من «أنوار الربيع في أنواع البديع» لابن معصوم المدني (ت ١١١٩هـ)
الإطراد
محمد أحمد الهادي البشير ابنعبد الله فخر نزار باطرادهم
الإطراد في اللغة، مصدر أطرد الشيء: إذا تبع بعضه بعضا وجرى والأنهار تطرد أي تجري، وفي الاصطلاح، هو أن يجيء الشاعر باسم الممدوح ولقبه وكنيته وصفته وأبيه وجده وقبيلته غالبا، أو ما أمكن من ذلك مطردا متواليا في بيت واحد، من غير تعسف ولا تكلف، ولا انقطاع بألفاظ أجنبية لأنه مشتق من إطراد الماء.
كقول أبي تمام:
عبد المليك بن صالح بن علي بن قسيم النبي في نسبه
وأحسن ما قيل من ذلك، قول بعض المتأخرين في الوزير مؤيد الدين ابن العلقمي:
مؤيد الدين أبو جعفرمحمد بن العلقمي الوزير
هكذا حده الشيخ صفي الدين الحلي، ومثل له في شرح بديعيته، وهو أعم من حد الجمهور له، بأنه عبارة عن الإتيان باسم الممدوح أو غيره وأسماء آبائه على ترتيب الولادة من غير تكلف في السبك، حتى تكون الأسماء في تحدرها كالماء الجاري في إطراده، وسهولة انسجامه.
كقول الشاعر:
أن يقتلوك فقد ثللت عروشهمبعتيبة بن الحارث بن شهاب
لكن قد تقدم أن الشيخ صفي الدين الحلي لخص بديعيته من سبعين كتابا في هذا الفن، اجتنى من ثمرات أوراقها ما شاء، فقوله عمدة في هذا الباب.
قال الشيخ بهاء الدين السبكي في عروس الأفراح: ومنهم من سمى الإطراد ذكر الأسماء مطلقا.
وكذلك صنع ابن رشيق في العمدة، فإنه جعل الإطراد في قول المتنبي:
وحمدان حمدون وحمدون حارثوحارث لقمان ولقمان راشد
انتهى. وأخذ الصاحب بن عباد رحمه الله تعالى على المتنبي في هذا البيت فقال: لم نزل مستحسنين لجمع الأسامي في الشعر.
كقول دريد بن الصمة:
قتلنا بعبد الله خير لداتهذؤاب بن أسماء بن زيد بن قارب
واحتذى هذا الفاضل على طرقهم فقال:
وأنت أبو الهيجا بن حمدان يا ابنهتشابه مولود كريم ووالد
وحمدان حمدون وحمدون حارثوحارث لقمان ولقمان راشد
وهذا من الحكمة التي ادخرها أرسطاليس وأفلاطون لهذا الخلف الصالح. انتهى.
وأجاب عنه ابن فورجة فقال: أما سبك البيت، فأحسن سبك، يريد أنت تشبه أباك، وأبوك كان يشبه أباه، وأبوه كان يشبه أباه، إلى آخر الآباء. فليت شعري ما الذي استقبحه؟ فإن استقبح قوله: وحمدان حمدون وحمدون حارث، فليس في حمدان ما يستقبح من حيث اللفظ والمعنى، بل كيف يصنع والرجل اسمه هذا، والذنب في ذلك للآباء لا للمتنبي.
وهذا على نحو ما قال أبو تمام:
عبد المليك بن صالح بن علي بن قسيم النبي في نسبه
والبحتري حيث يقول:
علي بن عيسى بن موسى بن طلحةبن سائب بن مالك حين ينطق
انتهى. وهذا من ابن فورجة دفع بالضد، وتجاف عن الحق، فإن الصاحب إنما استقبح من هذا البيت غلق تركيبه، وثقله على السمع، ونبو الطبع عن سماعه، كما يشهد به الذوق. وقوله: إن سبكه أحسن سبك ليس بصحيح، والطبع السليم أعدل حكم في ذلك. وأغرب من ذلك تشبيهه ببيتي أبي تمام والبحتري، وأين هو منهما؟ ولكن حبك الشيء يعمي ويصم كما أن عين السخط تبدي المساويا.
ومن وشاهد هذا النوع قوله ﵌: أن الكريم بن الكريم بن الكريم بن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم. قال في النهاية: لأنه اجتمع له شرف النبوة والعلم، والكمال والجمال، والعفة وكرم الأخلاق، والعدل ورياسة الدنيا والدين، فهو نبي ابن نبي ابن نبي ابن نبي، رابع أربعة في النبوة.
ويروى: أن سبرة بن عياش الجشمي أنشد عبد الملك بن مروان قصيدة دريد بن الصمة التي منها قوله:
قتلنا بعبد الله خير لداتهذواب بن أسماء بن زيد بن قارب
فلما وصل إلى هذا البيت قال: لولا القافية لبلغ به آدم.
ومن شواهده الشعرية أيضاً قول الأعشى:
أقيس بن مسعود بن قيس بن خالدوأنت الذي ترجو بقاءك وائل
وقول ابن دريد وجمع ثمانية أسماء في بيت واحد، ولم يقع في شواهد هذا النوع نظيره انسجاما وجمعا:
فنعم أخو الجلى ومستنبط الندىوملجأ محزون ومفزع لاهث
عياذ بن عمرو بن الحسين بن غانم بن زيد بن منظور بن زيد بن حارث
وقوله أيضاً في هذه القصيدة:
خليلي من شمس بن عمرو بن غانمونصر بن زهران بن كعب بن حارث
وكان أبو تمام كثيرا ما يستعمل هذا النوع في شعره، فمنه قوله:
لمحمد بن الهيثم بن شبانةمجد إلى حيث السماك مقيم
وقوله:
عمرو بن كلثوم بن مالك بن عتاب بن سعد سهمكم لا يسهم
وقوله أيضاً، وهو أحسن مما تقدم له:
نوح صفا من عهد نوح لهشرب العلى في الحسب الفارع
مطرد الآباء في نسبةكالصبح في إشراقة الساطع
مناسب تحسب من ضوئهامنازلا للقمر الطالع
كالدلو والحوت وأشراطهوالبطن والنجم إلى التالع
نوح بن عمر بن حوي بن عمرو بن حوي بن الفتى مانع
فأتى بستة من منازل القمر، وقابلها بستة من الأسماء، لولا أن نغص بذكر الفتى في سادس جد، وإن لم يرد فتى السن، وإنما أراد من الفتوة لكنه موهم. والتالع هو الدبران، كأنه تلع جيده أي مده.
ومنه قول بعضهم:
من يكن رام حاجة بعدت عنهـ وأعيت عليه كل العياء
فلها أحمد المرجى بن يحيى بن معاذ بن مسلم بن رجاء
وقول أبي سعيد الرستمي في تهنئة الصاحب بن عباد:
تهني ابن عباد بن عباس بن عبد الله نعمى بالكرامة تردف
وقول عبد الصمد بن بابك من أبيات: ت
لاموا على ظمأي إليك فلا دروافي ماء خدك ما حلاوة موردي
طورا أحيا بالأقاح وتارةفي الخد بالريحان والورد الندي
وجه كما سفر الصباح وحولهحسنا بقايا جنح ليل أسود
وكأنما خاف العيون فألبستوجناته زردا مخافة معتد
أنى يخاف من استجار محبهبمحمد بن علي بن محمد
وقول سراج الدين عمر الوراق:
فله الجمال غدا بغير منازعولي الجوى فيه بغير قسيم
وكذا العلى لمحمد بن محمد بن علي بن محمد بن سليم
وقول الأديب أبي الحكم مالك بن المرحل في أبي عبد الله بن يربوع:
صحبت عمري ناسا من ذوي حسبحازوا الثناء بموروث ومطبوع
فلم أجد فاضلا فيما صحبت سوىمحمد بن أبي العيش بن يربوع
وقول أبي الحسن اللحام في أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن حامد:
محمد بن عليسبط الحسين بن حامد
وافى فسر وليبه وأكمد حاسد
وقول بعض شعراء المغرب في إدريس بن حمود خليفة الأندلس:
وكأن الشمس لما أشرقتفانثنت عنها عيون الناظرين
وجه إدريس بن يحيى بن علي بن حمود أمير المؤمنين
وقلت أنا وقد وصلت من هذا التأليف إلى هذا المحل سابع محرم الحرام:
ما عاد عاشوراء إلا همتعيني بدمع هاطل ساكب
وجدا علي بط الرسول الحسين بن علي بن أبي طالب
ومن شواهد بالألقاب قول البطائحي في المستظهر بالله العباسي:
أصبحت بالمستظهر بن المقتديبالله ابن القائم بن القادر
مستعصيا أرجو نوال أكفهوبأن يكون على العشيرة ناصري
فيقر مع كبري قراري عندهويفوز من مدحي بشعر سائر
وهذه الأمثلة كلها جارية عل المشهور في الإطراد من ذكر اسم الممدوح وأسماء آبائه فقط.
وأما الأمثلة الجارية على ما قرره الشيخ صفي الدين الحلي فيه من ذكر اسم الممدوح، ولقبه وكنيته، واسم أبيه وجده، أو ما أمكن من ذلك. فمنها ما ذكره أبو منصور الثعالبي في اليتيمة، ترجمة أبي علي الدامغاني حيث قال: لا أذكر أن أحدا ما الصدور يسع دعاءه ولقبه، وكنيته واسمه واسم أبيه وبلده بيت واحد من الشعر سواه.
فإن أبا القاسم الأليماني أنشدني لنفسه من قصيدة فيه، ومنها هذا البيت:
إلى الشيخ الجليل أبي عليمحمد بن عيسى الدامغاني
وقول الأديب يعقوب بن أحمد النيسابوري في أبي القاسم الموسوي:
يقولون لي هل للمكارم والعلىقوام ففيه لو علمت دوامها
فقلت لهم والصدق خلق ألفتهعلي بن موسى الموسوي قوامها
وقوله فيه أيضاً:
يقول صديقي ألا دلنيعلى برمك الجود أو حاتم
فقلت وأقسمت رب العلىعلي بن موسى أبو القاسم
وقول أبي محمد الحسين بن أحمد الزيادي في الشيخ أبي علي الجشمي:
إن الدراية والرواية خاتمحقا أقول ولست فيه بزاعم
وأبو علي أحمد بن محمد بن عميرة الجشمي فص الخاتم
فأجابه الجشمي بقوله:
قد قلت عن حق فعوا ما قلت إذليس المقلد في الورى كالعالم
إن الزيادي الحسين أبا محمد بن أحمد شمس هذا العالم
وقول أبي الحسن الباخرزي في أبي القاسم الموسوي أيضاً:
وسقت الركائب حتى أنخنبسبط الأنامل سبط النبي
علي بن موسى مواسي العفاةأبي القاسم السيّد الموسوي
وقول بعضهم يهجو الشيخ زكي الدين بن أبي الإصبع:
عبد العظيم الزكي بن أبي افصبع رب القريض والخطب
يزعم أني بالهجو أذكرهتعصبا منه ساعة الغضب
لكنني والطلاق يلزمنيما ملت فيه يوما إلى الكذب
نكت ابنه وأخته وخالتهونكتب قدما أخاه وهو صبي
وليس فيما أتيت مبتدعاقد كان هذا في سالف الحقب
ناك أبي أمه وجدتهوعمته لله در أبي
ونحن في بيته على دعةوالنيك ما بيننا إلى الركب
وهذه الأبيات - على ما فيها - في غاية السهولة والانسجام.
وبيت بديعية الشيخ صفي الدين الحلي جار على ما قرره هو في الإطراد، وهو:
محمد المصطفى الهادي النبي أجل المرسلين بن عبد الله ذي الكرم
وبيت بديعية ابن جابر الأندلسي قوله:
قد أورث المجد عبد الله شيبة عنعمرو بن عبد مناف عن قصيهم
ابن جابر جرى في نظم هذا البيت على ما ذهب إليه بعضهم في الإطراد من أنه ذكر الأسماء مطلقا، وإليه جنح ابن رشيق في العمدة كما تقدم نقله عن عروس الأفراح. ولا مشاحة في الإصلاح، غير أن الخروج عن القول المشهور خلاف الأولى.
وبيت بديعية الشيخ عز الدين الموصلي قوله:
محمد بن عبد الله شيبة جده بن عمرو كرام في اطرادهم
هذا البيت ظاهر التكلف، شديد التعسف، يأباه شرط الإطراد الذي هو عدم التكلف في السبك، لأنه إنما سمي اطرادا، لكون الأسماء في تحدرها كالماء الجاري في اطراده وانصبابه. والذي أقول: إن هذا البيت لو كان الماء لكان عكرا لا يسيغه شارب، كما لا يسيغه الآن سامع.
وبيت بديعية ابن حجة قوله:
محمد بن الذبيحين الأمين أبو البتول خير نبي في اطرادهم
وبيت بديعية الطبري قوله:
محمد نجل عبد الله نجل أبي العباس آبا كرام في اطرادهم
قوله: آبا، يريد به آباء جمع أب، فحذف الهمزة، وقصر المد لضرورة الوزن؛ فثقل لفظها؛ واستبشع التلفظ بها حتى لو وقعت في بحر صاف لكدرته؛ ولو ألقيت على جبل شامخ لضعضعته، على أن البيت برمته في غاية التكلف والتعسف.
وبيت بديعيتي هو قولي:
محمد أحمد الهادي البشير بنعبد الله فخر نزار باطرادهم
هذا البيت فيه أسماء الممدوح ﵌، ولقبان من ألقابه الشريفة وذكر أبيه، وذكر قبيلته، مع عدم ارتكاب ضرورة، ولا تكلف في النظم.
وبيت بديعية الشيخ شرف الدين المقري قوله:
محمد المصطفى بن المصطفين إمامن الأنبياء رسول الله في الأمم
تذنيب - عد بعضهم من الإطراد مثل قول أبي تمام:
بكريها علويها صعبيها الحصني شيبانيها الصنديدا
ذهليها مريها مطريهايمنى يديها خالد بن يزيدا
وهو غير معروف.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع