف الفتى من وجهه وهو أجدع
وقول عبيد الله بن عبد الله بن طاهر:
تضاحكت لما رأتشيبا تلالا غرره
قلت لها لا تضحكيأنبيك عندي خبره
هذا غمام للردىودمع عيني مطره
وقول الآخر:
من شاب قد مات وهو حييمشي على الأرض مثل هالك
لو كان عمر الفتى حسابالكان في شيبه فذالك
هذا ما أورده الثعالبي من الشعر في ذم الشيب.
ويعجبني إلى الغاية قول مهيار بن مرزويه الكاتب ﵀:
قالوا المشيب لبسة جديدةخذوا الجديد واستردوا لي الخلق
وقال القاضي شمس الدين بن خلكان: أنشدني الأديب أبو عبد الله شهاب الدين محمد بن يوسف بن سالم المعروف بالتلعفري في بعض ليالي شهر رمضان سنة ثمان وثلاثين وستمائة بالقاهرة، وهو من شعراء العصر المجيدين:
يا شيب كيف وما انقضى زمن الصباعاجلت مني اللمة السوداء
لا تعجلن فو الذي جعل الدجىمن ليل طرتي البهيم ضياء
لو أنها يوم الحساب صحيفتيما سر قلبي كونها بيضاء
فقلت له: قد أغرت على بيت نجم الدين يعقوب بن صابر المنجنيقي حتى أنك قد أخذت معظم لفظه وجميع معناه والوزن والروي، وهو قوله:
لو أن لحية من يشيب صحيفةلمعاده ما اختارها بيضاء
فحلف أنه لم يسمع هذا البيت إلا بعد عمله الأبيات، والله أعلم بذلك.
وهذا البيت لابن صابر من جملة أبيات وهي:
قالوا بياض الشيب نور ساطعيكسو الوجوه مهابة وضياء
حتى سرت وخطاته في مفرقيفوددت أن تنفذ الظلماء
وغدوت أستبقي الشباب تعللابخضابها فخضبتها سوداء
لو أن لحية من يشيب صحيفةلمعاده ما اختارها بيضاء
وهنا انتهى ما أردنا إيراده من كتاب يواقيت المواقيت للثعالبي في نوع المغايرة، مع زيادات فيه نبهنا على بعضها، وأغفلنا البعض.
ومن مشهور أمثلة المغايرة قول ابن الرومي في هجو الود، وهو الذي يقول فيه ابن سكرة الهاشمي:
للود عندي محللأنه لا يمل
كل الرياحين جندوهو الأمير الأجل
وما حمل ابن الرومي على هجوه إلا أنه كان يزكم من رائجته حتى قال فيه ما هو من عجائب التشبيه، ونوادر تقبيح الحسن والتهجين، وهو قوله:
وقائل لم هجرت الورد مقتبلافقلت من شؤمه عندي ومن سخطه
كأنه سرم بغل حين أخرجهعند البراز وباقي الروث في وسطه
أين هذا التشبيه القبيح من قول الآخر في الورد:
كأنه وجنة الحبيب وقدنقطها عاشق بدينار
وقد كان ابن الرومي ممن يخالف الناس، ويعكس القياس، فيذم الحسن ويمدح القبيح، وهو القائل:
في زخرف القول تزيين لباطلهوالحق قد يعتريه بعض تغيير
تقول هذا مجاج النحل تمدحهوإن ذممت تقل قيء الزنابير
مدحا وذما وما جاوزت وصفهماسحر البيان يري الظلماء كالنور
قال الصفدي: والحريري إنما فاق على من سواه بما أتى به في مقاماته في مدح الشيء وذمه، كما فعل في المقامة الدينارية، والتي فاضل فيها بين كتابة الإنشاء والحساب، والتي ذكر فيها البكر والثيب والزواج والعزوبة، وغير ذلك، وهذا هو البلاغة والتلعب بالكلام وصحة التخيل والذوق. انتهى.
وحكى الشريف المرتضى علم الهدى ﵁ في كتاب الغرر والدرر قال: حكي أن أبا النظام جاء به وهو حدث إلى الخليل بن أحمد ليعلمه فقال له الخليل يوما يمتحنه وفي يده قدح زجاج: يا بني صف لي هذه الزجاجة فقال: بمدح أم بذم؟ فقال: بمدح، قال: نعم، تريك القذى ولا تقبل الأذى ولا تستر ما ورا.
قال: فذمها، قال: سريع كسرها بطيء جبرها. قال: فصف هذه النخلة - وأومأ إلى نخلة في داره - قال: أبمدح أم بذم؟ قال: بمدح، قال: هي حلو مجتناها، باسق منتهاها، ناضر أعلاها. قال: فذمها؛ قال: هي صعبة المرتقى؛ بعيدة المجتنى؛ محفوفة بالأذى. فقال الخليل: يا بني نحن إلى التعلم منك أحوج.
قال السيّد المرتضى قدس الله سره الشريف: وهذه بلاغة من النظام حسنة، لأن البلاغة هي وصف الشيء ذما أو مدحا بأقصى ما يقال فيه. انتهى.
ويحكى أنه لما حفر عبد الله بن عامر بالبصرة نهره المعروف بنهر عامر ركب إليه يوما ومعه غيلان الضبي؛ فقال له: يا غيلان ما أنفع هذا النهر لأهل هذا المصر؟ فقال: نعم أصلح الله الأمير: هو سقياهم، وتأتيهم فيه ميرتهم، وتتعلم منه السباحة صبيانهم. فلما عزل عبد الله، وولي زياد وكان مولعا برفع آثار عبد الله، وأراد طم هذا النهر فلم يمكنه لفرط منافع الناس به، فركب يوما ومعه غيلان على شط ذلك النهر، فقال له زياد: يا غيلان ما أضر هذا النهر بأهل هذا المصر؟ فقال: نعم أصلح الله الأمير، تنز منه دورهم، ويكثر به بعوضهم، وتغرق فيه ولدانهم. فعجب الناس من تصرفه.
وتكلف ابن الرومي في هجو القمر وعدد له معائب فقال:
لو أراد الأديب أن يهجو البدر رماه بالخطة الشنعاء
قال يا بدر أنت تغدر بالساري وتغري بزورة الحسناء
كلف في بياض وجهك يحكينمشا فوق وجنة برصاء
يعتريك المحاق في كل شهرفترى كالقلامة الحجناء
وأبلغ ما قيل في ذلك وأجمعه قول بعض ظرفاء الكتاب ممن يسكن دور الكراء، وقد قيل له: أنظر إلى القمر ما أحسنه، فقال: والله ما انظر إليه لبغضي له، قيل: ولم؟ قال لأن فيه عيوبا لو كانت في حمار لرد بالعيب، قيل: وما هي؟ قال: ما يصدقه العيان، ويشهد به الأثر. فإنه يهدم العمر، ويقرب الأجل، ويحل الدين، ويوجب كراء المنزل، ويقرض الكتان، ويشحب الألوان، ويسخن الماء، ويفسد اللحم؛ ويعين السارق؛ ويفضح العاشق الطارق.
وتأذى ابن المعتز في ليلة من ليالي البدر بالقمراء، وذلك في الصيف فقال يذم القمر:
يا سارق الأنوار من شمس الضحىيا مثكلي طيب الكرى ومنغصي
أما ضياء الشمس فيك فناقصوأرى زيادة حرها لم تنقص
لم يظفر التشبيه منك بطائلمتسلخ بهقا كجلد الأبرص
وما أسنى قول (ابن) سناء الملك:
ليل الحمى بات بدري وهو معتنقيوبات بدرك مرميا على الطارق
شتان ما بين بدر صيغ من ذهب ...
وذاك بدري
وبدر صيغ من بهق
وأين هؤلاء من ذلك البدوي الذي شردت راحلته بالليل فاتبعها حتى أعيا فلما طلع القمر وجدها معلقة بخطامها ترعى من الشجر، فرفع رأسه إلى القمر فقال:
ماذا أقول وقلي فيك ذو حصروقد كفيتني التفصيل والجملا
إن قلت لا زلت مرفوعا فأنت كذاأو قلت زانك ربي فهو قد فعلا
وقد عدوا في الشمس معائب، كما عدوا في القمر، فقال بعضهم: الشمس تشحب اللون، وتغير العرق، وترخي البدن، وتثير المرة. إن أضحيت فيها أمرضتك، وإن أطلت النوم فيها أفلجتك، وإن قربت منها صرت زنجيا، وإن بعدت عنها صرت صقلبيا.
وقال المشرف التيفاشي في ذمها:
في خلقة الشمس وأخلاقهاشتى عيوب ستة تذكر
من صبحها النور لا مسائهامغائر الأشكار لا يفتر
رمداء عمشاء إذا أصبحتعمياء عند الليل لا تبصر
ويغتدي البدر لها كاسفاوجرمه من جرمها أصغر
حرورها في القيظ لا يتقىونورها في القر مستحقر
وخلقها خلق الملول الذيينكث في العهد ولا يصبر
ليست بحسناء وما حسن منيقصر عنه اللفظ أن يخبر
وأحسن من هذا قول ابن سناء الملك:
لا كانت الشمس فكم أصدأتصفحة خد كالحسام الصقيل
وكم وكم صدت بوادي الكرىطيف خيال جاءني من خليل
وأعدمتني من نجوم الدجىومنه روضا بين ظل ظليل
تكذب في الوعد وبرهانهإن سراب القفر منها سليل
وتحسب النهر حساما فترتاع وتحكي فيه قلب الذليل
إن صدئ الطرف فما صقلهإلا التجلي بمحيا جميل
وهي إذا أبصرها مبصرحديد طرف عاد عنها كليل
يا غلة المهموم يا جلدة المحموم يا زفرة صب نحيل
يا قرعة المشرق وقت الضحىوسلحة المغرب وقت الأصيل
أنت عجوز لم تبرجت ليوقد بدا منك لعاب يسيل
وأنت بالشيطان قرنانةفكيف تهدينا سواء السبيل
قال الصفدي: انظر إلى هذا التمحل الذي تكلفه لإظهار معائب الشمس لتعلم تفاوت الناس في البلاغة. وأحسن ما في هذه القطعة قوله: يا غلة المهموم - البيت - والذي بعده حسن، والثالث أيضاً.
وهو مأخوذ من قول أبي العلاء المعري:
وفضل الشمس في الآفاق باقوإن مدت من الكبر اللعابا
انتهى. وما أحسن قول بعض الأعراب يصف أحوالها:
مخبأة أما إذا الليل جنهافتخفى وأما في النهار فتظهر
إذا انشق عنها ساطع الفجر وانجلىدجى الليل وإنجاب الحجاب المنمر
وألبس عرض الأرض لونا كأنهعلى الأفق الغربي ثوب معصفر
تجلت سريعا حين يبدو شعاعهاولم يبد للعين البصيرة منظر
عليها كردع الزعفران يشوبهشعاع تلألأ فهو أبض أصفر
فلما انجلت وابيض منها اصفرارهاوجالت كما جال الوشاح المشهر
وجللت الآفاق نورا فأصعدتبحر له صدر الشجى يتسعر
ترى الظل يطوى حين تبدو وتارةتراه إذا زالت على الأرض ينشر
كما بدأت إذ أشرقت بطلوعهاتعود كما عاد الكبير المعمر
وتدنف حتى ما يكاد شعاعهايبين إذا ولت لمن يتبصر
وأفنت قرونا وهي إذ ذاك لم تزلتموت وتحيا كل يوم وتنشر
رجع إلى التغاير - وغاير الناس ابن المعتز في ذم الجود ومدح البخل فقال:
يا رب جود جر فقر امرئفقام في الناس مقام الذليل
فاشدد عرى مالك واستبقهفالبخل خير من سؤال البخيل
وقال ابن الرومي في مدح الحقد:
وما الحقد إلا توأم العقل في الفتىوبعض السجايا ينسبن إلى بعض
إذا الأرض أدت ريع ما أنت زارعمن البذر فيها فهي ناهيك من أرض
وجرى الحجاج بن يوسف على سجيته فذم العدل ومدح الجور في قوله:
إذا عدل السلطان هان وإن يكنلدى جوره أمر فإن له نبلا
وما العدل إلا عجز رأي وضلةوكل أخي عدل سيورثه ذلا
وقال آخر في ذم الحلم والتواضع مغايرا للناس في ذلك:
الحلم عجز والتواضع ذلةعندي وبعض الحول حلو المجتنى
ولجام ذي السفه الجفاء فإن تزلعنه جفاءك عاد يركض في الخنا
كالعود يكفيك اللهيب دخانهفإذا اللهيب انجاب عنه تدخنا
ومن شعر محمد بن أبي حمزة العقيلي يذم الشجاعة:
ظلت تشجعني هند فقلت لهاإن الشجاعة مقرون بها العطب
يا هند لا والذي حج الحجيج لهما يشتهي الموت عندي من له أرب
ووصف البحتري يوم الفراق بالقصر، وقد أجمع الناس على طوله فقال:
قصرت مسافته على متزودمنه لوهن صبابة وغليل
ولقد تأملت الفراق فلم أجديوم الفراق على امرئ بطويل
وقال التهامي في النوائب:
لله در النائبات فإنهاصدأ اللئام وصيقل الأحرار
ما كنت إلا زبرة فطبعننيسيفا وأرهف حدهن غراري
وقال آخر في ذلك:
جزى الله الشدائد كل خيروإن هي جرعت غصص الرفيق
وما شكري لها إلا لأنيعرفت بها عدوي من صديقي
وقال آخر في الدعاء لأعدائه:
عداتي لهم فضل علي ومنةفلا أذهب الرحمن عني الأعاديا
هم بحثوا عن زلتي فاجتنبتهاوهم نافسوني فاكتسبت المعاليا
ولم أسمع في نوع المغايرة بأبدع من قول أبي الحسن الباخرزي في عميد الملك الكندري، حين اختصى وحلق لحيته. وسبب ذلك: أن مخدومه الملك ألب أرسلان أرسله إلى خوارزم شاه ليخطب له ابنته، فأرجف أعداؤه: إن عميد الملك خطبها لنفسه، وشاع ذلك بين الناس، فبلغ عميد الملك الخبر، فخاب تغير مخدومه عليه، فعمد إلى لحيته فحلقها، وإلى مذاكيره فجبها، وكان ذلك سبب سلامته من مخدومه. وقيل أن السلطان خصاه.
فلما فعل ذلك قال فيه أبو الحسن الباخرزي قصيدة يمدحه بها مطلعها:
طاب العميد الكندري شمائلاحتى استعار الروض منه مخائلا
منها في جب مذاكيره وهو قوله المشار إليه:
قالوا محا السلطان عنهلا انمحى
سمة الفحول وكان قرما صائلا
قلت اسكتوا فالآن زاد فحولةلما اغتدى عن أنثييه عاطلا
والفحل يأنف أن يسمى بعضهأنثى لذلك جذها مستأصلا
ومتى يضن على الحديد بفرعهأصل يسيل على الحديد مقاتلا
وله بما يخصى الجواد فيكتسيسمنا وقد رثت قواه ناحلا
فيغير في الظلماء غير منبهجيش العدو بأن يحمحم صاهلا
يهنيه نفي الأنثيين فإنهنقص يسوق إليه مجدا كاملا
ومنها في حلق لحيته:
هذا وقد كان الكسوف لشمسهمتطرقا يذكي سنا متضائلا
فجلوا عن الشمس الكسوف ليملأ الأقطاب والأقطار ضوء شاملا
إن الأشاء إذا أصاب مشذبمنه أتمهل ذرى وأث أسافلا
قال في الدمية: ولا أعرف أحدا مدح بهذا المديح، وهو نوع من الصنعة يسمى تحسين القبيح. انتهى.
وقد طال الشرح في نوع التغاير ولكنني متعت الأذواق بمحاسن أمثاله الغريبة، وقرَّطت المسامع بدرر شواهده التي لا تعتري حسنها ريبة.
وبيت بديعية الشيخ صفي الدين الحلي قوله:
فالله يكلؤ عذالي ويلهمهمعذلي فقد فرجوا كربي بذكرهم
غاير الناس في الدعاء لعذاله، وسؤاله الهامهم عذله، وما ذاك إلا أن العذول لا يزال يذكر الأحباب في عذله، فلما كرر العذال عذله بذكر أحبابه فرجوا كربه بذلك.
وما أحسن قول الشيخ عمر بن الفارض:
اعد ذكر من أهوى ولو بملامفإن أحاديث الحبيب مدامي
ليشهد سمعي من أحب وإن نآىبطيف ملام لا بطيف منام
فلي ذكرها يحلو على كل صيغةوإن مزجوه عذلي بخصام
كان عذولي بالوصال مبشريوإن كنت لم أطمع برد سلام
وبيت بديعية الشيخ عز الدين الموصلي قوله:
تغاير الحال حتى في النوى فبهأصبحت منتظرا أيام وصلهم
قال ابن حجة أنه نظم المغايرة ولكن غاير بها الأفهام، وما أرانا من عقادة بيته غير الإبهام.
ولم ينظم ابن جابر هذا النوع في بديعيته.
وبيت بديعية ابن حجة قوله:
أغاير الناس في حب الرقيب فمذأراه أبسط آمالي بقربهم
قال في شرحه: الناس قد أجمعوا على ذم الرقيب وغايرتهم أنا في مدحه لمعنى، وما ذاك إلا أنني لما أراه أتحقق أنه ما تجرد للمراقبة إلا وقد علم بزيارة الحبيب. فانظر إلى حسن المغايرة وغرابة المعنى وحسن التركيب. انتهى.
وأنا أقول: المغايرة بمدح الرقيب أمر مشهور من قديم العصر في النظم والنثر، فمنه قول بعض الظرفاء: متى أؤدي شكر الرقيب وهو يحفظ حبيبي - وهو من الدنيا نصيبي - وكما يمنعه مني، يمنعه من غيري.
وكان عبد الصمد بن معذل يقول: مرحبا بالرقيب، فإنه ثاني الحبيب. وهو القائل لابن الرومي:
موقف للرقيب لا أنساهلست أختاره ولا أأباه
مرحبا بالرقيب من غير وعدجاء يجلو علي من أهواه
وقال آخر:
أحب العذول لتكرارهحديث الحبيب على مسمعي
وأهوى الرقيب لأن الرقيبيكون إذا كان حبي معي
فإن كان ابن حجة لم يطرق سمعه شيء من ذلك فقد دل على قلة اطلاعه وقصر باعه، وإن اطلع عليه ثم قال: (الناس قد أجمعوا على ذم الرقيب وغايرتهم أنا في مدحه فانظر إلى حسن المغايرة وغرابة المعنى) فهذا منه وقاحة زائدة وتزيد ليس له فائدة.
وبيت بديعية الشيخ عبد القادر الطبري قوله:
وقيت يا عاذلي مني التغاير ماذكرتهم لي إلا فرجت غممي
هذا معنى بيت الشيخ صفي الدين الحلي بعينه أخذه من ذلك العقد وأودعه هذا الودع.
وبيت بديعيتي هو قولي:
غايرت قولي في حبيهم فأناأهوى الوشاة لتقريبي لسمعهم
المغايرة فيه، محبته للوشاة به، لتقريبهم له من سمع أحبابه، والناس قد أجمعوا على مقت الوشاة في بغضهم لهم، وهذه المغايرة لم أقف عليها في نظم ولا نثر ممن تقدمني مع شدة الفحص عنها والطلب لها.
ووقع في شعر مسلم بن الوليد المغايرة بمدح الواشي على غير هذا الوجه، وهو قوله:
يا واشيا حسنت فينا إساءتهنجى حذارك إنساني من الغرق
وهذا المعنى ليس من ذلك في شيء كما هو ظاهر.
وبيت بديعية شرف الدين المقري قوله:
جرى الفراق فراق الالتقا ووقىملالة الوصل فأحمده ولا تذم
المغايرة فيه ظاهرة وهو مدح الفراق، لكونه حسن الالتقاء بعده، ولكونه وقى من ملالة الوصل، والمعروف ذم الفراق والتبرم منه.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع