تجاوز إلى المحتوى

من «أنوار الربيع في أنواع البديع» لابن معصوم المدني (ت ١١١٩هـ)

الهجو في معرض المدح

هجوت في معرض المدح الحسود لهمفقلت أنك ذو صبر على السدم
للشاعر ابن معصوم، من قصيدة «حسن ابتدائي بذكري جيرة الحرم»

هذا النوع قال الشيخ صفي الدين الحلي: هو من مستخرجات ابن أبي الإصبع، وهو عبارة عن أن يقصد المتكلم هجاء إنسان، فيأتي بألفاظ موجهة ظاهرها المدح، وباطنها القدح.

كقول الحماسي:

يجزون من ظلم أهل الظلم مغفرةومن إساءة أهل السوء إحسانا
للشاعر الباخرزي، من قصيدة «وفى السحاب لمغناه وإن خانا»
كأن ربك لم يخلق لخشيتهسواهم من جميع الخلق إنسانا

فظاهر هذا الكلام المدح بالحلم، والعفة، والخشية، والتقوى، وباطنه المقصود: أنهم في غاية الذل وعدم المنفعة، لقوله بعد ذلك:

فليت لي بهم قوما إذا ركبواشنوا الإغارة فرسانا وركبانا
للشاعر صفي الدين الحلي، من قصيدة «يا للحماسة ضاقت بينكم حيلي»

ومثله قول النجاشي يهجو بني عجلان:

قبيلة لا يغدرون بذمةولا يظلمون الناس حبة خردل
للشاعر النجاشي الحارثي، اقرأ القصيدة
ولا يردون الماء إلا عشيةإذا صدر الوراد عن كل منهل
للشاعر النجاشي الحارثي، اقرأ القصيدة
تعاف الذئاب الضاريات لحومهموتأكل من كعب بن عوف ونهشل

وهذا الشعر هو الذي أشار إليه ابن بسام فيما نقلناه عنه من الذخيرة في نوع النزاهة، وقال: منعتني شهرته عن ذكره. وأن بني عجلان استعدوا عمر بن الخطاب على النجاشي، وأنشدوه قوله هذا فيهم فدرء الحد بالشبهات.

ويقال أن عمر بن الخطاب لما سمع البيت الأول قال: وددت أن آل الخطاب هكذا، فلما سمع البيت الثاني قال: ما أحب كل هذه المذلة.

وفي الأغاني: أن تميم بن مقبل العامري كان يهاجي النجاشي الشاعر، فهجاه النجاشي فاستعدى عليه عمر، وقال: إنه هجاني، فقال عمر: يا نجاشي ما قلت؟ قال: قلت: ما لا أرى علي فيه بأسا.

وأنشده:

إذا الله جازى أهل لؤم بذمةفجازى بني العجلان رهط بن مقبل

فقال عمر: إن كان مظلوما استجيب له، وإن لم يكن مظلوما لم يستجب له.

قال: وقد قال أيضاً:

قبيلة لا يغدرون بذمةولا يظلمون الناس حبة خردل
للشاعر النجاشي الحارثي، اقرأ القصيدة

فقال عمر: ليتني من هؤلاء، وفي رواية: ليت آل الخطاب هكذا.

قال: فقد قال أيضاً:

ولا يردون الماء إلا عشيةإذا صدر الوراد عن كل منهل
للشاعر النجاشي الحارثي، اقرأ القصيدة

فقال عمر: ما على هؤلاء متى شاؤا أوردوا.

قال: فقد قال أيضاً:

وما سمي العجلان إلا لقولهخذ القعب واحلب أيها العبد واعجل
للشاعر النجاشي الحارثي، اقرأ القصيدة

فقال عمر: ما لقوم أنفعهم لأهله. فقال تميم لعمر: سله عن قوله:

أولئك أولاد الهجين وأسرةاللئيم ورهط العاجز المتذلل
تعاف السباع الضاريات لحومهموتأكل من أبناء كعب ونهشل

فقال عمر: أما هذا فلا أعذرك عليه، فسبه وضربه.

ومن لطيف أمثلة هذا النوع قول محمد بن حمزة السلمي في الحسن بن زيد بن الحسن بن علي ﵈:

له حق وليس عليه حقومهما قال فالحسن الجميل
للشاعر عبد الله بن مصعب، اقرأ القصيدة
وقد كان الرسول يرى حقوقاعليه لغيره وهو الرسول
للشاعر عبد الله بن مصعب، اقرأ القصيدة

وقول ابن سناء الملك في قواد:

لي صاحب أفديه من صاحبلولا التأني حسن الاحتيال
للشاعر ابن سناء الملك، من قصيدة «لي صاحب أفديه من صاحب»
لو شاء من رقة ألفاظهألف ما بين الهدى والضلال
للشاعر ابن سناء الملك، من قصيدة «لي صاحب أفديه من صاحب»
يكفيك منه أنه ربماقاد إلى المهجور طيف الخيال
للشاعر ابن سناء الملك، من قصيدة «لي صاحب أفديه من صاحب»

وأحسن من هذا قول محي الدين بن قرناص:

لي صاحب جلت جميع صفاتهقد عمني ببدائع الإحسان
لو لم يكن مثل النسيم لطافةما بات يعطف لي غصون البان

وقال آخر في المعنى:

يسهل كل [ممتنع] شديدويأتي بالمراد على اقتصاد
فلو كلفته تحصيل طيفالخيال ضحى لزار بلا رقاد

والأصل في ذلك قول عمر بن أبي ربيعة:

فأتتها طبة عالمهتمزج الجد مرارا باللعب
تغلظ القول إذا لانت لهاوتراخى عند سورات الغضب

قيل أن ابن عتيق لما سمع ذلك قال لعمر: ما أحوج المسلمين إلى خليفة (يدبر أمرهم) مثل قوادتك هذه.

وقال زكي الدين بن أبي الإصبع فيمن يدعي الفقه والكرم:

إن فلانا أكرم الناس لايمنع ذا الحاجة من فلسه
وهو فقيه ذو اجتهاد وقدنص على التقليد في درسه
فيحسن البحث على وجههويوجب الدخل على نفسه

ومن طريفه قول أبي محمد الحسن بن أحمد البغدادي الحريمي الشاعر في الشريف أبي السعادات هبة الله بن الشجري:

يا سيدي والذي يعيذك مننظم قريض يصدا به الفكر
مالك من جدك النبي سوىأنك ما ينبغي لك الشعر

ولعمري ما أنصف في هذا الكلام، فإن شعر الشريف في غاية الحسن والجزالة، ولكن العدو يقول في عدوه ما شاء.

فمن شعر الشريف الذي لا يشق غباره قوله:

هذي السديرة والغدير الطافحفاحفظ فؤادك إنني لك ناصح

يا سدرة الوادي التي هي ظله الساري أهذا نشرك المتفاوح

هل عائد قبل الممات لمغرمعيش تقضى في ظلالك صالح
ما أنصف الرشأ الضنين بنظرةلما دعى مصغي البابة طامح
شط المزار به وبويء منزلابصميم قلبك فهو دان نازح
غصن يعطفه النسيم وفوقهقمر يحف به ظلام جانح
وإذا العيون تساهمته لحاظهالم يرو منه الناظر المتراوح
فقلد مررنا بالعقيق فشاقنافيه مراتع للمها ومسارح
ظلنا بها نبكي فكم من مضمروجدا أذاع هواه دمع سافح
برت الشؤون رسومها فكأنماتلك العراص المقفرات نواضح
يا صاحبي تأملا حييتماوسقى دياركما الملث الرائح
أدمى بدت لعيوننا أم ربربأم خرد أكفالهن رواجح
أم هذه مقل الصوار رنت لناخلل البراقع أم قنا وصفائح
لم تبق جارحة وقد واجهنناألا وهن لها بهن جوارح
كيف ارتجاع القلب من أسر الهوىومن الشقاوة أن يراض القارح
لو بله من ماء ضارج شربةما أثرت للوجد فيه لواقح

هذا والله الشعر الذي يجلى به صدأ الفكر، ولا يصدأ به الفكر كما زعمه ذلك الشاعر المنافس.

ومن شعره أيضاً قوله:

هل الوجد خاف والدموع شهودوهل مكذب قول الوشاة جحود
للشاعر ابن الشجري البغدادي، من قصيدة «هل الوجد خاف والدموع شهود»
وحتى متى تفني شؤونك بالبكاوقد حد حدا للبكاء لبيد
وإني وإن حنت قناتي كبرةلذو مرة في النائبات جليد

يشير إلى قول لبيد:

إلى الحول ثم اسم السلام عليكماومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر
للشاعر لبيد بن ربيعة، من قصيدة «تمنى ابنتاي أن يعيش أبوهما»

ولنكتف من شعر الشريف بهذا المقدار، وما كان المقصود إلا إيراد أبيات يستدل بها على حسن طريقته فيه، ويكذب ذلك الشاعر في قوله ذاك.

وبيت بديعية الشيخ صفي الدين الحلي في هذا النوع قوله:

من معشر يرخص الأعراض جوهرهمويحملون الأذى من كل مهتضم
للشاعر صفي الدين الحلي، من قصيدة «إن جئت سلعا فسل عن جيرة العلم»

قال في شرحه: الهجاء الباطن فيه في موضعين، أحدهما أن مراده بالأعراض جمع عرض بكسر العين وسكون الراء المهملتين، وأوهم بذكر الجوهر أنه يريد جمع عرض (_) والآخر وهو المثال المقصود - لكون الأول يشتبه بالمواربة والإبهام أيضاً - قوله: ويحملون الأذى من ظالمهم، يريد وصفهم بالذل وقلة المنفعة كما في بيت الحماسة المقدم ذكره. انتهى.

ولم ينظم ابن جابر الأندلسي هذا النوع في بديعيته.

وبيت بديعية الشيخ عز الدين الموصلي قوله:

في معرض المدح يهجى من قبيلتهأعراضهم بين معمور ومنهدم

قال ابن حجة: الذي (أقوله): أن الشيخ عز الدين قفل مصراعي بيته، ومنع الإفهام من (الدخول) إليه، فإني لم أجد فيه ما يدل على مجرد المدح، ولا اقترن به ما يصرفه إلى صيغة الهجو، بل أقول أن ألفاظ هذا البيت أجساد ما دب فيها من المعاني روح، وليس له بهذا النوع إلمام. انتهى، وهو في محله.

وبيت بديعية ابن حجة قوله:

وكم بمعرض مدح قد هجوتهموقلت سدتم بحمل الضيم والتهم

فحمل الضيم ينظر إلى قول الحماسي، إذ ظاهره الحلم، وباطنه الذل، ولكن حمل التهم، وإن قال ناظمه: أنه الغاية القصوى، فظاهره وباطنه أخرج البيت من معرض المدح إلى صريح (الهجو)، فخرج بذلك عن حد النوع الممثل له به.

والشيخ عبد القادر الطبري عجز عن (نظم هذا) النوع، فأخذ صدر بيت الشيخ عز الدين، وعجز بيت الشيخ صفي الدين الحلي فقال:

في معرض المدح كم يهجون من ملأويحملون الأذى من كل مهتضم

وبيت بديعيتي هو قولي:

هجوت في معرض المدح الحسود لهمفقلت أنك ذو صبر على السدم
للشاعر ابن معصوم، من قصيدة «حسن ابتدائي بذكري جيرة الحرم»

السدم بفتح السين والدال المهملتين: الغيظ مع حزن وهم، وهذا ظاهره المدح بأنه صبور، وباطنه الهجو بأنه يحمل غيظ الحسد وحزمه، ويصبر على مضضه، ويتجرع غصصه ولا يترك الحسد لهم.

وبيت بديعية الشيخ شرف الدين المقري قوله:

ما في عذولي بأس ذاك من فئةتغضي احتمالا وتشفي الكلم بالكلم

هذا بيت معمور بالحسن لفظا ومعنى. قال ناظمه في شرحه: قوله: ما في عذولي بأس، تورية ظاهرها أنه لا بأس فيه، أي لا عيب، والمراد: لا قوة فيه ولا شجاعة، وهذا من باب الإبهام. وقوله: تغضي احتمالا، يصفهم بالذل وإن كان ظاهره أنهم حلماء. وقوله: تشفي الكلم بالكلم، أي أنهم يشفون غيظهم بالكلام، كما قال الشاعر: (أشبعتهم سبا وراحوا بالإبل) وإن كان ظاهره أن كلامهم يقوم مقام الدواء للجراحات. انتهى.

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «أنوار الربيع في أنواع البديع»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.