من «أنوار الربيع في أنواع البديع» لابن معصوم المدني (ت ١١١٩هـ)
القسم
لا بر صدقي وعزمي في العلى قسميإن لم أردك رد الخيل باللجم
القسم - قال ابن حجة: هو أيضاً حكاية حال واقعة ليس تحته كبير أمر.
وهذا غلط صريح منه، فإن القسم من أنواع الإنشاء، وحكاية الحال من نوع الإخبار، ولكن ليس هذا بمستنكر من ابن حجة، فإن باعه قصير جدا في المسائل العلمية.
والقسم هو أن يريد المتكلم الحلف على شيء، فيحلف بما يكون فيه تعظيم لشأنه، وفخر له، أو تنويه له أو لغيره، أو دعاء على نفسه، أو هجاء وذم لغيره، أو جاريا مجرى الغزل والتشبيب.
فالأول كقوله تعالى: (فورب السماء والأرض إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون)، أقسم سبحانه بقسم يوجب الفخر لتضمنه التمدح بأعظم قدرة وأجل عظمة، لا يشاركه فيها غيره، ولا يطمح إليها نظر أحد سواه.
وعن بعض الأعراب، أنه لما سمع هذه الآية، صاح وقال: من ذا الذي أغضب الجليل حتى الجأه إلى اليمين؟.
ومن الغايات في ذلك قول مالك الأشتر ﵀:
بقيت وفري وانحرفت علن العلىولقيت أضيافي بوجه عبوس
إن لم أشن على ابن هند غارةلم تخل يوما من نهاب نفوس
خيلا كأمثال السعالي شزباتعدو ببيض في الكريهة شوس
حمي الحديد عليهم فكأنهومضان برق أو شعاع شموس
فتضمن هذا الشعر الوعيد بالقسم بما فيه الفخر العظيم من الجود والكرم، والشرف والسؤدد، والبسالة والشجاعة. وهذا الرجل كان من أمراء أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵇، شديد الشوكة على من خالف أمره. ويعني بابن هند: معاوية بن أبي سفيان. ولعمري لقد بر قسمه في صفين، وأبلى بلاء لم يبله غيره.
قال بعضهم: لقد رأيت الأشتر في يوم من أيام صفين مقتحما للحرب وفي يده صفيحة يمانية كأنها البرق الخاطف، إذا هو نكتها كادت تسيل من كفه، وهو يضرب بها قدما كأنه طالب ملك.
قال ابن أبي الحديد في شرح النهج: لله أم قامت عن الأشتر؛ لو أن إنسانا يقسم أن الله تعالى لم يخلق في العرب ولا في العجم أشجع منه إلا أستاذه علي بن أبي طالب ﵇، لما خشيت عليه الإثم. ولله در القائل وقد سئل عن الأشتر: ما أقول في رجل هزمت حياته أهل الشام وقد هزم موته أهل العراق. وبحق ما قال فيه أمير المؤمنين ﵇: كان الأشتر لي كما كنت لرسول الله ﵌.
واقتفى أثر الأشتر في أبياته المذكورة في القسم، أبو علي البصير يعرض بعلي بن الجهم فقال:
أكذبت أحسن ما يظن مؤمليوهدمت ما شادته لي أسلافي
وعدمت عاداتي التي عودتهاقدما من الأسلاف والأخلاف
وغضضت من ناري ليخفى ضوءهاوقريت عذرا كاذبا أضيافي
إن لم أشن على علي خلةتمسي قذى في أعين الأشراف
ومن الغايات هنا أيضاً قول الشريف الرضي ﵁:
ما أنا للعلياء إن لم يكنمن ولدي ما كان من والدي
ولا مشت بي الخيل إن لم أطأسرير هذا الأغلب الماجد
فإن أنلها فكما رمتهأو لا فقد يكذبني رائدي
والغاية الموت فما فكرتيأسائقي أصبح أم قائدي
ومنه قول السيّد الفاضل السيّد أحمد بن عبد الصمد الحسيني البحراني ﵀:
لا بلغتني إلى العلياء عارفتيولا دعتني العلى يوما لها ولدا
إن لم أمر على الأعداء مشربهممرارة ليس يحلو بعدها أبدا
والثاني - وهو القسم بما يكون فيه تعظيم وتنويه لغير المتكلم، مثاله قوله تعالى: (لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون) أقسم سبحانه بحياة نبيه ﵌ تعظيما لشأنه وتنويها بقدره ليعرف الناس عظمه عنده، ومكانته لديه.
أخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: ما خلق الله، ولا ذرأ، ولا برأ نفسا أكرم عليه من محمد، وما سمعت الله أقسم بحياة أحد غيره، قال: (لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون).
ومنه قوله تعالى: (وطور سينين وهذا البلد الأمين). وقوله تعالى: (ص والقرآن ذي الذكر)، فإن في القسم به من تعظيم القرآن ووصفه بأنه ذو الذكر المتضمن لتذكير العباد ما يحتاجون إليه، والشرف والقدر ما يدل على المقسم عليه، وهو كونه حقا من عند الله غير مفترى كما يقوله الكافرون. ولهذا قال كثيرون: إن تقدير الجواب: إن القرآن لحق، وهذا يطرد في كل ما شأنه ذلك، كقوله تعالى: (ق والقرآن المجيد).
ومن هذا الباب أقسام العباد بالله سبحانه وبشعائره، كقول أبي صخر الهذلي:
أما والذي أبكى وأضحك والذيأمات وأحيا والذي أمره أمر
لقد تركتني أحسد الوحش أن أرىأليفين منها لا يروعهما الهجر
فيا حبها زدني جوى كل ليلةويا سلوة الأيام موعدك الحشر
عجبت لسعي الدهر بيني وبينهافلما انقضى ما بيننا سكن الدهر
وتبعه المولد وجمع بين ثلاث اقتباسات:
أما والذي أبكى وأضحك عبدهوأطعم من جوع وآمن من خوف
لما كان لي قلب سوى ما سلبتهوما جعل الرحمن قلبين في جوف
ومنه قول الآخر وإن كان القسم عليه فيه مدحا:
حلفت بمن سوى السماء وشادهاومن مرج البحرين يلتقيان
ومن قام في المعقول من غير رؤيةفأثبت من إدراك كل عيان
لما خلقت كفاك إلا لأربععقايل لم يعقل لهن ثواني
لتقبيل أفواه وإعطاء نائلوتقليب هندي وحبس عنان
وذكر لجميل أمر بثينة - وقد احتضر - فقال في آخر ساعة من ساعات دنياه:
لا والذي تسجد الجباه لهما لي بما دون ثوبها خبر
ولا بفيها ولا هممت بهما كان إلا الحديث والنظر
ومن الطريف الناصع في هذا قول السلامي:
أما والذي ناجى من الطور عبدهوأنزل فرقانا وأوحى إلى النحل
لقد ولدت حواء منك بليةتنيخ على قلبي وثقلا على ثقل
ويستحسن قول الجاهلي في مثل هذه الأقسام:
أشوقا على شوق وأنت بخيلةوقد زعموا أن لا يحب بخيل
بلى والذي حج الملبون بيتهويشفى الهوى بالنيل وهو قليل
ومن أشعار الشاميين:
زعموا أن من تشاغل باللذات عمن يحبه يتسلى
كذبوا والذي تقاد له البدن ومن طاف بالحرام وصلى
إن نار الهوى أحر من الجمر على قلب مدنف يتقلى
وقول شيخنا العلامة محمد الشامي:
أما والراقصات على ألالٍومن حملوا على الكوم العتاق
لقد أضللت في ليل التصابيفؤادا غير مشدود الوثاق
ومن أيمان الفرزدق:
حلفت برب مكة والمصلىوأعناق المطي مقلدات
لقد قلدت جلف بني كليبقلائد في السوالف باقيات
(ومن أيمان) جميل بثينة:
حلفت يمينا غير ذي مثنويةفإن كنت منها كاذبا فعنيت
حلفت لها بالبدن تدمى نحورهالقد شقيت نفسي بكم وشقيت
ومن حجازيات الشريف الرضي ﵁:
أحبك ما أقام مني وجعوما أرسى بمكة أخشباها
وما اندفع الحجيج إلى المصلىيجرون المطي على وجاها
وما نحروا بخيف منى وكبواعلى الأذقان مشعرة ذراها
نظرتك نظرة بالخيف كانتجلاء العين بل كانت قذاها
ولم يك غير موقفنا فطارتبكل قبيلة منا نواها
فواها كيف تجمعنا اللياليوآها من تفرقنا وآها
وأقسم بالوقوف على ألالومن شهد الجمار ومن رماها
وأركان العتيق وبانييهاوزمزم والمقام ومن سقاها
لأنت النفس خالصة فإن لاتكونيها لأنت إذن مناها
نظرت ببطن مكة أم خشفتبغم وهي ناشدة طلاها
فاعجبني ملامح منك فيهافقلت أخا الغريب أما تراها
فلولا أنني رجل حرامضممت قرونها ولثمت فاها
ومنه قول جميل بثينة أيضاً:
قالت ويعش أخي وحرمة والديلأنبهن القوم إن لم تخرج
فخرجت خيفة أهلها فتبسمتفعلمت أن يمينها لم تحرج
فلثمت فاها آخذا بقرونهاشرب النزيف ببرد ماء الحشرج
النزيف بالنون والزاي - على فعيل - بمعنى منزوف ماؤه، يريد به المنزوف من الخمر، نزف من إنائه ومزج بالماء البارد، قاله العيني، والصواب أنه بمعنى العطشان الذي يبست عروقه وجف لسانه، والباء في (ببرد) زائدة كما في قوله: (تنبت بالدهن)، فيكون الشرب مصدرا مضافا إلى فاعله، وبرد ماء الحشرج مفعوله. ومن العجيب أن العيني أعرب هذا الإعراب وفسر النزيف بذلك المعنى. والحشرج - بفتح الحاء المهملة وسكون الشين المعجمة وفتح الراء المهملة وبعدها جيم -: النقرة في الجبل يصفو فيها الماء.
الثالث وهو القسم بما يكون دعاء على نفسه، مثاله قول الشاعر:
أكلت دما إن لم أرعك بضرةبعيدة مهوى القرط طيبة النشر
قيل: معناه أكلت حراما، وقيل: يريد الدية، وأكلها أقبح الأشياء عند العرب.
وقول العباس بن الأحنف لما اتهمته فوز بجاريتها جمل:
زعم الرسول بأنني جمشتهكذب الرسول وفالق الإصباح
إن كنت جشمت الرسول فصافحتكفاي كفي قابض الأرواح
وقول الآخر:
سل جزعي مذ نأيت عن حاليهل خطر الصبر لي على بال
لا غير الله سوء فعلك بيإن كنت أرضيت فيك عذالي
وقول البحتري في الفتح بن خاقان:
ألنت لي الأيام من بعد قسوةوعاتبت لي دهري المسيء فأعتبا
فلا فزت من مر الليالي براحةلئن كنت لم أصبح بشكرك متعبا
ومن كريم إيمان العرب قول حسان بن ثابت:
أوما إلى الكوماء هذا طارقنحرتني الأعداء إن لم تنحري
وقال الشريف الرضي ﵁:
لا كنت من ريب الزمان بسالمإن كنت تسلم من يدي كفافا
بل لا التذذت من الزمان بشربةإن لم أعضك من الزلال ذعافا
ومنه قول الآخر:
لا فرج الله عن عيني برؤيتهإن كنت أبصرت شيئا غيره حسنا
إلا خيال عسى إن نمت يطرقنيوكيف يطرق من لاي عرف الوسنا
وما أبدع قول الآخر في مثل ذلك:
حرمت الرضا إن كنت خنتك في الهوىوعوقبت بالهجران إن كنت كاذبا
والرابع وهو القسم بما يكون فيه هجاء وذم، مثاله قول أبي تمام يهجو ابن الأعمش:
بدلت بعد تأنس بتوحشوأعرت سمعك من يبلغ أو يشي
لا مت إن كان الذي بلغتهحتى أرى في صورة ابن الأعمش
وقوله يهجوه:
إن كنت تطمع أن قلبي هائمبك أو تؤمل أنني لك ذاكر
فأنا الذي يعطي أسته من حاجةوأبوك قوادي وأنت الشاعر
وقوله يهجو مقران المباركي:
أما والذي غشى المبارك خزيةيغني على الأيام ركب به ركبا
لقد ظل مقران يحك بعرضهقوافي شعر لو تأملها جربا
والخامس وهو الحلف بما يجري مجرى الغزل والتشبيب، مثاله قول ابن المعتز:
لا والذي سل من جفنيه سيف ردىقدت له من عذاريه حمائله
ما صارت مقلتي دمعا ولا وصلتغمضا ولا سالمت قلبي بلابله
وقوله:
أما وريق بارد وثغرشيبا بطعمي عسل وخمر
ما الموت إلا الهجر أو كالهجر وقول أبي وائل تغلب بن حمدان:
لا والذي جعل الموالي في الهوى خدم العبيد
وأصار في أيدي الظباء قياد أعناق الأسود
وأقام ألوية المنية بين أفناء الصدود
ما الورد أحسن منظرامن حسن توريد الخدود
وقول العلوي الكوفي:
إني سألتك باختلاس اللحظ من تحت السجوف
وبما جنت تلك العيونعلى القلوب من الحتوف
وبسطوة المولى إذاأزرى على العبد الضعيف
لا تجمعي ضن البخيلوسطوة المولى العسوف
ومثل هذا يسمى القسم الاستعطافي عند النحاة.
وجمع منصور بن كيغلغ بين هذا النوع من القسم وبين النوع الأول فقال:
خنت الذي أهوى من الناس+ونمت عن جودي وعن بأسي
يوم أرى الدجن فلا أرتويمن ريق إلفي ومن الكأس
ومن بديع هذا النوع قول الخالديين الشاعرين وقد مدحا أبا الحسن محمد بن عمر الزيدي الحسني فأبطأ عليهما بالجائزة، وأراد الخروج إلى بعض الجهات، فدخلا عليه وأنشداه:
قل للشريف المستجاربه إذا عدم المطر
وابن الأئمة من قريش والميامين الغرر
أقسمت بالريحان والنغم المضاعف والوتر
لئن الشريف مضى ولمينعم لعبديه النظر
لنشاركن بني أمية في الضلال المشتهر
ونقول لم يغصب أبو بكر ولم يظلم عمر
ونرى معاوية إماما من يخالفه كفر
ونقول إن يزيد ماقتل الحسين ولا أمر
ونعد طلحة والزبير من الميامين الغرر
ويكون في عنق الشريف دخول عبديه سقر
فضحك من قولهما وأنجز لهما جائزتهما.
قلت: وعلى هذا الأسلوب نظم ابن منير قصيدته المشهورة التي انتهت الإشارة إليها في أسلوبها. وكان سبب نظمه لها أنه كان بينه وبين الشريف الموسوي نقيب الأشراف مودة أكيدة ومراسلات، لأن الشريف كان رئيس مذهب الإمامية، وكان ابن منير من كبار الإمامية وأجلاء طرابلس. فيقال: أنه أرسل إلى الشريف مرة بهدية مع عبد أسود له، فأرسل الشريف يعتبه، وكتب إليه: أما بعد، فلو علمت عددا أقل من الواحد، ولونا شرا من السواد لعثت به إلينا والسلام.
وكان الشريف معروفا بالشهامة وعلو الهمة، وكان ابن منير يهوى مملوكا له يسمى تتر، لا يفارقه في نوم ولا يقظة، حتى أنه متى اشتد غمه أو رمي بمحنة نظر إليه؛ فيزول ما به؛ فحلف أنه لا يرسل إلى الشريف هدية لا مع أعز الناس إليه، فجهز هدايا نفسية مع مملوكه تتر إلى الشريف وأخذ يقاسي مشاق فرقته، ويتجرع غصص بعاده. فلما وصل المملوك إلى الشريف توهم أنه من جملة الهدايا تعويضا من ذنب العبد الأسود فأمسكه. وطال الأمر على ابن منير فلم ير ما ينكي به الشريف، ويبعثه على إرسال مملوكه إلا إظهار النزوع عن التشيع، والدخول في مذهب السنة. وإن ذلك دليل أمر عظيم أخرجه من العقل حتى فارق مذهبه، فكتب إليه هذه القصيدة يذكر فيها وجده، ويقسم بالإيمان المحرجة، أنه إن لم يرد عليه مملوكه خرج عن مذهبه إلى التسنن، وفارق الحق إلى الباطل، ونزع عن الهدى إلى الضلال.
وهذه القصيدة بديعة في بابها، مع رقة ألفاظها وانسجاها، ولا بأس بإيرادها بجملتها هنا، على أننا لم نخرج بها عن نوع القسم من البديع، وهي:
عذبت طرفي السهروأذبت قلبي بالفكر
ومزجت صفو مودتيمن بعد بعدك بالكدر
ومنحت جثماني الضنىوكحلت جفني بالسهر
وجفوت صبا ما لهعن حسن وجهك مصطبر
يا قلب ويحك كم تخادع بالغرور وكم تغر
وإلام تكلف بالأغن من الظباء وبالأغر
ريم يفوق إن رماك بسهم ناظره النظر
تركتك أعين تركهامن بأسهن على خطر
ورمت فأصمت عن قسي لا يناط بها وتر
جرحتك جرحا لا يخيط بالخيوط ولا الإبر
تلهو وتلعب بالعقول عيون أبناء الخزر
فكأنهن صوالجوكأنهن لها أكر
تخفي الهوى وتسرهوخفي سرك قد ظهر
أفهل لوجدك من مدىيفضى إليه فينتظر
نفسي الفداء لشادنأنا من هواه على خطر
عذل العذول وما رآهـ وحين عاينه عذر
قمر يزين ضوء صبح جبينه ليل الشعر
وترى اللواحظ خدهفيرى لهن به أثر
هو كالهلال ملثماوالبدر حسنا إن سفر
ويلاه ما أحلاه فيقلبي الشجي وما أمر
نومي المحرم بعدهوربيع لذاتي صفر
بالمشعرين وبالصفاوالبيت أقسم والحجر
وبمن سعى فيه وطاف به ولبى واعتمر
لئن الشريف الموسويابن الشريف أبي مضر
أبدى الجحود ولم يرد إلي مملوكي تتر
واليت آل أمية الطهر الميامين الغرر
وجحدت بيعة حيدروعدلت عنه إلى عمر
وإذا جرى ذكر الصحابة بين قوم واشتهر
قلت المقدم شيخ تيم ثم صاحبه عمر
ما سل قط ظبا علىآل النبي ولا شهر
كلا ولا صد البتول عن التراث ولا زجر
وأثابها الحسنى ولاشق الكتاب ولا بقر
وبكيت عثمان الشهيد بكاء نسوان الحضر
وشرحت حسن صلاتهجنح الظلام المعتكر
وقرأت من أوراق مصحفه البراءة والزمر
ورثيت طلحة والزبير بكل شعر مبتكر
وأزور قبرهما وأزجر من نهاني أو زجر
وأقول أم المؤمنين عقوقها إحدى الكبر
ركبت على جمل لتصبح من بنيها في زمر
وأتت لتصلح بين جيش المسلمين على غرر
فأتى أبو حسن وسل حسامه وسطا وكر
وأذاق إخوته الردىوبعير أمهم عقر
ما ضره لو كان كف وعف عنهم إذ قدر
وأقول أن أمامكمولى بصفين وفر
وأقول إن أخطأ معاوية فما أخطأ القدر
هذا ولم يغدر معاوية ولا عمر مكر
بطل بسوءته يقاتل لا بصارم الذكر
وجنيت من رطب الخوارج ما تتمر واختمر
وأقول ذنب الخارجين على علي مغتفر
لا ثائر بقتالهمفي النهروان ولا أثر
والأشعري بما يؤول إليه أمرهما شعر
قال انصبوا لي منبرافأنا البريء من الخطر
فعلا وقالت خلعت صاحبكم وأوجز واختصر
وأقول أن يزيد ماشرب الخمور ولا فجر
ولجيشه بالكف عنأبناء فاطمة أمر
والشمر ما قتل الحسين ولا ابن سعد ما غدر
وحلقت في عشر المحرم ما استطال من الشعر
ونويت صوم نهارهوصيام أيام أخر
ولبست فيه أجل ثوب للمواسم يدخر
وسهرت في طبخ الحبوب من العشاء إلى السحر
وعدوت مكتحلا أصافح من لقيت من البشر
ووقفت في وسط الطريق أقص شارب من عبر
وأكلت جرجير البقول بلحم جري الحفر
وجعلتها خير المآكل والفواكه والخضر
وغسلت رجلي ضلةومسحت خفي في السفر
أمين أجهر في الصلاة بها كمن قبلي جهر
وأسن تسنيم القبور لكل قبر يحتفر
وإذا جرى ذكر الغدير أقول ما صح الخبر
ولبست فيه من الملابس ما اضمحل وما دثر
وسكنت جلق واقتديت بهم وإن كانوا بقر
وأقول مثل مقالهمبالفاشريا قد فشر
مصطيحتي مكسورةوفطيرتي فيها قصر
بقر يرى برئيسهمطيش الظليم إذا نفر
وخفيفهم مستثقلوصواب قولهم هذر
وطباعهم كجبالهمجبلت وقدت من حجر
ما يدرك التشبيب تغريد البلابل في السحر
وأقول في يوم تحار له البصيرة والبصر
والصحف ينشر طيهاوالنار ترمي بالشرر
هذا الشريف أضلنيبعد الهداية والنظر
فيقال خذ بيد الشريف فمستقركما سقر
لواحة تسطو فماتبقي عليه ولا تذر
والله يغفر للمسيء إذا تنصل واعتذر
إلا لمن جحد الوصيولاءه ولمن كفر
فاخش أفله بسوء فعلك واحتذر كل الحذر
وإليكها بدويةرقت لرقتها الحضر
شامية لو شامهاقس الفصاحة لافتخر
ودرى وأيقن أننيبحر وألفاظي درر
وبديعة كخريدةعذراء ترفل في الحبر
حبرتها فغدت كزهر الروض باكره المطر
وإلى الشريف بعثتهالما قراها وانبهر
رد الغلام وما استمر على الجحود ولا أصر
وأثابني وجزيتهشكرا وقال لقد صبر
فلما وصلت القصيدة إلى الشريف ضحك وقال: قد أبطأنا عليه فهو معذور، ثم جهز المملوك مع هدايا حسنة. فمدحه ابن منير فقال:
إلى المرتضى حث المطي فإنهإمام على كل البرية قد سما
ترى الناس أرضا في الفضائل عندهونجل الزكي الهاشمي هو السما
قيل إن ابن منير حين هادى الشريف، كان الشريف ببغداد، وقوله: وأقول مثل مقالهم، يفسره ما بعده من الكلمات المهملة التي يستعملها أهل دمشق في الخلاعة.
والمصطيحة: خشبة، في الأصل تجعل تحت دود القز، وأهل دمشق يسمون الصولجان المنقوش مصطيحة. ولقد تطرف في الخلاعة والمجون حيث قلب اللفظ فنسب القصر إلى الفطيرة، والكسر إلى المطيحة، والمستعمل العكس. فإنهم يضعون الصوالج قائمة، فمن جاء صولجانه قصيرا أخرج من اللعبة، فيقول: مصطيحتي قصيرة. وكذا من لعب الفطيرة يرد من كانت فطيرته مكسورة.
وقوله: إلى الشريف بعثتها إلى آخره. وقد يتوهم أنه ملحق بالقصيدة وأنه قاله بعد رد المملوك، وليس كذلك، وإنما قاله تفاؤلا وحسن ظن بالشريف، واعتمادا على علو همته، وهذا من دهاء ابن منير لعلمه بسجايا الشريف.
قلت: وكثير من الناس يظن أن الشريف المذكور هو أبو القاسم علي بن الطاهر ذي المناقب أبي أحمد الحسين، الشهير بالشريف المرتضى علم الهدى - أخو الشريف الرضي ﵀ وليس به، فإن ابن منير متأخر عن الشريف المرتضى، ولم يدرك زمانه قطعا، لأن وفاة الشريف المرتضى المذكور يوم الأحد الخامس من شهر ربيع الأول سنة ست وثلاثين وأربعمائة، فيكون موت الشريف المرتضى قبل أن يخلق ابن منير بنحو من سبع وثلاثين سنة، فيتعين أن يكون الشريف الذي خاطبه ابن منير غير سيدنا الشريف المرتضى علم الهدى ﵏ جميعا.
وابن منير هذا هو أبو الحسن أحمد بن منير بن مفلح الطرابلسي الملقب مهذب الملك، عين الزمان، الشاعر المشهور. قال ابن خلكان في الوفيات: من محاسن شعره القصيدة التي أولها - قلت: وفيه مثال النوع الرابع من القسم وهو الواقع في الغزل والتشبيب -:
من ركب البدر في صدر الردينيوموه السحر في حد اليماني
وأنزل النير الأعلى إلى فلكمداره في القباء الخسرواني
طرف رنا أم قراب سل صارمهوأغيد ماس أم أعطاف خطي
أذلني بعد عز والهوى أبدايستعبد الليث للظبي الكناسي
أما وذائب مسك من ذوائبهعلى أعالي القضيب الخيزراني
وما يجن عقيقي الشفاه من الريق الرحيقي والثغر الجماني
لو قيل للبدر من في الأرض تحسدهإذا تجلى لقال ابن الفلاني
أربى علي بشتى من محاسنهتألفت بين مسموع ومرئي
إباء فارس في لين الشآم مع الظرف العراقي والطرف الحجازي
وما المدامة في الألباب أفتك منفصاحة البدو في ألفاظ تركي
وأما الخالديان اللذان حذا ابن منير حذوهما في قصيدته التترية المذكورة، فهما: أبو بكر محمد، وأبو عثمان سعيد ابنا هاشم.
قال الثعالبي في يتيمة الدهر: إن هذان لساحران، يغربان فيما يجلبان ويبدعان فيما يصنعان. وكان ما يجمعهما من أخوة الأدب، مثلما ينظمهما من أخوة النسب؛ فهما في الموافقة والمساعدة يحييان بروح واحدة؛ ويشتركان في قرض الشعر وينفردان، ولا يكادان في الحضر والسفر يفترقان. وكانا في التساوي والتشابك والتشاكل والتشارك.
كما قال أبو تمام:
رضيعي لبان شريكي عنانعتيقي رهان حليفي صفاء
بل كما قال البحتري:
كالفرقدين إذا تأمل ناظرلم يعل موع فرقد عن فرقد
بل كما قال أبو إسحاق الصابي فيهما:
أرى الشاعرين الخالديين سيراقصائد يفنى الدهر وهي تخلد
جواهر من أبكار لفظ وعونهيقصر عنها راجز ومقصد
تنازع قوم فيهما وتناقضواومر جدال بينهم يتردد
وصاروا إلى حكمي فأصلحت بينهموما قلت إلا بالتي هي أرشد
هما في اجتماع الفضل زوج مؤلفومعناهما من حيث يثبت مفرد
كذا فرقدا الظلماء لما تشاكلاعلا أشكلا هذاك أم ذاك أمجد
فزوجهما ما مثله في اتفاقهوفردهما بين الكواكب أوحد
فقاموا على صلح وقال جميعهمرضينا وساوى فرقد الأرض فرقد
وما أعدل هذه لحكومة من أبي إسحاق فما منهما إلا محسن يحطب في حبل الإبداع ما أراد، ويكاد بمحاسنه وبدائعه الإفراد.
فمن محاسن شعر أبي بكر وهو الأكبر منهما قوله:
لو أشرقت لك شمس ذاك الهودجلأرتك سالفتي غزال أدعج
أرعى النجوم كأنها في أفقهازهر الأقاحي في رياض بنفسج
والمشتري وسط السماء تخالهوسناه مثل الزئبق المترجرج
مسمار تبر أصر ركبتهفي فص خاتم فضة فيروزج
وتمايل الجوزاء يحكي في الدجىميلان شارب قهوة لم تمزج
وتنقبت بخفيف غيم أبيضهي فيه بين تخفر وتبرج
كتنفس الحسناء في المرآة إذكملت محاسنها ولم تتزوج
وقوله:
حور رحلن وقد جعلن وداعنابمدامع نطقت ونحن سكوت
فعيونها سبج ونثر دموعهادرر وحمر خدودها ياقوت
وقوله في مرثية الحسين ﵇:
إذا تفكرت في مصابهمأثقب زند الهموم قادحه
بعضهم قربت مصارعهوبعضهم بعدت مطارحه
أظلم في كربلاء يومهمثم تجلى وهم ذبائحه
لا برح الغيث كل شارقةتهمي غواديه أو روائحه
على ثرى حله غريب رسول الله مجروحة جوارحه
ذل حماه وقل ناصرهونال أقصى مناه كاشحه
ومنها:
عفرتم بالثرى جبين فتىجبريل بعد الرسول ماسحه
يطل ما بينكم دم ابن رسول الله وابن السفاح سافحه
سيان عند الأنام كلهمخاذله منكم وذابحه
ومن محاسن شعر أبي عثمان قوله:
نيل المطالب بالهندية البترلا بالأماني والتأميل للقدر
فإن عفا طلل أو بان ساكنهفلا تقف فيه بين البث والفكر
في شمك المسك شغل عن مذاقتهوفي سنا الشمس ما يغني عن القمر
لو لم أكن مشبها للناس في خلقيلقلت أني من جيل سوى البشر
ومنها:
تزيدني قسوة الأيام طيب ثناكأنني المسك بين الفهر والحجر
ألفت من حادثات الدهر أكبرهافما أعوج على أطفالها الأخر
لا شيء أعجب عندي في تباينهإذا تأملته من هذه الصور
أرى ثيابا وفي أثنائها بقربلا قرون وذا عيب على البقر
قالت رقدت فقلت الهم أرقدنيوالهم يمنع أحيانا من السهر
كم قد وقعت وقوع الطير في شركفضعضعت همتي منها قوى المرر
أصفو وأكدر أحيانا لمختبريوليس مستحسنا صفو بلا كدر
إني لأسير في الآفاق من مثلفرد وأملأ للآماق من قمر
إذا تشككت فيما أنت مبصرهفلا تقل أنني في الناس ذو بصر
وكيف يفرح إنسان بمقلتهإذا نضاها ولم تصدقه في النظر
لقد فرحت بما عانيت من عدمخوف القبيحين من كبر ومن بطر
وربما ابتهج الأعمى بحالتهلأنه قد نجا من طيرة العور
ولست أبكي لشيب قد بليت بهيبكي على الشيب من يأسى على العمر
كن من صديقك لا من غيره حذراإن كان ينجيك منه شدة الحذر
ما أطمئن إلى خلق فأخبرهإلا تكشف لي عن سوء مختبر
لقد نظرت إلى الدنيا بمقلتهافاستصغرتها عيوني غاية الصغر
وما شكرت زماني وهو يصعدنيفكيف أشكره في حال منحدري
لا عار يلحقني إني بلا نشبوأي عار على عين بلا حور
فإن بلغت الذي أهوى فعن قدروإن حرمت الذي أهوى فعن عذر
ولقد طال بنا الشرح بسبب هذا الاستطراد، على أن الاستطراد من البديع، فلم نخرج عما نحن فيه على كل حال، ولنعد إلى تمام الكلام على نوع القسم فنقول: إن من قبيحه قول القاضي عبد الله بن محمد الخليجي:
برئت من الإسلام إن كان ذا الذيأتاك به الواشون عني كما قالوا
ولكنهم لما رأوك غريةبهجري تواصوا بالنميمة واحتالوا
فقد صرت أذنا للوشاة سميعةينالون من عرضي ولو شئت ما نالوا
وبسبب هذا القسم القبيح عزل القاضي المذكور من منصبه، ومني بنكد العيش ونصبه.
قال الصفدي في شرح رسالة ابن زيدون: كان القاضي الخليجي المذكور ابن أخت علوية المغني، وكان تياها صلفا، تقلد القضاء للأمين، وكان علوية عدوا له، فجرت له قضية في بغداد فاستعفى من القضاء، وسأل أن يولى بعض الكور البعيدة، فولي قضاء دمشق أو حمص. ولما تولى المأمون الخلافة، غناه يوما علوية بشعر الخليجي المذكور، فقال له المأمون: من يقول هذا الشعر؟ قال: قاضي دمشق، فأمر المأمون بإحضاره فأشخص. وجلس المأمون للشرب وأحضر علوية، ودعا بالقاضي، فقال له: أنشدني الأبيات، فقال: يا أمير المؤمنين هذه أبيات قلتها منذ أربعين سنة وأنا صبي. والذي أكرمك بالخلافة، وورثك ميراث النبوة ما قلت شعرا منذ أكثر من عشرين سنة إلا في زهد، أو عتاب صديق. فقال له: اجلس، فجلس، فناوله قدح نبيذ كان في يده، فأرعد وبكى وأخذ القدح من يده وقال: والله يا أمير المؤمنين ما غيرت الماء بشيء قط مما يختلف في تحليله فقال: لعلك تريد نبيذ التمر أو الزبيب؟، فقال: والله يا أمير المؤمنين لا أعرف شيئا من ذلك، فأخذ المأمون القدح من يده وقال: والله لو شربت شيئا من هذا لضربت عنقك، ولقد ظننت أنك صادق في قولك كله، ولكن لا يتولى لي القضاء رجل بدأ في قوله بالبراءة من الإسلام، انصرف إلى منزلك. وأمر علوية فغير هذه الكلمة وجعل مكانها (حرمت منالي منك).
قال الصفدي - بعد نقله ذلك -: ما جرى للمأمون عفا الله عنه مع هذا القاضي المسكين على خلاف المعهود من حلمه ومن مكارم أخلاقه، وكان غير هذا الفعل أولى به، ولكنه صان منصب القضاء ووفره وأجله فعفا الله عنه. وأما هذا القاضي الخليجي، فقد اختلج في خاطرة من الوشاة ما أضر به عند محبوبته وعند الخليفة، وهذا من كهانة الشعر، ومما يتفق وقوعه للشاعر بعد مدة مديدة. وأما علوية فاعله الله، ولا أعلى له كعبا فقد أضر بحاله، وعطله من حلي القضاء. انتهى.
وقد مر مثل هذا القسم في نوع الجناس التام، وهو قول العلامة السيّد ماجد البحراني ﵀:
وذو هيف ما البدر يوما ببالغمدى وجنتيه في احمرار ولا نشر
برئنا من الإسلام إن سيم وصلهعلينا بما فوق النفوس ولا نشري
وأما أرباب البديعيات فبنوا أبياتهم على النوع الأول من أنواعه، وهو المبني على الفخر والتعاظم وعلو الهمة.
فبيت بديعية الشيخ صفي الدين الحلي ﵀ قوله:
لا لقبتني المعالي بابن بجدتهايوم الفخار ولا بر التقى قسمي
يقال: هو ابن بجدتها - بفتح الباب الموحدة وسكون الجيم وفتح الدال المهملة - للعالم بالشيء، وللدليل الهادي، ولمن لا يبرح عن قوله (قاله في القاموس). وقال الجوهري: يقال (عنده بجدة ذلك) بالفتح أي علم ذلك، ومنه قيل للعالم بالشيء المتقن له: هو ابن بجدتها.
قال ابن حجة: هذا البيت فيه نقص، لأنه غير صالح للتجريد، ولم يأت ناظمه بجوابه إلا في بيت الاستعارة الذي ترتب بعده وهو:
إن لم أحث مطايا العزم مثقلةمن القوافي تؤم المجد عن أمم
وأصحاب البديعيات شرطوا أن يكون كل بيت شاهدا على نوعه بمجرده، وإذا كان البيت له تعلق بما قبله، أو بما بعده، لا يصلح أن يكون شاهدا على ذلك النوع. انتهى.
قلت: أما نقصه من حيث تعلقه بما بعده لارتباطه القسم بجوابه فصحيح وأما من حيث عدم صلاحيته لكونه شاهدا على النوع المذكور فممنوع، لأن المستشهد عليه به هو القسم فقط، وهو قائم بالبيت المذكور، لا القسم وجوابه.
وبيت بديعية العز الموصلي قوله:
برئت من سلفي والشم من همميإن لم أدن بتقي مبرورة القسم
وبيت بديعية ابن حجة قوله:
برئت من أدبي والغر من شيميإن لم أبر بنأي عنهم قسمي
لا يخفى أن المصراع الأول من هذا البيت من صدر بيت الشيخ عز الدين الموصلي.
ولم ينظم ابن جابر الأندلسي هذا البيت في بديعيته.
وبيت بديعية الشيخ عبد القادر الطبري قوله:
لا أسفر العلم لي عن وجه مشكلةإن لم أصغ قسما لفظي لمدحهم
تأمل قوله: إن لم أصغ قسما، ما معناه؟ فإن أراد بقوله: قسما، إنه تمييز لقوله: لا أسفر العلم لي عن وجه مشكلة، فلا أظن مثل هذا التركيب ورد في كلام العرب.
وبيت بديعيتي هو قولي - والخطاب للنفس المقدم ذكرها في باب العتاب قبله -:
لا بر صدقي وعزمي في العلى قسميإن لم أردك رد الخيل باللجم
والشيخ شرف الدين المقري اقتفى أثر الشيخ صفي الدين الحلي في بيته فأتى بالقسم في بيت وجوابه في البيت الذي يتلوه فقال:
لا أسفرت لي وجوه المشكلات ولاحللت عقدة معنى غير منفهم
قوله: منفهم، اسم فاعل من أنفهم، مطاوع فهمته، لكنهم صرحوا: أن انفعل مطاوع فعل يختص بالعلاج والتأثير. قال النظام النيسابوري في شرح الكافية: كأنهم لما خصوه بالمطاوعة التزموا أن يكون من أفعال الجوارح، لتكون مطاوعته جلية عند الحس، بخلاف ما لو كان من المعاني فإن مطاوعته قد تخفى. ولهذا لا يقال علمته فانعلم. انتهى بنصه، فظهر لك أن قوله: منفهم غير صواب، لأنه كما لا يقال علمته فانعلم، كذلك لا يقال: فهمته فانفهم، إذ علة المنع فيها واحدة. وقال في القاموس: استفهمني فأفهمته وفهمته، وانفهم لحن. انتهى والله أعلم.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع