من «أنوار الربيع في أنواع البديع» لابن معصوم المدني (ت ١١١٩هـ)
حسن التخلص (٢)
شوق المغرب شردته يد البعاد عن الوطن
ولقد عهدتك والزمان لشملنا بك ما فطن
وثراك ما اغبرت مسارحه وماؤك ما أجن
وظباؤك الأتراب ليوطر وتربك لي وطن
لام العذول وما درىوجدي وبلبالي بمن
وجدي بمن فضح القضيب وأخجل الظبي الأغن
ما ضر من هو فتنتيلو كان يرحم من فتن
دمعي طليق في محبته وقلبي مرتهن
يا منيتي أودى الصدود بعاشق بك ممتحن
غادرته وقفا على العبرات بعدك والحزن
كلف الفؤاد معذبابين الإقامة والظعن
عطفا على قرح الجفون بعيد عهد بالوسن
لا تبخلي فالبخل يذهب بهجة الوجه الحسن
ولرب ليل بت فيه صريع باطية ودون
أختال من مرح واسحب فضل أذيال الردن
مع معطف لدن القوام إذا انثنى رخص البدن
لكنني كفرت ليلة زرته عني وعن
بمدائحي للمستضيءأبي محمد الحسن
وقوله من أخرى فيه أيضاً أولها:
أهلا بطلعة زائرفضح الدجى بضيائها
سمح الزمان بوصلهافدنت على عدوائها
باتت تعاطيني المداموكن من أكفائها
فسكرت من ألحاظهاوغنيت عن صهبائها
بيضاء قتلي دأبهافي نأيها وثوائها
فإذا دنت بجفونها+وإذا نأت بجفائها
لا تلتقي أبدا مواعدها بيوم وفائها
الشمس من ضراتهاوالبدر من رقبائها
والصبح فوق لثامهاوالليل تحت ردائها
مضرية تنمى إذا انتسبت إلى حمرائها
باتت وأطراف الرماحتجول حول خبائها
فالموت دون فراقهاوالموت دون لقائها
ولقد مررت بربعهابعد النوى وفنائها
والعين في الأطلال ساكنة على أطلائها
فوقفت أنشد في مطالعها بدور سمائها
وبكيت حتى كدت أعطف بانتي جرعائها
يا موحش العين التيأنست بطول بكائها
غادرت بين جوانحينفسا تموت بدائها
تشتاق عيني أن تراك وأنت في سودائها
فإذا بخلت بنظرةسمحت بجمة مائها
فكأنها كف الخليفة أسبلت بعطائها
وقول أبي الفتوح نصر الله بن قلاقس من قصيدة يمدح بها أبا المنصور محمود عين الأمراء بالديار المصرية، وهي من غرر القصائد، أولها:
لا تثن عطفك إن الروض قد جيداما عطل القطر من أنوائه جيدا
إذا تبسم ثغر المزن عن يقنفانظره في وجنات الورد توريدا
وإن تناثر در منه فاجتلهبمبسم الأقحوان الغض منضودا
واستنطق العود أو فاسمع غرابتهمن ساجع لحنه يسترقص العودا
يشدوا وينظر أعطافا منمقةكأنه آخذ عنها الأغاريدا
ومنها:
ماذا على العيس لو عادت بربتهابقدر ما يتقاضاها المواعيدا
رد الركاب لأمر عن في خلديوسمه في بديع الحب ترديدا
وقف أبثك ما لان الحديد لهفإن صدقت فقل هل أبت داودا
حلت عرى النوم عن أجفان ساهرةرد الهوى هدبها بالنجم معقودا
تفجرت وعصى الجوزاء تضربهافأذكرتني موسى والجلاميدا
وما أبدع ما قال بعده:
يا ثعلب الصبح لا سرحان أولهكل الثريا فقد صادفت عنقودا
وما زال يتصرف في هذه الأغراض، ويقتطف أنوار هذه الرياض إلى أن قال:
سمعت بالجود مفقودا فهل أحديقول لي قد وجدت الجود موجودا
الحمد لله لا والله ما نظرتعيناي بعد أبي المنصور محمودا
وقول أبي العباس أحمد القطرسي من قصيدة يمدح بها الأمير شجاع الدين جلدك، أولها:
قل للحبيب أطلت صدكوجعلت قتلي فيه وكدك
إن شئت أن أسلو فرد علي قلبي فهو عندك
وما ألطف قوله منها:
أحرقت يا ثغر الحبيبحشاي لما ذقت بردك
إلى أن قال:
يا قلب من لانت معاطفه علينا ما أشدك
أتظنني جلد الهوىأو أن لي عزمات جلدك
وقول ذي الوزارتين محمد بن عمار الأندلسي من قصيدة في المعتمد بن عباد مطلعها:
أدر الزجاجة فالنسيم قد انبرىوالنجم قد صرف العنان عن السرى
والصبح قد أهدى لنا كافورهلما استرد الليل منا العنبرا
والروض كالحسنا كساه زهرهوشيا وقلده نداه جوهرا
أو كالغلام زها بورد حيائهخجلا وتاه بآسهن معذرا
روض كأن النهر فيه معصمصاف أطل على رداء أخضرا
وتهزه ريح الصبا فتظنهسيف ابن عباد يبدد عسكرا
وما أحسن قوله منها في المديح:
ملك إذا ازدحم الملوك بموردونحاه لا يردون حتى يصدرا
أندى على الأكباد من قطر الندىوألذ في الأجفان من سنة الكرى
قداح زند المجد لا ينفك عننار الوغى إلا نار القرى
يختار أن يهب الخريدة كاعباوالطرف أجرد والحسام مجوهرا
وقول الأديب أبي البقاء صالح بن شريف الرندي من قصيدة يمدح بها بعض أكابر المغرب، وهي من غرر القصائد، مطلعها:
سلم على الحي بذات العراروحي من أجل الحبيب الديار
وخل من لام على حبهمفما على العشاق في الحب عار
ولا تقصر في اغتنام المنىفما ليالي الأنس إلا قصار
وإنما العيش لمن رامهنفس تدارى وكؤوس تدار
ومنها:
لا صبر للشيء على ضدهوالخمر والهم كماء ونار
مدامة مدنية للمنىفي رقة الدمع ولون النضار
مما أبوا ريق أباريقهاتنافست فيها النفوس الكبار
معلتي والبرء من علتيما أطيب الخمرة لولا الخمار
ومنها:
وبي وإن عذبت في حبهببعده على اقتراب المزار
ظبي غرير نام عن لوعتيولا أذوق النوم إلا غرار
ذو وجنة تحسبها روضةقد بهر الورد بها والبهار
رجعت للصبوة في حبهوطاعة اللهو وخلع العذار
يا قوم قولوا بذمام الهوىأهكذا يفعل حب الصغار
وليلة نبهت أجفانهاوالفجر قد فجر نهر النهار
والليل كالمهزوم يوم الوغىوالشهب مثل الشهب عند الفرار
كأنما استخفى السها خيفةوطولب النجم بثار فثار
لذاك ما شابت نواصي الدجىوطارح النسر أخاه فطار
إلى أن قال:
كأنما الظلماء مظلومةتحكم الفجر عليها فجار
كأنما الصبح لمشتاقةعز غنى من بعد ذلك افتقار
كأنما الشمس وقد أشرقتوجه أبي عبد الإله استنار
ومن بديع حسن التخلص أيضاً قول السعيد هبة الله بن سناء الملك من قصيدة يمدح بها الملك المعظم شمس الدولة توران شاه أخ الملك صلاح الدين، مطلعها:
تقنعت لكن بالحبيب المعمموفارقت لكن كل عيش مذمم
وباتت يدي في طاعة الحب والهوىوشاحا لخصر أو سوارا لمعصم
ومنها وقد أجاد ما شاء:
سعدت ببدر خده برج عقربفكذب عندي قول كل منجم
وأقسم ما وجه الصباح إذا بدابأوضح مني حجة عند لومي
ولاسيما لما مررت بمنزلكفضلة صبر في فؤاد متيم
وما بان لي إلا بعود أراكةتعلق في أطرافه ضوء مبسم
وقفت به أعتاض عن لثم مبسمشهي لقلبي لثم آثار منسم
ولم ير طرفي قط شملا مبددافقابله إلا بدر منظم
ولم يسل قلبي أو فمي عن غزالةوعن غزل إلا بمدح المعظم
قال ابن خلكان: لما نظم ابن سناء الملك هذه القصيدة تعصبت عليه جماعة من شعراء مصر، عابوا عليه هذا الاستفتاح، وهجوه، وكتب إليه ابن الذروي الشاعر:
قل للسعيد مقال من هو معجبمنه بكل بديعة ما أعجبا
لقصيدك الفضل المبين وإنماشعراؤنا جهلوا به المستغربا
عابوا التقنع بالحبيب ولو رأى الطائي ما قد حكته لتعصبا
انتهى. قلت: وهذا المعنى، أعني قوله: (تقنعت لكن بالحبيب المقنع) ينظر بطرف خفي إلى قول أبي الطيب المتنبي:
فلو كان ما بي من حبيب مقنعسلوت ولكن من حبيب معمم
ومن بديع مخالصه أيضاً قوله يمدح والده الرشيد مع زيادة التورية:
إني لأرثي لدمعي من تزاحمهكما رثيت لشملي من تشتته
أنا الغوي بهمي والرشيد أبيهو الرئيس على الدنيا بهمته
وقوله من أخرى:
لا يرجع الكلف الذليل عن الهوىأو يرجع الملك العزيز عن الندى
وقوله من أخرى يمدح بها القاضي الفاضل:
ضنت بطرفه ظل بعدي سقمهأرأيتم من ضن حتى بالضنى
يا عاذلين جهلتم فضل الهوىوعذلتم فيه ولكني أنا
أني رأيت الشمس ثم رأيتهاماذا علي إذا هويت الأحسنا
وسألت من أي المعادن ثغرهافوجدت معبد الرحيم المعدنا
أبصرت جوهر ثغرها وكلامهفعلمت حقا أن هذا من هنا
وقول شرف الدين شيخ الشيوخ بحماة عبد العزيز الأنصاري من مدحة نبوية مطلعها:
ويلاه من نومي المشردوآه من شملي المبدد
يا كامل الحسن ليس يطفيناري سوى ريقك المبرد
يا بدر تم إذا تجلىلم يبق عذرا لمن تجلد
أبديت من حالي المورىلما بدا خدك المورد
رفقا بولهان مستهامأقامه وجده وأقعده
مجتهد في رضاك عنهوأنت في أمره المقلد
ليس له منزل بأرضعنك ولا في السماء مقعد
قيدته بالجوى فتممواكتب على قيده مخلد
بأن الصبا عنه والتصابيأنشأ أطرابه وأنشد
من لي بطيب حديث سحريبابل عن ناظريه يسند
شتت عني نظام عقليشتيت ثغر له منضد
لو اهتدى لائمي عليهناح على نفسه وعدد
أكسبني نشوة بطرفسكرت من خمرة فعربد
غصن نقا حل عقد صبريبلين خصر يكاد يعقد
فمن رأى ذلك الوشاح الصائم صلى على محمد
وعارض هذه القصيدة مجد الدين فضل الله بن الصاحب فخر الدين ابن مكانس بقصيدة نبوية أيضاً حاز بها الفخر عليه، وجاء في مخلصها ببديع التورية، ولا بأس بإيراد غزلها هنا، فإنه في غاية الحسن والرقة، وأولها:
وحق من بالجميل عودما لسقيم الغرام عود
كيف وقد هام في حبيببقتل عشاقه تعود
ظبي كحيل الجفون أحوىغصن رشيق القوام أملد
يعزى إلى الترك في انتسابوإنما لحظه مهند
كالشمس إن لاح والمها إنرنا وكالغصن إن تأود
أطلق دمعي دما وقلبيبأسره في الهوى مقيد
وأضرم النار في فؤاديفليته بالوصال أخمد
مبجل لا يكاد عجبايسمح عند السلام بالرد
يصير في الحسن إن تثنىبين جميع الملاح مفرد
نومي وصبري عليه فراولم أذق ريقه المبرد
لا عيب فيه حماه ربيإذا تأملته سوى الصد
لو عشقته جبال رضوىكان لها بالصدود هدد
أتهمني بالمنام لكنومن أغاث الورى وأنجد
لم أعرف النوم مذ جفانيوها نجوم السماء تشهد
قلت له إذ أراد شدابخصره يا مهفهف القد
حليت قلبي وعقد صبريوعاطل الخصر منك بالشد
وسيف جفنيك يا حبيبيقد زاد في حسنه عن الحد
وا عجبا فيك ضاع نسكيوأنت عند الغناء معبد
أجارك الله قد رثت ليمما ألاقي عدى وحسد
وعاذلي إذ رأى ضلوعيتعد سقما بكى وعدد
يا ناعس الطرف يا غزالاجفني بهجرانه مسهد
كم حمد العالمون وصفيلغادة قينة وأغيد
فعدت عنه تقىً وعوديلمدح خير الأنام أحمد
ومن حسن التخلص الغريب الذي ما اهتدى إليه في جنح الليل بشعلة فكره أريب، قول ذي الوزارتين لسان الدين بن الخطيب من قصيدة فريدة يمدح بها النبي الحبيب صلّى الله عليه وآهل وسلّم، ما تخلص شاعر من غزل ونسيب:
ودجنة كادت تضل بني السرىلولا وميضا بارق وصفيح
وعشت كواكب جوها فكأنهاورق تقلبها بنان شحيح
صابرت منها لجة مهما ارتمتوطمت رميت عبابها بسبوح
حتى إذا الكف الخضيب بأفقهامسحت بوجه للصباح صبيح
شمت المنى وحمدت أدلاج السرىوزجرت للآمال كل سنيح
فكأنما ليلي نسيب قصيدتيوالصبح فيه تخلصي لمديحي
لما حططت لخير من وطئ الثرىبعنان كل مولد وصريح
ومنه قول أبي الحسين الجزار يمدح جمال الدين موسى بن يغمور:
جسرت على لثم الشقيق بخدهاورشف رضاب لم أزل منه في سكر
ولست أخاف السحر من لحظاتهالأني بموسى قد أمنت من السحر
ومنه قول الشيخ أبي جعفر الموفق بن علي الكاتب من قصيدة مدح بها الوزير نظام الملك:
أمط كدر الأشجان عنا وهاتهاعلى رنة الأوتار صرفا مروقا
إذا مزجت فاحت فخلت نسيمهابأخلاق مولانا الوزير تعبقا
وقوله أيضاً يمدح نصر الله بن بصاقة:
وكم ليلة قضيتها معسرا وفيتزخرف آمالي كنوز من اليسر
أقول لقلبي كلما اشتقت للغنىإذا جاء نصر الله تبت يد الفقر
وقوله أيضاً يمدح صدر الدين من قصيدة مطلعها:
لا تسألا في الحب عن أشجانهفشانه مخبر عن شانه
وإن يكن ما فاه بالشكوى فقدأغنى لسان الدمع عن لسانه
إلى أن قال:
وأعجب الأشياء إن قلبهسار وما حن إلى أوطانه
أظنه لما رأى رسما عفاأنكر ما قد كان من عرفانه
صبا لغزلان النقا وكل منحل النقا يصبو إلى غزلانه
ما أن له من مشبه في حسنهولا لصدر الدين في إحسانه
وقول الصاحب بهاء الدين زهير من قصيدة يمدح بها الأمير مجد الدين إسماعيل الملطي:
وقف السحاب على الثرى متحيراومشى النسيم على الرياض مقيدا
ويشوقني وجه النهار ملثماويروقني خد الأصيل موردا
وكأن أنفاس النسيم إذا سرتشكرت لمجد الدين مولانا يدا
وقوله من أخرى في الملك الناصر صلاح الدين، مطلعها:
عرف الحبيب مكانه فتدللاوقنعت منه بموعد فتعللا
وأتى الرسول فلم أجد في وجههبشرا كما قد كنت أعهد أولا
(ومنها):
ولقد كتمت حديثه وحفظتهفوجدت دمعي قد رواه مسلسلا
أهوى التذلل في الغرام وإنمايأبى صلاح الدين أن أتذللا
وما ألطف ما قال بعده:
مهدت بالغزل الرقيق لمدحهوأردت قبل الفرض أن أتنقلا
وقول الشيخ جمال الدين بن نباتة من قصيدة في الملك المؤيد صاحب حماة:
كيف الخلاص لمطوي على شجنوقد تمالت عليه أعين سحرة
تغزو لواحظها في المسلمين كماتغزو سيوف عماد الدين في الكفرة
وقوله من أخرى في القاضي جمال الدين بن الشهاب محمود، مطلعها:
بأبي نافر كثير الدلالإن هذا النفار شأن الغزال
حبذا منه مقلة لست أدريأبهدب تصول أم بنبال
إلى أن قال وجاء في التخلص ببديع التورية:
من معيني على هوى زاد حتىأهملته نصائح العذال
لو رأى عاذلي حقيقة أمريلرثاني ولا أقول رثى لي
في جمال الحبيب مت شجوناوبروحي أفدي تراب الجمال
ومثله قوله من أخرى يمدح تاج الدين السبكي، مطلعها:
وا حيرتي بظلام الطرة الداجيوشقوتي بنعيم الملمس العاجي
ويا ضلال رشادي في هوى صنملا شيء أهتك لي من طرفه الساجي
لم أنس يوم النوى دمعا بوجنتهكما نثرت لآل فوق ديباج
يثج ماء دموعي خط عارضهويلاه من عارض للدمع ثجاج
ولم يزل يكرر حلاوة هذا النبات، إلى أن قال:
قد أسرج الحسن خديه فدونك ذاسراج خد على الأكباد وهاج
وألجم العذل فاركض في محبتهطرف الهوى بعد إلجام وإسراج
وقسم الشعر فاجعل في محاسنهشذر القلائد واهد الدر للتاج
وقول أبي عبد الله محمد بن بختيار، المعروف بالأبله البغدادي الشاعر من قصيدة في الوزير أبي المظفر يحيى بن محمد بن هبيرة، أولها:
ولع النسيم وبانة الجرعاوصفاك إلا الحلي والردعا
يا دمية ضاقت خلاخلهاعنها وضقت بحبها ذرعا
قد كنت ذا دمع وذا جلدفبقيت لا جلدا ولا دمعا
صيرت جسمي للضنى سكناوسكنت بعد بيانة الجرعا
يا من رأى أدماء سانحةقلبي لها لا المنحنى مرعى
لاثت بمثل الدعص مئزرهاوجلت بعود أراكة طلعا
وإذا تراجعك الكلام فلاتعلم لأيام الصبا رجعا
ولقد سعت بالكأس تصبحنيسكرى اللواحظ وعثة المسعى
في مستنير الزهر ما صنعتأبراده عدن ولا صنعا
باكرت مفترعا تراه وماركب الحمام لبانة فرعا
سلت عليه البارقات ظبالبس الغدير لخوفها درعا
يا عاذلي إن شئت تسمعنيعذلا فشق لصخرة سمعا
طبعا جبلت على الغرام كماجبل الوزير على الندى طبعا
وهذا الشعر فيما أقول: هو الديباج الخسرواني، واللؤلؤ البحراني. ولقد ذكرت به ما نقل إلينا: من أن شعراء العجم افتخرت يوما بحضرة ملكها السلطان عباس شاه رحمه الله تعالى بحسن شعرها، ودقة تلطفها في المعاني التي ليس لشعراء العرب إليها سبيل بزعمها، والشيخ العلامة بهاء الدين محمد العاملي حاضر ذلك المجلس السامي، فالتفت إليه السلطان وقال: ما تقول أيها الشيخ في دعوى هؤلاء الشعراء؟ فقال الشيخ أنا لا أدري ما يقولون، غير أن في شعراء العرب شاعرين، أحدهما مجنون والآخر أبله.
أما المجنون فيقول:
ليلي وليلى نفى نومي اختلافهمابالطول والطول يا طوبى لو اعتدلا
يجود بالطول ليلي كلما بخلتبالطول ليلى وإن جادت به بخلا
وأما الأبله فيقول: وأنشد جملة من الأبيات المذكورة. فإن كان عند عقلاء شعراء العجم وأذكيائهم شيء من هذا فليقولوا ما شاؤا، فانقطع أولئك المفتخرون خجلا، واستحسن السلطان إيراد هذا الجواب عجلا. ولعمري لقد أغرب الشيخ في الجواب، وأتى منه بما بهر الألباب، غير أن البيتين اللذين نسبهما إلى المجنون جرى في نسبتهما إليه على ما هو المشهور، والصواب أنهما لأبي القاسم السلمي لا للمجنون. وللمجنون من الشعر ما هو أحسن من هذا كما يشهد بذلك كل من سمع شعره والله أعلم.
قال القاضي أحمد بن خلكان: ومخالص الأبله البغدادي من الغزل إلى المديح في نهاية الحسن، وقل من لحقه فيها.
فمن ذلك قوله من قصيدة أولها:
جنيت جني الورد من ذلك الخدوعانقت غصن البان من ذلك القد
فلما انتهى إلى مخلصها قال:
لئن وقرت يوما بسمعي ملامةبهند فلا عفت الملامة من هند
ولا وجدت عيني سبيلا إلى البكاولا بت في أسر الصبابة والوجد
وبحت بما ألقى ورحت مقابلاسماحة مجد الدين بالكفر والجحد
وقوله من أخرى:
فأقسم أني في الصبابة واحدوإن كمال الدين في الجود واحد
ومن بديع التخلص أيضاً قول الشيخ كمال الدين بن النبيه من قصيدة يمدح بها الملك الأشرف:
بحق الهوى يا طيف إلا حملتنيفجسمي من البلوى وجسمك سيان
أعانق جسما شابه الماء رقةوأطفي ببرد الثغر حرقة أشجاني
عسى قلبه يعديه قلبي رقةكما جفنه الفتان بالسقم أعداني
لئن كان ينسى عقد عهد مودتيفلي ملك من فضله ليس ينساني
وقوله من أخرى أيضاً:
يا من حكى في الحسن صورة يوسفآه لو أنك مثل يوسف تشترى
تعشو العيون لخده فيردهاويقول ليست هذه نار القرى
يا قاتل الله الجمال فإنهما زال يصحب باخلا متجبرا
إلى أن قال:
لي مقلة مذ غاب عنها بدرهاترعى منازله عساها أن ترى
لولا انسكاب دموعها ودمائهاما كنت بين العاشقين مشهرا
فكأنما هي كف موسى كلمانثر اللجين أو النضار الأحمرا
استغفر الله العظيم لأننيشبهت بالنزر القليل الأكثرا
ويعجبني من مخالصه أيضاً قوله يمدح الملك المذكور، وقد أصطلح هو وأخوه الملك الصالح:
يا نائما والليل في غربهوالصبح من مشرقه لائح
دع كدر العيش وخذ ما صفاتحيا ويشقى الدائر الكادح
قد كلل الطل غصون الربىواشتجر الباغم والصادح
وجادت الدنيا على أهلهاواصطلح الأشرف والصالح
قال ابن حجة: ويعجبني من مخالصه قوله، وهو من المخالص الأشرفيات أيضاً:
يا طالب الرزق إن سدت مذاهبهقل يا أبا الفتح يا موسى وقد فتحت
وأنا أقولك عد هذا من المخالص فيه نظر، لأن الشاعر المذكور قد تخلص من النسيب إلى المدح قبل هذا البيت بقوله:
في أحسن الناس أشعاري إذا نسبتوفي أجل ملوك الأرض إن مدحت
فالمخلص في الحقيقة إنما هو هذا لا ذاك.
ومن المخالص المحلاة بشعار التورية قول الشيخ برهان الدين القيراطي من قصيدة في الأمير سيف الدين الكريمي، أولها:
غرامي فيك يا قمري غريميوذكرك في دجى ليلي نديمي
وملني الحميم وصد عنيوما لي غير دمعي من حميم
وكم سأل العواذل عن حديثيفقلت لهم على العهد القديم
وعم تساءلون ولي دموعتخبركم عن النبأ العظيم
إلى أن قال:
فموعده وناظره وجسميسقيم في سقيم في سقيم
كريم مال بخلا عن ودادفملت لمدح مخدومي الكريم
ويعجبني من مخالص الشيخ صفي الدين الحلي قوله:
أسير ومن فوقي وتحتي ووجهتيوخلفي ويمناي الهوى وشماليا
فمالي إذا يممت في الأرض وجهةوصرفت في أهل الزمان لحاظيا
تضيق علي الأرض حتى كأننيأحاول فيها لابن ارتق ثانيا
ومع شهرة ديوانه فلا حاجة إلى الإكثار من شعره.
وهذا محل إيراد شيء من مخالص أهل هذا القرن.
فمن محاسنها قول القاضي أحمد بن عيسى المرشدي من قصيدة يمدح بها السيّد شهوان بن مسعود الحسني، وقد تقدم مطلع هذه القصيدة في حسن الابتداء، ومخلصها المشار إليه قوله:
صهباء تفعل بالألباب سورتهافعل السخاء بشهوان بن مسعود
وقول القاضي تاج الدين المالكي من قصيدة يمدح بها سلطان الحرمين الشريفين، الشريف مسعود بن إدريس، وقد تقدم إنشاد مطلعها أيضاً وما أحسن قوله منها:
لو شام برق الثنايا والتثني منتلك القدود انثنى عطفا لإسعادي
ولو رأى هادي الجيداء كان درىإن اشتقاق الهدى من ذلك الهادي
كم بات عقدا عليه ساعدي ويدينطاق مجتمع المخفي والبادي
إلى أن قال:
وألهف نفسي على مغنى به سلفتساعات أنس لنا كانت كأعياد
كأنها وأدام الله مشبههاأيام دولة صدر الدست والنادي
ذي الجود مسعود المسعود طالعهلا زال في برج إقبال وإسعاد
وقول شيخ شيوخنا العلامة محمد بن علي الحرفوشي، من قصيدة يمدح بها بعض أفاضل عصره:
يا ليتها إذ لم تجد بوصالسمحت بوعد أو بطيف خيال
جنحت لما رقش الوشاة ونمقوامن أنني سال ولست بسال
كيف السلو ولي فؤاد لم يزللجحيم نيران الصبابة صال
ومدامع لولا زفيري لم يكدينجو الورى من سحها المتوالي
ومنها:
هيفاء رنحها الدلال فأخجلتهيف الغصون بقدها الميال
في خدها الورد الجني وثغرهايحوي لذيذ الشهد والجريال
حجبت محياها الجميل ببرقعكرقيق غيم فوق بدر كمال
ونضت من الأجفان بيض صوارمففرت بهن ولم تناد نزال
إلى أن قال:
لله ليلة أقبلت بدجنةفرقا من الواشين والعذال
ووفت كما شاء الغرام وانعمتبالقرب بعد تبرم ودلال
وحبت فؤادي بعد نار صدودهابرد الوصال ومنتهى الآمال
فبلغت منها ما يؤمل وامقونهبت منها الوصل خوف زوال
حتى بدا الصبح المنير كأنهوجه الوحيد الماجد المفضال
وقول الفاضل الأديب الشيخ حسين بن شهاب الدين الطبيب من قصيدة يمحد بها الوالد متع الله بحياته، أولها:
تبدت لنا والبدر للغرب جانحوكأس الكرى في راحة الطرف طافح
بحيث السها ترنو بعين كليلةوإنسانها في لجة الجو سابح
وحيث النجوم الزاهرات كأنهاتوقد منها في الظلام مصابح
كأن على الآفاق روض بنفسجوهن الظباء العيس فيه سوانح
فلما تجلى نورها نسخ الدجىفلا أعزل إلا غدا وهو رامح
لك الله شمس يكسف الشمس نورهاوبدر لنور البدر في التم فاضح
كأن نجوم الليل ورق حمائموفي كل جزء من محياك جارح
وبعدها الأبيات المذكورة في آخر القسم الأول من الالتفات، وبعدها:
لقد فتكت بي غارة منك شنهاعلى القلب غاد من هواك ورائح
فلا نفع إن شطت بك الدار أو دنتوسيان عندي فيك لاح وناصح
سقى الله هاتيك المعاهد عارضامن المزن تمريه الرياح اللواقح
ليغدوا بها نشر الخزامى كأنمايخالطه من نشر دارين نافح
كأن خدود الورد والطل فوقهاخدود الغواني فوقها الدمع ناضح
كأن ابتسام الروض والجو عابسمحيا نظام الدين والدهر كالح
وقوله من أخرى يمدحه أيضاً، أولها:
سرت والليل محلول الوشاحونسر الجو مبلول الجناح
وثغر الشرق يبسم عن رياضمكللة الجوانب بالأقاح
كأن كواكب الظلماء رومعلى دهم تهب إلى الكفاح
كأن المشتري والنجم ساقيدير على الندامى كأس راح
فوا عجباه هل يخفى سراهاوقد أرجت برياها النواحي
من البيض الحسان إذا تجلتتخال جبينها فلق الصباح
مهفهة يغار البدر منهاويخجل قدها هيف الرماح
أبث لطرفها شكوى غراميوهل يشكو الجريح إلى السلاح
وأطمع أن يزايلني هواهاومن ينجو من القدر المتاح
فلا تأوي لكسرة ناظريهافكم أودت بألباب صحاح
أحن إلى هواها وهو حتفيكمجروح يداوى بالجراح
ولا وأبيك ليس الحب سهلافكم جد تولد من مزاح
خلقت من الغرام فلا أباليأكان به فسادي أم صلاحي
ولولا تمسك الأطمار جسميلطار من النحول مع الرياح
وحب الغانيات حياة روحيوراحتها وريحاني وراحي
محبتهن ضاهت في فؤاديمحبة أحمد طرق السماح
ومن مخالصي التي فاقت سبائك الخلاص قولي من قصيدة علوية، أرجو بها التخلص في يوم القصاص، وقد مر إنشاد مطلعها وصدر منها في حسن الابتداء، ومنها بعدما تقدم:
ترمي ولا تدري بما سفكتتلك اللواحظ من دم هدر
الله لي من حب غانيةترمي الحشا من حيث لا تدري
بيضاء من كعب وكم منعتكعب لها من كاعب بكر
زعمت سلوي وهي ساليةكلا ورب البيت والحجر
ما قلبها قلبي فأسلوهايوما ولا من أمرها أمري
أبكي وتضحك إن شكوت لهاحر الصدود ولوعة الهجر
وعلى وفور ثراي لي ولهاذل الفقير وعزة المثري
لم يبق مني حبها جلداإلا الحنين ولا عج الذكر
ويزيد غلي الماء ما ذكرتوالماء يثلج غلة الصدر
قد ضل طالب غادة حميتفي قومها بالبيض والسمر
ومؤنب في حبها سفهانهنهته عن منطق الهجر
يزداد وجدي من ملامتهفكأنه بملامه يغري
لا يكذبن الحب أليق بيوبشيمتي من سبة الغدر
هيهات يأبى الغدر لي نسبأعزى به لعلي الطهر
وقلت في مديحها:
إن تنكر الأعداء رتبتهشهدت بها الآيات في الذكر
شكرت حنين له مساعيهفيها وفي أحد وفي بدر
ومنه:
وأذكر مباهلة النبي بهوبزوجه وابنيه للنفر
وأقرأ وأنفسنا وأنفسكمفكفى بها فخرا مدى الدهر
هذي المفاخر والمكارم لاقعبان من لبن ولا خمر
ومناقب لو شئت أحصرهالحصرت قبل أهم بالحصر
وقولي من أخرى في سيدي الوالد، وهو يستغني بتمكنه وقوته من ذكر ما قبله، وهو:
ما كنت أحسب فيه أيضاً عارضت بها قصيدة ابن منير اليائية التي تقدم إنشاد شيء منها استطرادا في نوع القسم، ومن غزل قصيدتي هذه قولي:
قامت تدير سلافا من مراشفهاحبابها لؤلؤ الثغر الجماني
في ليلة من أثيث الشعر حالكةمنها دجا حندس الليل الدجوجي
تريك إن أسفرت غراء مائسةبدر السماء على أعطاف خطي
من أين للظبي أن يحكي ترائبهاولو تشبه ما حاك كمحكي
كم لوعة بت أخفيها وأظهرهافيها وسر التصابي غير مخفي
أما وصعدة قد من معاطفهاوعضب لحظ نضته هندواني
ما أن عذلت على حبي الفؤاد لهاإلا وجاء بعذر فيه عذري
وافت فأذكت هموما غير جامدةواذكرتني عهدا غير منسي
وما زلت أحمل على كواهل الغزل ثقل هذه القافية، إلى أن قلت:
يا حبذا نظرة هام الفؤاد بهاأزرت وعينيك بالظبي الكناسي
لقد نعمت بوعد منك منتظرونائل من نظام الدين مقضي
هذا المخلص مما صدقت فيه التخلص وما تخرصت، ووثبت فيه من التغزل إلى المديح وما تربصت، واستوفيت فيه شروط حسن التخلص لما تخلصت.
وقولي أيضاً من أخرى تخلصت فيها من الافتخار إلى المدح:
كم قلبتني الليالي في تقلبهافكنت قرة عين الفضل والأدب
تزيدني نوب الأيام مكرمةكأنني الذهب الأبريز في اللهب
لا أستريب بعين الحق أدفعهولا أراب بعين الشك والريب
لقد طلبت العلى حتى انتهيت إلىما لا ينال وكانت منتهى أربي
حسبي من الشرف العليا أرومتهأن انتمي لنظام الدين في حسبي
وقد تقدم أكثر هذه القصيدة في نوع الاستعارة.
ولنكتف من محاسن التخلص بهذا المقدار، فقد أوردنا منها ما تستحليه الأسماع وتستجلبه الأفكار.
تنبيه - قد تقدم أن أحسن التخلص ما كان في بيت واحد، وأحسن منه ما كان من الغزل إلى المدح.
قال الشيخ صلاح الدين الصفدي في شرح اللامية: وقد ذم بعض المتأخرين ذلك، لكنه حسن ما قبح، فقال:
بينا ذوائب من يحب بكفهحتى تعلق لحية الممدوح
انتهى. وهذا ذم ظرافة لا تحقيق، فعلى الأول المعول.
وإذ ذكرنا هذه الجملة من محاسن المخالص، تعين علينا أن ننبه على ضدها، ليتحرز المبتدي، ويتيقظ المنتهي من سنة الغفلة عن الوقوع في مثلها.
فمن قبيح التخلص قول أبي نواس من قصيدة في الفضل بن يحيى:
سأشكو إلى الفضل بن يحيى بن خالدهواك لعل الفضل يجمع بيننا
فإنه ما زاد على أن يجعله قوادا له، ولهذا استحق به السخط من ممدوحه.
حدثت رابعة البرمكية قالت: كنت يوما وأنا وصيفة على رأس مولاي الفضل بن يحيى بن خالد البرمكي، وبيدي مذبة أذب بها عنه، إذ استؤذن لمسلم بن الوليد الأنصاري فأذن له، فلما دخل أعظمه وأكرمه، واستنشده، ثم خلع عليه وأجازه وانصرف. فما قلت أنه جاز الستر حتى استؤذن لأبي نواس، فامتنع من الإذن له، حتى سأله بعض من كان في المجلس أن يأذن له ففعل على تكره منه، فلما دخل عليه ما علمت أنه رد عليه، ولا أمره بالجلوس، ولا رفع إليه رأسه. فلما طال عليه وقوفه قال: معي أبيات أفأنشدها؟ فقال: افعل، وهو في نهاية التكره له والتثقل منه.
فأنشده:
طرحتم من الترحال أمرا فغمناولو قد فعلتم صبح الموت بعضنا
فلما بلغ إلى قوله:
سأشكو إلى الفضل بن يحيى بن خالدهواك لعل الفضل يجمع بيننا
قطب في وجهه، وقال: امسك عليك لعنة الله، أعزب قبحك الله، وأمر بإخراجه محروما فأخرج، والتفت الفضل إلى أنس بن أبي شيخ فقال: ما رأيت مثل هذا الرجل، ولا أقل تمييزا لكلامه منه، فقال أنس: فإن اسمه كبير، فقال: عند من ويلك؟ هل هو إلا عند إسقاط مثله.
ويقال أن أبا نواس اعتذر عن ذلك وقال: ما أردت بالفضل في قولي (لعل الفضل يجمع بيننا) إلا معنى الإفضال لا الممدوح، وهو عذر غير واضح.
وتبعه المتنبي في معنى هذا المخلص وزاد عليه فجاء بالطامة الكبرى حيث قال:
عل الأمير يرى ذلي فيشفع ليإلى التي تركتني في الهوى مثلا
فأتى بما لا يحتمل التأويل والاعتذار، ولا يقال معه عثار.
وممن وقع في حبائل هذا القبح لما رام حسن التخلص، الشيخ عبد الرحمن بن المهدي العقبي من قصيدة في الشيخ عبد الرحمن المرشدي يهنئه بتقلده الإمامة والخطابة والفتوى في آخر عام تسعة عشر وألف:
أنا لم أدر ما الصبابة لولانظرة الريم من خلال الحجال
منية دونها المنية والآجال نيطت بأعين الآجال
لو رثت لي لألصقتني بما بين مجال القروط والأحجال
غير أن الهوى شديد محاليفتك الريم فيه بالرئبال
لذت من حربه بسلم فما زاد سوى تيه عزة ودلال
أشكلت قصتي وها أنا أعددت لها رأي موضح الإشكال
غير أن هذا أخف من ذاك على كل حال، على أن الكل قبيح.
والأصل في هذا المعنى لقيس بن ذريح حين طلق زوجته لبنى فتزوجت غيره، ثم ندم على طلاقها وكان مشغوفا بها، فشبب بها وما زال يشكو لوعة فراقها في أشعاره حتى رحمه ابن أبي عتيق، فسعى في طلاقها من زوجها وأعادها إلى قيس، فقال يمدحه ويشكره:
جزى الرحمن أحسن ما يجازيعلى الإحسان خيرا من صديق
وقد جربت إخواني جميعافما ألفيت كابن أبي عتيق
سعى في جمع شملي بعد صدعورأي حدت فيه عن الطريق
وأطفأ لوعة كانت بقلبيأغصتني حرارتها بريقي
فلما سمعها ابن أبي عتيق قال لقيس: يا حبيبي امسك عن مدحك هذا، فما يسمعه أحد إلا ظنني قوادا.
ومن قبيح المخالص قول المتنبي أيضاً:
غدا بك كل خلو مستهاماوأصبح كل مستور خليعا
أحبك أو يقولوا جر نملثبير أو ابن إبراهيم ريعا
فإن هذا المخلص جمع بين الثقل والبرودة وتعسف المعنى، ومعناه أنه علق انقضاء حبها على أمر مستحيل عادة، وهو أن يجر النمل الجبل المسمى ثبير أو مستحيل ادعاء وهو خوف الممدوح. ومراده أن يقرر أن كلا من هذين الأمرين من المستحيلات.
وقوله أيضاً:
لا يجذبن ركابي نحوه أحدما دمت حيا وما قلقن كيرانا
لو استطعت ركبت الناس كلهمإلى سعيد بن عبد الله بعرانا
قال الصاحب بن عباد رحمه الله تعالى: في هذا البيت أراد أن يزيد على الشعراء في ذكر المطايا فأتى بأخزى الخزايا، ومن الناس أمه، فهل ينشط لركوبها، وللمدوح أيضاً عصبة لا يجب أن يركبوا إليه. فهل في الأرض أفحش من هذا التسحب، وأوضع من هذا التبسط.
ثم أراد أن يستدرك هذه الطامة بقوله:
فالعيس أعقل من قوم رأيتهمعما يراه من الإحسان عميانا
وإذا انتقل الشاعر مما ابتدأ به الكلام إلى المدح ونحوه من غير ملائمة سمي اقتضابا، وافتطاما، وارتجالا، وهو مذهب العرب الجاهلية والمخضرمين الذين أدركوا الإسلام؛ كلبيد؛ وحسان، وكثير من الإسلاميين ومن المولدين يتبعونهم في ذلك، ويجرون على مذهبهم فيه.
كقول أبي تمام:
لو رأى الله أن في الشيب خيراجاورته الأبرار في الخلد شيبا
ثم قال بعده من غير ملائمة:
كل يوم تبدي صروف اللياليخلقا من أبي سعيد رغيبا
وقوله من أخرى يمدح المعتصم بالله العباسي:
وقد طوى الشوق في أحشائنا بقرعين طوتهن في أحشائها الكلل
يخزي ركان النقا ما في مآزرهاويفضح الكحل في أجفانها الكحل
تكاد تنتقل الأرواح لو تركتمن الجسوم إليها حيث تنتقل
طلت دماء هريقت عندهن كماطلت دماء هدايا مكة الهمل
هانت على كل شيء فهو يسفكهاحتى المنازل والأحداج والإبل
ثم قال بعده من غير مناسبة، ولا تقريب:
بالقائم الثامن المستخلف أطأدتقواعد الملك ممتدا لها الطول
وهو في شعره كثير.
وكقول البحتري:
تمادت عقابيل الهوى وتطاولتلجاجة معتوب عليه وعاتب
إذا قلت قضيت الصبابة ردهاخيال ملم من حبيب مجانب
يجود وقد ضن الألى شغفي بهمويدنو وقد شطت ديار الحبائب
ترينيك أحلام النيام وبيننامفاوز يستفرغن جهد الركائب
ثم قال بعده بلا مناسبة:
لبسنا من المعتز بالله نعمةهي الروض موليا بغزر السحائب
وقوله من أخرى في الفتح بن خاقان:
ويوم تثنت للوداع وسلمتبعينين موصول بلحظيهما السحر
توهمتها ألوى بأجفانها الكرىكرى النوم أو مالت بأعطافها الخمر
ثم قال بعده:
لعمرك ما الدنيا بنا قصة الجداإذا بقي الفتح بن خاقان والبحر
وهو في شعره: أكثر، حتى أن السليماني الشاعر عرض به في قوله:
يغتابني فإذا التفت أبان عن محض صحيح
وثبا كوثب البحتريمن النسيب إلى المديح
وهو في شعر الشريف الرضي كثير جدا، ولا فائدة في إيراد شيء منه هنا، لأنه خارج عن البديع وما كان الغرض من إيراد هذه الجملة منه إلا بيانه بالتمثيل، والله أعلم.
تنبيه - ذهب أبو العلاء محمد بن غانم المعروف بالغانمي إلى أنه لم يقع في القرآن شيء من التخلص لما فيه من التكلف، وقال: إن القرآن إنما ورد على الاقتضاب الذي هو طريقة العرب من الانتقال إلى غير ملائم وقد أنكر عليه جماعة من العلماء ذلك، وغلطوه في قوله هذا، وقالوا: إن في القرآن من التخلصات العجيبة ما يحير العقول. فانظر إلى سورة الأعراف، كيف ذكر فيها الأنبياء، والقرون الماضية، والأمم السالفة؛ ثم ذكر موسى؛ إلى أن قص حكاية السبعين رجلا ودعائه لهم ولسائر أمته بقوله: (واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة) وجوابه تعالى عنه، ثم تخلص بمناقب سيد المرسلين بعد تخلصه لأمته بقوله: (قال عذابي أصيب به من أشاء ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين) من صفاتهم كيت وكيت، وهم (الذين يتبعون الرسول النبي الأمي)، وأخذ في صفاته الكريمة، وفضائله العظيمة. وفي سورية الكهف حكى قول ذي القرنين في السد (فإذا جاء وعد ربي جعله دكاء وكان وعد ربي حقا)، فتخلص منه إلى وصف حالهم بعد دكه الذين هو من أشراط الساعة، ثم بالنفخ في الصور، ثم ذكر الحشر، ووصف مآل الكفار والمؤمنين؛ ومثل ذلك في القرآن كثير، والله أعلم.
وقد طال الكلام في هذا النوع، فلنتخلص إلى إثبات أبيات البديعيات.
فبيت بديعية الشيخ صفي الدين الحلي قوله:
من كل معربة الألفاظ معجمةيزينها مدح خير العرب والعجم
هذا المخلص جار على الشرط الذي قرر في حسن التخلص، من كونه في بيت واحد، وأن يثب الشاعر من شطره الأول إلى الثاني، وهو كذلك. غير أن تمام معناه متعلق بما قبله، فهو غير صالح للتجريد. وقد مر أن أبيات البديعيات التزموا أن يكون كل بيت فيها شاهدا على نوعه بمجرد لا يتعلق بما بعده، ولا بما قبله، ومخلص الشيخ صفي الدين هذا إذا لم يذكر ما قبله كان ناقص المعنى؛ منخرم النظام، لا يظهر كمال حسنه، ولا تستحلي الأذواق طعم حلاوته؛ ما لم يؤت بمتعلقه وهو بيت القسم، وبيت الاستعارة، وبيت مراعاة النظير.
فيتعين إيرادها هنا لإيضاح ذلك، وهي:
لا لقبتني المعالي بابن بجدتهايوم الفخار ولا بر التقى قسمي
إن لم أحث مطايا العزم مثقلةمن القوافي تؤم المجد عن أمم
تجار لفظي إلى سوق القبول بهامن لجة الفكر تهدي جوهر الكلم
من كل معربة الألفاظ معجمةيزينها مدح خير العرب والعجم
قال ابن حجة: وأين الشيخ صفي الدين من قول كمال الدين بن النبيه وقد تقدم:
يا طالب الرزق إن سدت مطالبهقل يا أبا الفتح يا موسى وقد فتحت
هذا المخلص لحسن تجريده يستغني به عن قصيدة. انتهى.
قلت: تقدم أن ابن النبيه تخلص قبل هذا البيت بقوله:
في أحسن الناس أشعاري إذا نسبتوفي أجل ملوك الأرض إن مدحت
فالمخلص هذا البيت لا ذاك، فلا يخفى عليك غباوة ابن حجة، وصلود زند فهمه.
ومخلص بديعية ابن جابر الأندلسي قوله:
يمم بنا البحر إن الركب في ظمأفقلت سيروا فهذا البحر عن أمم
قد تقدم أن ابن جابر أتى في مطلعه بصريح المدح حيث قال:
بطيبة انزل ويمم سيد الأمموانثر له المدح وانثر طيب الكلم
فأطلق التصريح وبين المدح، ونشر الكلم، فلم يبق لحسن التخلص محل ولا موقع، لأن معنى التخلص أن يكون من غزل ونسيب ونحو ذلك إلى المديح، لا من المديح إلى المديح - قاله ابن حجة بالمعنى - وأنا أقول: هذا اعتراض في غير محله، لأن ابن جابر وإن صرح بالمدح في مطلعه فقد انتقل بعده إلى الغزل والتشبيب كما يدلك عليه أبياته السابقة في الأنواع المتقدمة، ثم تخلص إلى المدح مرة أخرى، فالتخلص في محله، وكثير من الشعراء من يفعل ذلك، فلا يلتفت إلى كلام ابن حجة فإنه ليس بحجة.
وبيت بديعية الشيخ عز الدين الموصلي قوله:
حسن التخلص من ذنبي العظيم غدابمدح أكرم خلق الله كلهم
الشيخ عز الدين جاء بالاقتضاب وسماه حسن التخلص، فإنه قال قبل هذا البيت من غير فاصلة:
وارع النظير من القوم الآلى سلفوامن الشباب ومن طفل ومن هرم
فليس بين بيت التخلص بزعمه وبين هذا البيت علاقة أصلا، ولا أدنى ملائمة، ولا مناسبة، بل هو استئناف كلام آخر، فهو اقتضاب قطعا.
وبيت بديعية ابن حجة قوله:
ومن غدا قسمه التشبيب في غزلحسن التخلص بالمختار من قسمي
أقول: قد تقرر أن حسن التخلص من المواضع التي ينبغي للشاعر التأنق فيها لفظا ومعنى، ولا ينبغي له أن يرتكب فيه ضرورة، لأنه مناف للتأنق المشروط فيه، وابن حجة قد ارتكب في مخلصه هذا الضرورة بحذف فاء الجواب المختص بالضرورة على الصحيح، لأنه كان ينبغي أن يقول: فحسن التخلص، لكنه حذف الفاء لإقامة الوزن ضرورة، كقول الآخر: (من يفعل الحسنات الله يشكرها). قال ابن هشام في المغني: وعن المبرد: أنه منع ذلك حتى في الشعر وزعم أن الرواية (من يفعل الخير فالرحمن يشكره).
ومخلص بديعية الشيخ عبد القادر الطبري قوله:
راعي النظير طوى نشر العلى عملارام التخلص بالمختار في الأمم
هذا المخلص أيضاً لا يظهر وجه المناسبة بينه وبين ما قبله، لأن قبله قوله:
خوافي الحب أورتها قوادمهمن استعارة نار الهجر مع سدم
ومعنى هذا البيت بمعزل عن معنى بيت التخلص، فكأن انتقاله إلى المدح اقتضابا لا تخلصا، وإن سماه به ادعاء.
ومخلص بديعيتي قولي:
وقد هديت إلى حسن التخلص منغي النسيب بمدحي سيد الأمم
هذا البيت مستوف لشروط حسن التخلص لفظا ومعنى مع التصريح بذكر حسن التخلص في أثناء الشطر الأول، فلا عبرة بقول ابن حجة: جل القصد أن يكون التصريح به في الشطر الثاني، إذ لا يظهر لهذا الشرط فائدة. نعم التصريح به في أول البيت كما فعل الموصلي لا يتأتى معه الانتقال من الكلام الأول إلى المدح في بيت واحد.
ومخلص بديعية الشيخ شرف الدين المقري قوله:
تزداد حسنا وتزهو كلما وضعتفي جيد أوصاف خير الخلق كلهم
هذا البيت أيضاً غير صالح للتجريد، لتعلقه بما قبله، وهو بيت القسم وبيت الاستعارة وهما:
لا أسفرت لي وجوه المشكلات ولاحللت عقدة معنى غير منفهم
إن لم أصغ ناظما عقدا فرائدهوسائط كلها من جوهر الكلم
تزداد حسنا وتزهو كلما وضعتفي جيد أوصاف خير الخلق كلهم
وكل من هذه الأبيات غير صالح للتجريد
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع