من «أنوار الربيع في أنواع البديع» لابن معصوم المدني (ت ١١١٩هـ)
التوشيح
هم وشحوني بمنثور الدموع وقدتوشحوا من لآليهم بمنتظم
التوشيح هو أن يكون في أول الكلام ما يستلزم القافية ويدل على لفظها، ولذلك سمي توشيحاً، لأن الكلام لما دل أوله على آخره نزل المعنى منزلة الوشاح، ونزل أول الكلام وآخره منزلة العاتق والكشح اللذين يجول عليهما الوشاح، والفرق بينه وبين رد العجز على الصدر، أن هذا دلالته معنوية، وذاك لفظية.
ومن أعظم الشواهد على هذا النوع قوله تعالى: (إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين) فإن اصطفى يدل على أن الفاصلة (العالمين) لا باللفظ، لأن لفظ العالمين غير لفظ اصطفى ولكن بالمعنى، لأنه يعلم من لوازم اصطفاء شيء أن يكون مختارا على جنسه، وجنس هؤلاء المصطفون العالمون. وقوله تعالى: (وآية لهم الليل نسلخ منه النهار فإذا هم مظلمون).
قال ابن أبي الإصبع: فإن من كان حافظا لهذه السورة متفطنا إلى أن مقاطع آيها النون، وسمع في صدر الآية انسلاخ النهار من الليل علم أن الفاصلة (مظلمون) لأن من انسلخ النهار عن ليله أظلم أي دخل في الظلمة.
ومن أمثلته الشعرية قول الراعي:
وإن وزن الحصى فوزنت قوميوجدت حصى ضريبتهم رزينا
قال قدامة في كتابه نقد الشعر: إن الإنسان إذا سمع هذا البيت وقد عرف قافية القصيدة، علم أن وزن الحصى سيأتي بعده رزين لأمرين: أحدهما أن قافية القصيدة نونية، والثاني أن نظام البيت يقتضيه، لأن الذي يفاخر برجاحة الحصى وهو العقل، يلزمه أن يقول في حصاه أنه رزين. انتهى.
ونحوه قول الفرزدق من قصيدته التي أجاب بها جريرا:
وأغلق من وراء بني كليبعطية من مخازي اللؤم بابا
فإن السامع إذا تحقق أن القافية مجردة منطلقة رويها الباء وحرف إطلاقها الألف، ورأى في صدر البيت ذكر الإغلاق، لم يعتره شك في أن القافية (بابا).
وذكر ابن حجة وغيره في هذا النوع أمثلة هي من نوع التسهيم، ستقف عليها هناك، وتعلم أنها منه لا من باب التوشيح.
ومما وقع لي أنا في هذا النوع، أني أنشدت مرة شيخنا العلامة جعفر ابن كمال الدين البحراني سقى الله غيث الرحمة ثراه أبياتا من شعري أولها:
سقى الله أيامنا بالحجازولا جازها الغيدق الهاطل
فما كان أطيب عيشي بهاإذ المنزل القفر بي آهل
إلى أن وصلت إلى قولي فيها:
أتعذلني جاهلا حالهلك الويل يا أيها العاذل
فلما بلغت (حاله) لإنشاد قولي (لك الويل) سبقني هو فقال (يا أيها العاذل).
ومن شواهده أيضاً قول الشريف الرضي ﵁ في قصيدة:
ما أنصف الفاسق في لحظهلما أرانا عفة العابد
تعزز الحب إلي ذلةوناقص الحب إلى زائد
وقوله منها:
يا عذبة المبسم بلي الجوىبنهلة من ريقك البارد
أرى غديرا شبما ماؤهفهل لذاك الماء من وارد
من لي به من عسل ذائبيجري خلال البرد الجامد
وقول أمية بن (أبي) الصلت:
أأذكر حاجتي أم قد كفانيحياؤك إن شيمتك الحياء
وعلمك بالأمور وأنت قرملك الحسب المهذب والبناء
كريم لا يغيره صباحعن الخلق السني ولا مساء
الشاهد في البيت الثالث، فإن السامع إذا سمع صدره وقد عرف القافية لا يختلجه شك في أن القافية (مساء).
وقول أبي فراس بن حمدان:
ولما ثار سيف الدين ثرناكما هيجت آسادا غضابا
أسنته إذا لاقى طعاناصوارمه إذا لاقى ضرابا
دعانا والأسنة مشرعاتفكنا عند دعوته الجوابا
الشاهد في البيت الثالث أيضاً وهو ظاهر.
وقول أبي عبادة البحتري: والشاهد في البيت الثالث أيضاً:
ما لي وللأيام صرف صرفهاحالي وأكثر في البلاد تقلبي
أمسي زميلا للظلام وأغتديردفا على كفل الصباح الأشهب
فأكون طورا مشرقا للمشرق الأقصى وطورا مغربا للمغرب
فإن صدر البيت يدل دلالة بينة على أن القافية (مغرب).
وما أحسن قوله بعده، وهو من أبياته السائرة:
وإذا الزمان كساك حلة معدمفالبس لها حلل النوى وتغرب
ولنكتف من شواهد هذا النوع بهذه النبذة ففيها للأديب مقنع والله أعلم.
وبيت بديعية الشيخ صفي الدين الحلي قوله:
هم أرضعوني ثدي الوصل حافلةفكيف يحسن منهم حال منفطم
فذكر الرضاع والثدي مع العلم أن القصيدة ميمية يعلم منها من له أدنى ذوق أن القافية ينبغي أن تكون (منفطم).
ولم ينظم ابن جابر الأندلسي هذا النوع في بديعيته.
وبيت بديعية الشيخ عز الدين الموصلي قوله:
نومي وعقلي بتوشيح الهوى سلبافبت صبا بلا حلم ولا حلم
فذكر النوم في صدر البيت يعلم منه - وقد عرف أن القصيدة ميمية - إن قافيته تكون (حلم). غير أن قوله: توشيح الهوى، استعارة غير مقبولة.
وبيت بديعية ابن حجة قوله:
توشيحهم بملا تلك الشعور إذالفوه طيا تعرفنا بنشرهم
ابن حجة سود وجه نصف صفحته في إطراء هذا البيت، وتعديد محاسنه، وهو من التكلف على جانب كما يشهد به الذوق السليم، وعلى أمر خال من مثال النوع، إذ ليس في صدر البيت ما يدل على انه ينبغي أن تكون القافية (نشرهم)، إذ النشر إنما يناسبه الطي أو الرائحة الطيبة، وذكر الطي والعرف في العجز لا يجدي، فإنه خروج عن شرط التوشيح لما تقدم من أنه ينبغي أن يكون في أول الكلام ما يدل على القافية لا في آخر الكلام، فتأمل.
وبيت بديعية الشيخ عبد القادر الطبري قوله:
توشحوا الود وامتنوا علي بهفكيف يحسن سعيي في فراقهم
هذا البيت أيضاً ليس فيه من التوشيح غير لفظ توشحوا، وأما معناه فلا. واستعارة التوشيح للود لا وجه لها ولا مناسبة أصلا.
وبيت بديعيتي هو قولي:
هم وشحوني بمنثور الدموع كماتوشحوا من لآليهم بمنتظم
فذكر منثور الدموع في صدر البيت بعد العلم بأن القافية ميمية يستلزم عند غير الأجنبي عن هذا العلم أن تكون قافية البيت (منتظم). وفي قوله: وشحوني بمنثور الدموع استعارة تبعية، أضمر تشبيه انصباب الدموع على العاتق والكشح بتوشيح الوشاح، ثم استعار اسم المشبه به للمشبه واشتق منه صيغة الفعل على قانون الاستعارة التبعية، فاجتمع في هذا البيت من أنواع البديع: الاستعارة، والتشبيه، والطباق، والسهولة، والانسجام والتمكين، والتعطف في وشحوني وتوشحوا، والتوشيح الذي هو المقصود فيه والله أعلم.
وبيت بديعية شرف الدين المقري قوله:
ألا يمين لكم يا لائمين لناكم تركبون عظيم الحنث بالقسم
قال ناظمه في شرحه: بدئ وختم بالقسم.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع