تجاوز إلى المحتوى

من «أنوار الربيع في أنواع البديع» لابن معصوم المدني (ت ١١١٩هـ)

المناقصة

وإنني سوف أوليهم مناقصةإذا هرمت وشب الشيخ بالهرم

المناقصة - هي تعليق الشرط على نقيضين، ممكن عادة، ومستحيل عادة، ومراد المتكلم المستحيل ليؤثر التعليق عدم وقوع المشروط، فكأن المتكلم ناقص نفسه في الظاهر، إذ شرط وقوع أمر بوقوع نقيضين ممكن ومستحيل.

ومثاله قول النابعة:

وأنك سوف تحلم أو تناهىإذا ما شبت أو شاب الغراب

تناهى، أي تصير ذا نهية وهو العقل، وجمعها نهى، علق حلم المهجو وعقله على شيبه أولا وهو ممكن، وعلى شيب الغراب ثانيا وهو مستحيل، وإنما مراده الثاني لا الأول، لأن مقصوده أنه لا يحلم ولا يعقل أبدا.

قيل ومثله قول المتنبي:

أحبك أو يقولوا جر نملثبيرا وابن إبراهيم ريعا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملث القطر أعطشها ربوعا»

(أو) هنا بمعنى (حتى) علق زوال حبه عن محبوبته على جر النمل ثبيرا، لاستحالته عادة لا على أن يرتاع الممدوح لإمكانه عادة، والمقصود أن حبها لا يزول أبدا. هكذا قال بعضهم في هذا البيت وليس هذا مقصود المتنبي، بل علق زوال حبها على الأمرين، لاستحالة جر النمل ثبيرا حقيقة واستحالة ارتياع الممدوح إدعاء، فالأمران كلاهما مستحيلان في اعتقاده وإن كانا تقيضين في الحقيقة، ولذلك قدم المستحيل حقيقة على المستحيل ادعاء، ولو قصد المتنبي ما قاله هذا القائل لما كان في بيته كبير مدح.

وقلت أنا في هذا النوع في معنى سنح:

وخود تحاول وصلي وقدأضاعت عهودي وملت جنابي
فقلت ستلقين مني الوصالإذا شبت أوعاد عصر الشباب
للشاعر ابن معصوم، من قصيدة «وخود تحاول وصلي وقد»

وبيت بديعية العز الموصلي قوله:

وأنني سوف أسلوهم إذا عدمت روحي وأحييت بعد الموت والعدم

علق السلو على عدم روحه أولا وهو ممكن، وعلى وقوع الحياة في دار الدنيا بعد الموت ثانيا وهو مستحيل وهو المراد، لأن مقصوده أنه لا يسلو أبدا.

ولم ينظم ابن جابر هذا النوع في بديعيته.

وبيت بديعية العز الموصلي قوله:

إني أناقض عهد النازحين إذاما شاب عزمي وشبت شهوة الهرم

تعقبه ابن حجة بأنه قرر في بيته وشرحه أن شيب العزم ممكن، وشباب شهوة الهرم مستحيل، فرأيت تصوير شيب العزم وإمكانه، وسبك استعارته في قالب التشبيه كما تقرر في باب الاستعارة فيه أشكال، فأنهم قالوا الاستعارة هي ادعاء معنى الحقيقة في الشيء مبالغة في التشبيه، ولم أر في شيب العزم وجها للبالغة في التشبيه؛ وعلى كل تقدير فالممكن والمستحيل في بيت عز الدين فيهما نظر. انتهى.

ونحن نقول: أضمر تشبيه انحلال العزم بشيب الإنسان، وتشبيه استكمال شهوة الهرم بشباب الإنسان، ثم استعار اسم المشبه به في كلا التشبيهين للمشبه؛ واشتق منه صيغة الفعل على قانون الاستعارة التبعية؛ والعادة جارية بأن العزم والشهوة يهرمان بهرم الإنسان كما قيل:

وهت عزماتك عند المشيبوما كان من شأنها أن تهي
وان ذكرت نفسك شهوات النفوسفما تشتهي غير أن تشتهي

فيكون شيب العزم عند الهرم ممكنا عاديا وشباب الشهوة إذ ذاك محالا عاديا، وهذا القدر من الاستحالة كاف فيما رامه الموصلي من بيان المناقصة، فلا نظر حينئذ لابن حجة.

وبيت بديعية لبن حجة قوله:

إني أناقصهم إذ أزمعوا ونأواوجر نمل ثبيرا أثر عيسهم

أخذه من قول أبي الطيب:

أحبك أو يقولا جر نملثبيرا وابن إبراهيم ريعا

وبيت بديعية الشيخ عبد القادر الطبري قوله:

وسوف أسلوهم إذ ناقضوه إذاشبنا وعاد شبابي مترف الأدم

وبيت بديعيتي هو قولي:

وإنني سوف أوليهم مناقضةإذا هرمت وشب الشيخ بالهرم
للشاعر ابن معصوم، من قصيدة «حسن ابتدائي بذكري جيرة الحرم»

وبيت بديعية شرف الدين المقري قوله:

هيهات أسلو بلى أن عشت وانقلبتصفا صفاتي أو أودعت في الرجم

الرجم بفتح الراء المهملة والجيم: القبر

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «أنوار الربيع في أنواع البديع»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.